الذكاء الاصطناعي والاستدامة: ما الذي تعلّمنا إياه «آفاق»؟

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمانBy 3L3C

كيف تربط «آفاق» بين الاستدامة والذكاء الاصطناعي في الطاقة بعُمان؟ قراءة عملية تُحوّل الأرقام إلى فرص للشركات الناشئة والقطاع.

الذكاء الاصطناعيقطاع الطاقةالنفط والغازالشركات الناشئةرؤية عمان 2040الاستدامةحوكمة البيانات
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي والاستدامة: ما الذي تعلّمنا إياه «آفاق»؟

الذكاء الاصطناعي والاستدامة: ما الذي تعلّمنا إياه «آفاق»؟

549 وظيفة و205 شركة ناشئة تقنية خلال 2023–2025، وبقيمة سوقية تقديرية وصلت إلى 395 مليون دولار. هذه ليست أرقاماً دعائية؛ بل إشارة واضحة إلى أن منظومة الابتكار في عُمان بدأت تنتقل من “أفكار جميلة” إلى اقتصاد يُنتج ويُوظّف ويُصدّر حلولاً. وفي 07/01/2026، جاء حفل «آفاق» في دار الأوبرا السلطانية ليضع خطاً تحت هذه المرحلة ويعلن خطوة أهم: خطة استدامة مؤسسية بعنوان «رحلة الابتكار تبدأ بفكرة وتبني اقتصاداً مستداماً».

هذا الإعلان لا يهم روّاد الأعمال وحدهم. يهم كل من يعمل أو يستثمر أو يخطّط في قطاع الطاقة والنفط والغاز في عُمان—لسبب بسيط: القطاع نفسه يعيش لحظة مشابهة، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي هو اللغة المشتركة بين الكفاءة التشغيلية، والسلامة، وخفض الانبعاثات، وتعظيم العائد.

وجهة نظري؟ الطريق الأقصر لبناء شركات ناشئة “تستمر” هو أن تُحلّ مشكلات حقيقية في الطاقة—وبالأخص المشكلات التي يمكن قياسها وتحسينها بخوارزميات واضحة، وبيانات متاحة، وشركاء جاهزين للتجربة.

ما الذي تغيّر فعلاً في «آفاق»… ولماذا يهم الطاقة؟

الجواب المباشر: لأن البرنامج لم يعد “فعالية” أو “دفعة تدريبية”، بل يتجه ليصبح إطاراً دائماً بحوكمة وشراكات. وهذه هي نفس الوصفة التي تحتاجها مشاريع الذكاء الاصطناعي في الطاقة: ليس نموذجاً أولياً رائعاً فقط، بل اعتماد مؤسسي طويل المدى.

خلال حفل «آفاق»، ترأس صاحب السمو السيد بلعرب بن هيثم بصفته الرئيس الفخري لبرنامج الشركات العُمانية الناشئة الواعدة، الاحتفاء بنهاية المرحلة التأسيسية (2023–2025) وإطلاق خطة استدامة تُحوّل البرنامج إلى منظومة مؤسسية مستمرة تتناغم مع رؤية عُمان 2040 عبر:

  • تعزيز التكامل المؤسسي بين الجهات
  • رفع العوائد الاقتصادية طويلة الأجل
  • ترسيخ الحوكمة
  • بناء شراكات مع القطاع الخاص

وهنا تظهر “القنطرة” مع قطاع النفط والغاز: أفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي تحتاج بيئة حوكمة وبيانات وتجارب ميدانية—والقطاع الخاص في الطاقة هو المكان الذي تتوفر فيه هذه الشروط، إذا تم تصميم الشراكات بشكل صحيح.

درس عملي من «آفاق» لفرق الذكاء الاصطناعي في الطاقة

إذا أردت أن ينجح مشروع AI داخل منشأة نفطية أو محطة طاقة، لا تبدأ بالخوارزمية. ابدأ بـ:

  1. المشكلة القابلة للقياس (توقفات غير مخطط لها، استهلاك وقود، حوادث سلامة…)
  2. مالك مشكلة واضح (مدير صيانة/تشغيل/سلامة)
  3. مسار اعتماد (تجربة → تقييم → تعميم)
  4. حوكمة بيانات (من يملك البيانات؟ كيف تُشارك؟ ما معايير الجودة؟)

أين يستخدم قطاع الطاقة في عُمان الذكاء الاصطناعي اليوم؟

الجواب المباشر: في ثلاث ساحات مربحة وواضحة العائد—التشغيل، السلامة، والاستدامة. وهذه الساحات نفسها تُعدّ فرصاً ممتازة للشركات الناشئة التي تتخرج من برامج مثل «آفاق».

