تضخم عُمان بقي عند 0.94% في 2025، ومع تراجع الفائدة، أصبحت بيئة الاستثمار في ذكاء الطاقة أوضح. تعرّف كيف يترجم ذلك إلى مشاريع AI قابلة للتمويل في النفط والغاز.
تضخم عُمان المنخفض 2025: أرضية صلبة لذكاء الطاقة
رقم واحد يشرح مزاج الاقتصاد في عُمان خلال 2025 أكثر من أي عنوان آخر: متوسط التضخم بلغ 0.94% من يناير إلى نوفمبر 2025 بحسب بيان وزارة الاقتصاد. هذا ليس خبراً اقتصادياً “لطيفاً” فقط؛ بل هو إشارة تشغيلية لأي شركة تفكّر في استثمارات كبيرة متعددة السنوات—خصوصاً في قطاع الطاقة والنفط والغاز، حيث قرارات اليوم تُترجم إلى أصول وتقنيات تعمل لعقد أو أكثر.
وهنا تأتي الفكرة التي يخطئ كثيرون في تقديرها: الذكاء الاصطناعي في الطاقة لا يزدهر في بيئة متقلبة. المشاريع التي تعتمد على البيانات (منصة بحيرة بيانات، حساسات إنترنت الأشياء، نماذج تنبؤية للصيانة، تحسين الإنتاج) تحتاج ميزانيات مستقرة، وتمويلاً بتكلفة معقولة، وثقة بأن تكاليف التشغيل لن تقفز فجأة. تضخم أقل من 1% يغيّر قواعد اللعبة عملياً—ليس بالشعارات، بل بالأرقام وبقرارات التمويل.
ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان”، هذه المقالة تربط بين اقتصاد كلي متوازن وبين ما يعنيه ذلك على الأرض لفرق التشغيل والهندسة والتمويل والتحول الرقمي في الشركات العُمانية.
لماذا يُعد تضخم أقل من 1% خبرًا كبيرًا للاستثمار في الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة المباشرة: لأن انخفاض التضخم يجعل التخطيط المالي أدقّ، ويقلل مخاطر ارتفاع التكاليف، ويرفع قابلية اعتماد مشاريع التحول الرقمي طويلة الأجل.
في 2025، أكدت وزارة الاقتصاد أن التضخم بقي ضمن التوقعات (قريباً من 1%)، مع استمرار الضغوط التضخمية العالمية “ضمن نطاق” رغم تقلبات السياسات التجارية والرسوم الجمركية. هذه الجملة وحدها تهم مديري المشاريع: عندما ترتفع الرسوم أو تتغير سلاسل الإمداد، أول ما يتأثر عادةً هو الأجهزة والخدمات التقنية.
الاستقرار السعري = استقرار في “تكلفة التحول”
مشاريع الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز عادةً تتضمن:
- معدات قياس وحساسات و
edge computingفي المواقع - تراخيص برمجيات وتحليلات صناعية
- خدمات تكامل بيانات وأمن سيبراني
- تدريب فرق التشغيل على استخدام النماذج وتفسير المخرجات
في بيئة تضخم مرتفع، تُصبح التكاليف “زئبقية”، فتتضخم الميزانيات وتتعثر الموافقات. أما في تضخم منخفض، فالقرار يصبح أقرب إلى: هل يحقق المشروع عائداً تشغيلياً واضحاً؟ بدل: كم ستقفز التكاليف في منتصف التنفيذ؟
قيمة خفية: حماية القوة الشرائية للمهارات
وزارة الاقتصاد أشارت إلى أن سياسات الدعم المستهدف للسلع الغذائية والخدمات الأساسية منذ 2021 ساعدت على حماية القوة الشرائية. هذا ينعكس على سوق العمل أيضاً: عندما يكون ضغط الأسعار محدوداً، تستطيع الشركات بناء خطط تدريب واحتفاظ بالكوادر دون سباق محموم لتعويض تآكل الرواتب. والذكاء الاصطناعي يحتاج كوادر—علماء بيانات، مهندسين بيانات، مهندسي موثوقية، ومختصي عمليات.
تيسير نقدي وتمويل أرخص: كيف يخدم مشاريع AI في الطاقة؟
الإجابة المباشرة: لأن تراجع تكلفة الاقتراض يحول مشاريع الذكاء الاصطناعي من “تحسينات اختيارية” إلى “استثمارات قابلة للتمويل” بوضوح.
وفق بيانات 2025، قام البنك المركزي العُماني بتخفيض أسعار الفائدة على عمليات إعادة الشراء عدة مرات خلال 2025 من 5% بنهاية 2024 إلى 4.25% في ديسمبر 2025، تماشياً مع قرارات الاحتياطي الفيدرالي وبحكم ربط الريال بالدولار. النتيجة: سيولة أفضل وتكلفة ائتمان أقل.
