تجربة الفلبين في إضافة أكثر من 1 جيجاواط خلال 2025 تكشف درسًا مهمًا لعمان: الذكاء الاصطناعي يحوّل مراقبة المشاريع من تقارير إلى قرارات تقلّل التأخير.
ذكاء اصطناعي يضمن تنفيذ مشاريع الطاقة في عمان بلا تأخير
قبل نهاية 2025، أعلنت الفلبين أنها أضافت أكثر من 1 جيجاواط من قدرات توليد الكهرباء خلال العام، معظمها من مصادر متجددة، إضافةً إلى 160 ميجاواط من قدرات تخزين الطاقة بالبطاريات. الرقم بحد ذاته ليس المفاجأة. المفاجأة هي كيف حاولت الحكومة هناك حماية هذه الزيادة من الانزلاق إلى قائمة الوعود المؤجلة: مراقبة نشطة للمشاريع، جاهزية الربط بالشبكة، وتتبع يومي للعُقد والتصاريح والمخاطر.
هذا النوع من الانضباط التنفيذي يلامس سؤالًا عمليًا يهم قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان في 2026: كيف نُحوّل طموحات التوسع في الطاقة المتجددة، وكفاءة الشبكات، وتقليل الانقطاعات إلى نتائج في الميدان—وفي الوقت المحدد؟ رأيي المباشر: الذكاء الاصطناعي ليس “ميزة تقنية” إضافية؛ هو نظام إنذار مبكر وإدارة قرار. ومن دون هذا النظام، ستُهدر أشهر بسبب اختناقات صغيرة مثل تصريح متأخر أو قطعة معدات لم تصل في وقتها.
في هذا المقال ضمن سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان»، سنقرأ تجربة الفلبين كمرآة: ما الذي نجح؟ وما الذي تعطل؟ وكيف تستفيد عمان من نفس الدروس عبر الذكاء الاصطناعي في التخطيط، ومراقبة المشاريع، وإدارة الشبكة والتخزين؟
ما الذي تقوله أرقام الفلبين فعلًا؟ الدرس ليس “الجيجاواط”
الجواب المباشر: الزيادة السريعة في السعة لا تعني نجاح التحول الطاقي ما لم تُدار سلسلة التنفيذ كاملة—من الترخيص إلى الربط بالشبكة إلى التشغيل التجاري.
وفق ما أعلنته وزارة الطاقة الفلبينية، تم ربط نحو 956 ميجاواط بالشبكات حتى شهر نوفمبر من 2025، من 14 محطة: 12 محطة متجددة، ومحطة تعمل بالنفط، وأخرى تعمل بالغاز الطبيعي. هذه التركيبة تعكس واقعًا نعرفه في المنطقة: حتى مع نمو المتجددة، يبقى هناك احتياج لمصادر مرنة أو احتياطية لضمان استقرار الإمداد.
الأهم للفهم التنفيذي هو مشروع Terra Solar: المرحلة الأولى ستفتح 364 ميجاواط من أصل 2,500 ميجاواط طاقة شمسية مخططة، مدعومة بأنظمة تخزين بطاريات، بعد تشغيل محطتين فرعيتين بقدرة 500 كيلوفولت لكل واحدة. توقيت التشغيل التجاري المتوقع: الربع الأول من 2026.
هنا يظهر الدرس الذي يهم عمان: نجاح الطاقة المتجددة لا يُقاس بعدد الألواح الشمسية، بل بقدرة الشبكة على استقبالها—وبتزامن التنفيذ بين التوليد، التخزين، ومحطات التحويل وخطوط النقل.
عندما تُلغى العقود: التخطيط لا ينجو من “أرقام على الورق”
الفلبين أنهت خلال 2025 عدد 84 عقدًا لخدمات الطاقة المتجددة بسبب عدم الالتزام بشروط برنامج المزادات الخضراء، وهو ما يعني فقدان 5,372.209 ميجاواط من “قدرات محتملة” كانت محسوبة ضمن افتراضات التخطيط.
هذا ليس تفصيلًا ثانويًا. إنه تذكير قاسٍ: القدرة “المخططة” ليست قدرة “مضمونة”. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي من أوسع أبوابه: تحويل قائمة المشاريع من جدول Excel إلى نظام توقع احتمالي يفرز المشاريع حسب قابلية التسليم، ويكتشف مبكرًا ما الذي سيُفشلها.
لماذا مراقبة المشاريع هي نقطة التحول؟ وكيف يحوّلها الذكاء الاصطناعي إلى “تشغيل يومي”
الجواب المباشر: المراقبة النشطة تقلّل التأخيرات لأنها تُحوّل المخاطر من مفاجآت إلى إشارات قابلة للتصرف—والذكاء الاصطناعي يرفع هذا من “تقرير شهري” إلى “قرار يومي”.