1) تحسين الإنتاج عبر الصيانة التنبؤية

الصيانة التنبؤية ليست “فكرة تقنية”، بل قرار مالي. عندما تتنبأ بتلف مضخة أو ضاغط قبل أن يتوقف، فأنت تقلّل:

  • التوقفات غير المخطط لها
  • كلفة قطع الغيار الطارئة
  • مخاطر السلامة الناتجة عن الأعطال

كيف يعمل الذكاء الاصطناعي هنا؟

  • نماذج تتعلم من بيانات الاهتزاز والحرارة والضغط
  • اكتشاف الأنماط الشاذة (Anomaly Detection)
  • توصية “متى نوقف؟ ومتى نستبدل؟” بدلاً من “ننتظر حتى تتعطل”

فرصة للشركات الناشئة: بناء طبقة “ذكاء” فوق أنظمة الصيانة الموجودة بالفعل (CMMS/EAM)، مع التركيز على واجهة قرار بسيطة للفنيين ومديري الصيانة.

2) أتمتة العمليات ورفع كفاءة استهلاك الطاقة

الواقع؟ كثير من التحسينات في المنشآت الصناعية ليست بحاجة لتغيير معدات بملايين، بل لضبط تشغيل ذكي:

  • جدولة تشغيل المعدات حسب الحمل والطلب
  • تحسين التحكم (Control Optimization)
  • تقليل الفاقد الحراري

الشركات الناشئة التي تفهم العمليات الصناعية وتترجمها إلى نماذج AI قابلة للتطبيق—هي التي تربح. ليس من يقدّم “لوحات بيانات جميلة” فقط.

3) تعزيز السلامة: من التفاعل إلى الوقاية

السلامة في النفط والغاز تُدار غالباً عبر إجراءات وتدريب وتوثيق. الذكاء الاصطناعي يضيف بعداً جديداً: الوقاية الاستباقية.

أمثلة عملية قابلة للتنفيذ:

  • رؤية حاسوبية لمراقبة الالتزام بمعدات السلامة في مناطق محددة
  • نماذج تتنبأ بمناطق المخاطر حسب ظروف التشغيل والطقس وحركة المعدات
  • تحليل نصوص تقارير الحوادث القريبة (Near Miss) لاستخراج الأسباب المتكررة

الجملة التي أحب تكرارها هنا: السلامة ليست ملفاً… السلامة بيانات.

الاستدامة ليست شعاراً: هكذا يصبح الذكاء الاصطناعي “لغة الاستدامة”

الجواب المباشر: لأن الاستدامة تحتاج قياساً وتحسيناً مستمراً، والذكاء الاصطناعي ممتاز في تحويل القياس إلى قرارات تشغيلية.

إطلاق خطة الاستدامة الجديدة ضمن «آفاق» يرسل رسالة: الاستدامة ستُدار كمؤشرات وأثر اقتصادي، لا كحملات علاقات عامة. وهذا يتقاطع مباشرة مع تحديات الطاقة:

خفض الانبعاثات عبر تحسين التشغيل

حتى دون الدخول في مشاريع معقدة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في:

  • تقليل الحرق غير الضروري (Flare Optimization) عبر تنبؤات الطلب والضغط
  • تحسين الكفاءة الحرارية للمعدات
  • تقليل الفاقد في الشبكات أو الأنظمة المساعدة

قياس الكربون بدقة… ثم التحسين

القياس هو الخطوة الأولى، لكن القياس اليدوي ينهار مع التعقيد. الذكاء الاصطناعي يساهم في:

  • توحيد مصادر البيانات التشغيلية والبيئية
  • كشف التناقضات والأخطاء في القياس
  • بناء خط أساس (Baseline) قابل للمراجعة

ومن ناحية أعمال، هذا يفتح مساراً لشركات ناشئة تقدم “محاسبة كربون صناعية” مهيأة لبيئات النفط والغاز.

كيف تبني شركة ناشئة للذكاء الاصطناعي تخدم الطاقة وتنجح في عُمان؟

الجواب المباشر: اربط منتجك بثلاثة أشياء فقط—بيانات، شريك تشغيل، وعائد واضح خلال 90 يوماً. غير ذلك سيبقى في نطاق العروض التقديمية.