وتترجم هذه البيئة إلى أرقام ائتمانية: إجمالي الائتمان الممنوح من القطاع المصرفي بلغ 34.7 مليار ريال عُماني بنهاية أكتوبر 2025 (+9%)، بينما ارتفع ائتمان القطاع الخاص إلى 28.3 مليار ريال (+5.8%). هذه ليست تفاصيل مصرفية هامشية؛ إنها مؤشر على قدرة السوق على تمويل التحول.
نموذج عملي: تحويل “CAPEX ثقيل” إلى مراحل ممولة
مشروع ذكاء اصطناعي نموذجي في منشأة نفطية يمكن تقسيمه لثلاث مراحل، وهذا مهم في بيئة تمويل نشطة:
- مرحلة تجريبية (8–12 أسبوعاً): نموذج تنبؤ لأعطال المضخات/الضواغط على خط واحد، مع قياس العائد.
- مرحلة تعميم (3–6 أشهر): توسيع الحساسات وربط البيانات ورفع دقة النماذج.
- مرحلة تشغيلية (6–12 شهراً): دمج النموذج مع أنظمة الصيانة (
CMMS) والعمليات (SCADA/DCS) وتطبيق إدارة تغيير منظمة.
مع تيسير نقدي وتكاليف ائتمان أقل، يصبح تمويل هذه المراحل أسهل، والأهم: يمكن ربط التمويل بنتائج كل مرحلة بدل ربطه بوعود نهاية السنة.
جملة قابلة للاقتباس: حين تكون تكلفة التمويل تحت السيطرة، يصبح السؤال الصحيح عن الذكاء الاصطناعي: كم توقفاً غير مخطط سنمنع؟ وليس كم سيكلفنا المشروع؟
قراءة سلة الأسعار: أين تظهر فرص الذكاء الاصطناعي في التشغيل؟
الإجابة المباشرة: تحركات الأسعار داخل مؤشر أسعار المستهلك تعطي تلميحات عن أين تتجمع الضغوط—وهذا يساعد شركات الطاقة على ترتيب أولوياتها التشغيلية وخفض التكاليف عبر AI.
تفاصيل CPI من يناير إلى نوفمبر 2025 تُظهر صورة دقيقة:
- الأغذية والمشروبات غير الكحولية انخفضت 0.33%
- السكن والمياه والكهرباء والاتصالات مستقرة
- سلع وخدمات متنوعة ارتفعت 6.8%
- النقل ارتفع 3.2%
- المطاعم والفنادق 1.8%، الصحة 1.5%
- الملابس والتعليم ~0.45%
ماذا يعني ذلك لشركات النفط والغاز تحديداً؟
ارتفاع النقل والسلع والخدمات المتنوعة يهم أي شركة تعتمد على خدمات ميدانية ومشتريات تشغيلية. وهنا الذكاء الاصطناعي مفيد لأن جزءاً كبيراً من التكلفة ليس “سعراً” فقط بل “هدر وقت” و”قرارات شراء” و”جداول صيانة” و”كفاءة أسطول”.
أمثلة تطبيقية داخل شركات الطاقة في عُمان (قابلة للتنفيذ):
- تحسين لوجستيات المواقع عبر نماذج تنبؤ بالطلب على قطع الغيار وتقليل الشحنات العاجلة المكلفة.
- تحليلات إنفاق المشتريات لاكتشاف التكرار، وتوحيد المواصفات، ورصد الانحرافات السعرية بين الموردين.
- تحسين استهلاك الطاقة داخل المنشآت (محطات المعالجة، الضواغط، التبريد) عبر نماذج تتحكم في الإعدادات التشغيلية ضمن حدود السلامة.
مبدأ عملي: إذا كانت الفاتورة ترتفع في بند خدمات/نقل، فالذكاء الاصطناعي لا “يخفض السعر”—إنه يقلل عدد المرات التي تدفع فيها نفس الفاتورة بسبب سوء التخطيط.
مؤشر أسعار المنتج والواردات: أين تختبئ المخاطر التقنية في 2026؟
الإجابة المباشرة: انخفاض أسعار المنتج وارتفاع أسعار الواردات يعني فرصة لتقليل تكاليف الإنتاج محلياً، مقابل ضرورة إدارة مخاطر تكلفة المعدات المستوردة لمشاريع التقنية.
بحسب البيانات:
- مؤشر أسعار المنتج (PPI) انخفض 4.3% بنهاية الربع الثالث 2025 مقارنةً بالفترة نفسها من 2024، مدفوعاً بانخفاض أسعار التعدين واستغلال المحاجر والتصنيع.
- مؤشر أسعار الواردات ارتفع 15.2%، مع قفزة 34.7% في المشروبات والتبغ، و12.1% في الآلات ومعدات النقل.