وزارة الطاقة الفلبينية قالت إنها تراقب مشاريع التوليد والتخزين عبر تنسيق وثيق مع المطورين ومشغل الشبكة، وتتبع مراحل البناء والتشغيل التجريبي، وكشف الاختناقات مبكرًا مثل:
- قيود التصاريح
- مشاكل حق المرور (Right-of-Way)
- مخاطر تسليم المعدات
- تحديات التنفيذ بالموقع
في عمان، هذه النقاط مألوفة جدًا، خصوصًا مع المشاريع الكبيرة متعددة الأطراف: مطور، مقاول، موردون، جهة تنظيمية، ومشغل شبكة. الفارق الذي يصنعه الذكاء الاصطناعي هو ربط الإشارات المتفرقة (مراسلات، تقدم فعلي، فواتير، صور موقع، بيانات سلاسل الإمداد) إلى مؤشر خطر واحد واضح: هل المشروع سينتهي في وقته؟ وإذا لا، ما التدخل الذي يغيّر المسار؟
3 تطبيقات عملية للذكاء الاصطناعي في مراقبة مشاريع الطاقة بعمان
-
توقع التأخير قبل حدوثه (Schedule Risk Prediction)
نموذج يتعلم من مشاريع سابقة (زمن التصاريح، تسليم المعدات، أداء المقاول) ليعطي احتمال تأخير لكل حزمة عمل. بدل أن ننتظر انزلاق الجدول، نرى الانزلاق وهو يتشكل. -
تحليل نصوص التصاريح والمراسلات
الكثير من “التأخير” يبدأ بجملة في بريد إلكتروني: “نحتاج مستند إضافي” أو “يتطلب اعتمادًا جديدًا”. الذكاء الاصطناعي يمكنه تصنيف الرسائل ورصد الكلمات الدالة على تعطل، ثم يرفع تنبيهًا لإدارة المشروع. -
رؤية حاسوبية لمواقع العمل (Computer Vision)
صور الطائرات المسيّرة أو كاميرات الموقع تُقارن تلقائيًا بخطة التنفيذ: هل تم صب الأساسات؟ هل وصلت المحولات؟ هل تقدّم الحفر مطابق؟ هذا يقلّل الاعتماد على تقارير قد تتأخر أو تتجمّل.
عبارة قابلة للاقتباس: المشروع لا يتأخر فجأة؛ يتأخر تدريجيًا، والذكاء الاصطناعي يلتقط “التدريج” قبل أن يتحول إلى أزمة.
بطاريات التخزين: لماذا تصبح أهم مع كل ميجاواط متجدد جديد؟
الجواب المباشر: كلما زادت الطاقة الشمسية والرياح، زادت قيمة البطاريات—لأنها تُحوّل التذبذب إلى موثوقية، والذكاء الاصطناعي هو الذي يقرر متى تشحن ومتى تفرغ لتحقيق أعلى فائدة.
الفلبين أضافت 160 ميجاواط تخزين بالبطاريات في لوزون وفيساياس. هذا ينسجم مع مشروع Terra Solar الذي يعتمد على التخزين لدعم 2,500 ميجاواط شمسية. عمليًا، البطاريات ليست “إضافة جميلة”. هي أداة تشغيل الشبكة في أوقات الذروة، ووسيلة لتخفيف ضغط النقل، واحتياط سريع للاستجابة.
في سياق عمان، حيث يتزايد الاهتمام بالمتجددة وكفاءة الطاقة واستقرار الشبكات (خصوصًا مع أحمال صناعية ومشاريع توسعية)، يصبح السؤال التشغيلي: كيف نضمن أن البطاريات تعمل لتحقيق أقل تكلفة وأعلى اعتمادية؟
كيف يرفع الذكاء الاصطناعي عائد الاستثمار في التخزين؟
- تحسين الجدولة الاقتصادية (Optimal Dispatch): خوارزميات تتنبأ بالأحمال والأسعار/التكلفة التشغيلية وتحدد أفضل أوقات الشحن والتفريغ.
- إطالة عمر البطارية: إدارة دورات الشحن والتفريغ لتقليل التدهور (Degradation) عبر سياسات تشغيل مبنية على البيانات.
- تشغيل كمحطة افتراضية (Virtual Power Plant): تجميع عدة بطاريات ومصادر موزعة وإدارتها كوحدة واحدة لاستقرار التردد والجهد.
هذا مهم لأنه يربط بين التحول الطاقي والجدوى المالية—وهما خطان لا يمكن فصلهما في 2026.
من الفحم إلى الشبكات الذكية: لماذا التخطيط وحده لا يكفي؟
الجواب المباشر: التحول الطاقي ليس قرارًا سياسيًا فقط؛ هو سلسلة قرارات تشغيلية يومية—والذكاء الاصطناعي يحول التخطيط طويل الأجل إلى تشغيل ذكي.