أقترح إطاراً عملياً (يمكن لروّاد الأعمال في عُمان تبنيه فوراً):

1) اختر مشكلة “قابلة للشراء” لا “قابلة للإعجاب”

المشكلة القابلة للشراء هي التي يملكها قسم لديه ميزانية ومؤشر أداء. أمثلة مناسبة لقطاع الطاقة:

  • تقليل التوقفات بنسبة محددة
  • خفض استهلاك الطاقة/الوقود
  • تقليل زمن إصدار التصاريح أو إدارة العمل الميداني
  • رفع امتثال السلامة في مناطق عالية المخاطر

2) صمّم منتجاً يتحمل واقع البيانات

بيانات المنشآت ليست نظيفة دائماً. المنتج الجيد:

  • يتعامل مع الفجوات
  • يوضح درجة الثقة
  • يوفّر مسار تدقيق (Audit Trail)
  • لا ينهار عند أول تغيير في حساس أو طريقة قياس

3) أثبت العائد بسرعة: تجربة 6–12 أسبوعاً

أفضل طريقة للبيع في الطاقة هي “تجربة محدودة” بمؤشرات متفق عليها مسبقاً:

  • قبل/بعد
  • خط أساس واضح
  • تقرير أثر مختصر قابل للعرض على الإدارة

عبارة مختصرة تصلح كقاعدة: إذا لم تستطع قياس الأثر خلال 90 يوماً، فغالباً اخترت مشكلة خاطئة.

4) الحوكمة ليست عائقاً… هي ميزة تنافسية

خطة الاستدامة المؤسسية التي أُعلنت في «آفاق» تذكّرنا بأن الحوكمة هي ما يحول المبادرات إلى “نظام”. في مشاريع الذكاء الاصطناعي بقطاع الطاقة، الحوكمة تعني:

  • سياسات مشاركة البيانات بين الشريك والناشئة
  • متطلبات الأمن السيبراني
  • مسؤولية القرار عندما يوصي النموذج بشيء
  • امتثال تشريعي وتشغيلي

الشركة الناشئة التي تفهم ذلك وتبني منتجها وفقه ستتجاوز منافسين كثيرين.

أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون في الطاقة عن الذكاء الاصطناعي

هل نحتاج بيانات ضخمة لنبدأ؟

لا. تحتاج بيانات مناسبة. كثير من حالات الاستخدام تبدأ ببيانات تشغيلية أساسية (ضغط/حرارة/تدفق) إذا كانت جودتها مقبولة ومسار جمعها ثابت.

هل الأفضل شراء حل جاهز أم تطويره محلياً؟

الخيار الواقعي غالباً “مزيج”: حلول جاهزة للبنية الأساسية، وتطوير محلي للطبقات التي تتطلب معرفة بالسياق التشغيلي في عُمان. هنا تظهر قيمة الشركات الناشئة المحلية.

ما أكبر سبب لفشل مشاريع الذكاء الاصطناعي؟

غياب “مالك مشكلة” داخل المنشأة، أو غموض العائد. التقنية وحدها لا تُقنع الإدارة.

ماذا يعني إعلان «آفاق» لسلسلة “الذكاء الاصطناعي في الطاقة”؟

الجواب المباشر: يعني أن عُمان تؤسس لمسار واحد يجمع الابتكار المؤسسي والذكاء الاصطناعي والاستدامة تحت مظلة رؤية 2040، وهذا بالضبط ما يحتاجه قطاع النفط والغاز ليستمر في تعظيم قيمته الاقتصادية مع خفض الأثر البيئي.

الأرقام التي سمعناها في «آفاق» (205 شركة، 395 مليون دولار قيمة سوقية، 549 وظيفة) تقول إن “القدرة على البناء” موجودة. الخطوة التالية هي توجيه هذه القدرة إلى أكثر الملفات إلحاحاً وربحية: الطاقة.

إذا كنت تعمل في شركة طاقة: ابدأ بمشكلتين فقط، وافتح باب تجربة منضبطة مع شركة ناشئة محلية.

وإذا كنت رائد أعمال: ابحث عن مشكلة تشغيلية حقيقية، واصنع تجربة تُثبت الأثر خلال أسابيع، لا سنوات.

السؤال الذي أتركه لك: ما أول قرار تشغيلي في منظومتك يمكن أن يصبح “قراراً مدعوماً بالبيانات” بدلاً من الاعتماد على الحدس؟