لماذا هذا مهم لمشاريع الذكاء الاصطناعي في الطاقة؟
جزء معتبر من بنية التحول الرقمي في المواقع يعتمد على معدات قد تُصنف ضمن “آلات ومعدات نقل” (شبكات صناعية، خوادم طرفية، معدات اتصالات، أجهزة قياس متقدمة). ارتفاع كلفة الواردات يفرض على الشركات ذكاءً مختلفاً: ليس فقط ذكاء النماذج، بل ذكاء التوريد.
إجراءات عملية لتقليل أثر ارتفاع الواردات على مشاريع AI:
- تصميم معماري هجين: مزيج من الحوسبة السحابية + الحوسبة الطرفية لتقليل الاعتماد على أجهزة كثيفة.
- توحيد المنصات والقطع (Standardization): قلّل تنوع الأجهزة لتربح في الصيانة والمخزون.
- عقود توريد متعددة السنوات: تثبيت أسعار/سقوف سعرية ما أمكن، خصوصاً للمعدات الحيوية.
- تفضيل حلول “برمجيات أولاً”: عندما يكون البديل ممكنًا، قدّم الاستثمار في البرمجيات والتحليلات على الأجهزة الثقيلة.
خارطة طريق مختصرة: كيف تستفيد شركات الطاقة من الاستقرار في 2026؟
الإجابة المباشرة: اجعل 2026 سنة “تحويل البيانات إلى قرارات” عبر 5 حالات استخدام واضحة، مع حوكمة وأمن وتمويل مرحلي.
مع توقعات استمرار تراجع أسعار السلع العالمية إلى 2026 (أدنى مستويات في ست سنوات وفق ما ورد في الخبر)، ومع انخفاض مؤشر أسعار الغذاء لدى الفاو لثلاثة أشهر متتالية حتى نوفمبر 2025 وبقاءه أقل بنحو 22% من ذروة مارس 2022، تبدو البيئة العامة أكثر قابلية لتثبيت خطط التحول بدلاً من إدارتها بالاستجابة للأزمات.
5 حالات استخدام ذات عائد سريع في النفط والغاز
- الصيانة التنبؤية للمعدات الدوارة (مضخات، ضواغط): خفض التوقفات غير المخطط لها.
- تحسين إنتاج الآبار عبر نماذج تتنبأ بالسلوك الإنتاجي وتوصي بإجراءات تشغيل.
- رصد التسربات/الشذوذ باستخدام بيانات الحساسات والصوت والاهتزاز.
- تحسين استهلاك الوقود وانبعاثات الأسطول (شاحنات، مولدات، نقل ميداني) عبر التحسين والجدولة.
- السلامة التشغيلية: تحليل فيديو/رؤية حاسوبية لرصد معدات الوقاية ومناطق الخطر (ضمن سياسات خصوصية واضحة).
أسئلة “يسألها الناس أيضاً” داخل الشركات—وإجابات عملية
-
هل الذكاء الاصطناعي يعني استبدال الفرق؟ لا. في الطاقة تحديداً، أفضل النتائج تأتي عندما يُستخدم AI كطبقة قرار تدعم مهندس التشغيل—لا كبديل عنه.
-
من أين نبدأ إذا كانت البيانات غير مرتبة؟ ابدأ بحالة استخدام واحدة، وحدّد 20–30 متغيراً حرجاً، وأنشئ خط بيانات نظيفاً لها. بناء “بحيرة بيانات مثالية” أولاً عادةً يطيل الوقت بلا عائد.
-
كيف نقيس العائد؟ اربط المشروع بمقاييس تشغيلية مباشرة: ساعات توقف أقل، تكلفة صيانة أقل لكل وحدة، زيادة معامل الاعتمادية، أو خفض استهلاك الطاقة لكل برميل مكافئ.
ما الذي تعلّمناه من 2025—وما الذي يجب فعله الآن؟
استقرار التضخم عند 0.94%، وتراجع الفائدة إلى 4.25%، ونمو الائتمان إلى 34.7 مليار ريال عُماني ليست مؤشرات اقتصادية عامة فقط؛ إنها بيئة تسمح للشركات أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته مشروع تشغيل وإنتاج وسلامة—لا تجربة علاقات عامة.
إذا كنت تقود التحول الرقمي أو الهندسة أو التمويل في شركة طاقة بعُمان، فخطوتك التالية واضحة: اختر حالتي استخدام ببيانات متاحة، صمّم تمويلاً مرحلياً، وابنِ حوكمة بيانات تمنع التشتت. أنا أميل دائماً إلى البدء بالصيانة التنبؤية لأنها تمنح “فوزاً سريعاً” يمكن للإدارة رؤيته في جداول التوقف والتكلفة.
السؤال الذي يستحق التفكير في 2026: هل سنستثمر الاستقرار الاقتصادي في بناء أصول رقمية (بيانات + نماذج + حوكمة) تُراكم قيمة سنة بعد سنة، أم سنؤجل بحجة أن التحول “معقّد”؟