إحصاءات الفلبين لعام 2024 تُظهر أن الفحم بقي المصدر الأكبر بنحو 80,000 جيجاواط ساعة، مقابل أكثر من 28,000 جيجاواط ساعة من المتجددة، وحوالي 18,000 جيجاواط ساعة من الغاز، وأكثر من 1,300 جيجاواط ساعة من النفط. هذا يعكس واقعًا عالميًا: التحول يحدث، لكن خط الأساس التقليدي لا يختفي بسرعة.
الفلبين تستهدف رفع حصة المتجددة إلى 35% بحلول 2030 و50% بحلول 2040، ضمن خطة 2023-2050، مع توجه لتقنيات الشبكات الذكية وتوفير الطاقة وارتفاع انتشار المركبات الكهربائية.
بالنسبة لعمان، الرسالة العملية: إذا زادت مصادر التوليد المتنوعة (متجددة/غاز/تخزين)، فإن تعقيد التشغيل يرتفع. وهنا تصبح “الشبكة الذكية” ليست شعارًا، بل:
- قياس لحظي للأحمال
- توقع دقيق للطلب
- إدارة الأعطال قبل وقوعها (Predictive Maintenance)
- تنسيق بين التوليد والتخزين والنقل
الذكاء الاصطناعي هو طبقة الربط التي تمنع هذا التعقيد من التحول إلى تكلفة أو انقطاعات.
أسئلة شائعة يطرحها صناع القرار في عمان (وإجابات عملية)
هل الذكاء الاصطناعي مفيد إذا كانت البيانات غير مكتملة؟
نعم، بشرط البدء بحالات استخدام واضحة وببيانات يمكن الوثوق بها. كثير من النماذج تعمل جيدًا مع بيانات “جيدة بما يكفي” إذا كان الهدف محددًا (مثل توقع تأخر التوريد أو رصد مخاطر التصاريح).
هل نحتاج تغيير كل الأنظمة الحالية؟
لا. الأفضل غالبًا هو نهج تدريجي: ربط مصادر البيانات الحالية (SCADA/ERP/PMIS) عبر طبقة تكامل، ثم بناء لوحات قيادة ونماذج تنبؤية فوقها.
ما المؤشر الذي يثبت قيمة الذكاء الاصطناعي بسرعة؟
خفض التأخير في الجدول الزمني للمشاريع، وتقليل الأعطال غير المخططة، وتحسين استهلاك الوقود/الطاقة في التشغيل—هذه مؤشرات مالية وتشغيلية مباشرة.
ما الذي يمكن لعمان أن تأخذه من تجربة الفلبين في 2026؟
الجواب المباشر: الدروس الثلاثة هي: اربط التوليد بالشبكة مبكرًا، عامل التخزين كجزء من التصميم، وراقب التنفيذ يوميًا—والذكاء الاصطناعي هو أداة الربط بين الثلاثة.
إذا أردنا تحويل هذه الدروس إلى خطوات قابلة للتطبيق في شركات الطاقة والنفط والغاز بعمان، فهذه خطة عملية من 5 نقاط:
- إنشاء “غرفة قيادة” رقمية للمشاريع تجمع الجدول، العقود، المخاطر، وجاهزية الشبكة.
- اعتماد نموذج تنبؤ بالتأخير يبدأ بـ 2-3 مشاريع كبيرة ثم يتوسع.
- ربط التخزين بالشبكة كبرنامج تشغيل لا كمشتريات: سياسات تشغيل، مؤشرات أداء، وتحسين مستمر.
- حوكمة بيانات واضحة: من يملك البيانات؟ من يعتمدها؟ ما تعريف “الإنجاز”؟
- إدارة تغيير واقعية: تدريب فرق المشاريع والتشغيل على قراءة مخرجات النماذج، لأن أفضل نموذج بلا مستخدمين لا يساوي شيئًا.
التحول الطاقي في عمان لن يفوز بمن يعلن أهدافًا أكبر، بل بمن يسلّم مشاريع أكثر في وقتها وبجودة تشغيل أعلى. تجربة الفلبين تُظهر أن جزءًا كبيرًا من النجاح يأتي من التفاصيل: تصريح، محول، حق مرور، ربط شبكة. وهنا بالضبط يعمل الذكاء الاصطناعي بأفضل صورة—ليس كاستعراض تقني، بل كمنهج لإدارة التعقيد.
إذا كنت تعمل في شركة طاقة، أو في مشاريع نفط وغاز مرتبطة بالبنية الكهربائية، ما المجال الذي ترى أنه أكثر عرضة للتأخير عندنا: التصاريح، سلاسل الإمداد، أم جاهزية الشبكة؟