دراسة من جامعة السلطان قابوس تكشف تفوق الذكاء الاصطناعي في الشرح وضعفه في الحساب. كيف نستفيد منه في طاقة عُمان دون مخاطرة؟

الذكاء الاصطناعي في طاقة عُمان: أين يتوقف وأين نُكمل؟
في 05/01/2026 خرجت دراسة من جامعة السلطان قابوس بنتيجة مزعجة لمن يظن أن الذكاء الاصطناعي “يكفي وحده”: عندما اختبر الباحثون أداء ChatGPT-4 في 60 سؤالًا من تمويل الشركات، تفوّق في الأسئلة النظرية بنسبة 87% مقابل 75% للطلبة، لكنه انهار في أسئلة الحسابات: 32% فقط مقابل 82% للطلبة. الفكرة ليست “فضيحة تقنية” بقدر ما هي جرس إنذار عملي: بعض المهام التي تبدو رقمية بحتة ما زالت تحتاج عقلًا بشريًا يربط السياق بالمنطق وبالتحقق.
هذا يهم قطاع الطاقة والنفط والغاز في عُمان مباشرة. لأن أكثر قراراته حساسية هي قرارات “حسابية” على الورق، لكنها في الواقع تحليل متعدد الطبقات: بيانات حساسات، نماذج مكامن، مخاطرة سلامة، قيود بيئية، وتكلفة تشغيل… كلها تتحرك في وقت واحد. الذكاء الاصطناعي ممتاز في الشرح، والبحث، وتلخيص التقارير، واقتراح المسارات. لكنه لا يُعطى مفاتيح القرار وحده عندما تكون النتيجة إيقاف حقل، أو تغيير إعدادات ضغط، أو ترجيح صيانة مؤجلة.
جملة واحدة تلخص الدرس: الذكاء الاصطناعي يرفع سرعة الفريق، لكنه لا يملك وحده “حسّ التحقق” الذي يحمي القرارات الحرجة.
ماذا تقول دراسة جامعة السلطان قابوس… ولماذا هي مهمة للطاقة؟
الدراسة (المنشورة في Journal of Educational Technology Systems) صممت اختبارًا بسيطًا وواضحًا: أسئلة تمويل شركات من كتاب معتمد (NPV، IRR، القيمة الزمنية للنقود، النسب المالية)، وهي نفس أسئلة امتحانات حقيقية لطلبة في جامعة السلطان قابوس. ثم طُرحت الأسئلة على ChatGPT-4 ثلاث مرات لقياس الثبات.
النتيجة الأساسية قابلة للنقل لقطاع الطاقة في عُمان:
- عندما تكون المهمة وصفية/تفسيرية (شرح مفهوم، تلخيص، مقارنة) يتألق النموذج.
- عندما تصبح المهمة حسابية/تحليلية دقيقة (تطبيق صيغة، التزام بوحدات، قراءة بنية مسألة) تكثر الأخطاء.
في النفط والغاز، هذا الفرق يشبه الفرق بين:
- تقرير يشرح “لماذا يتدهور أداء بئر عند ارتفاع الماء المصاحب” (شرح عام ممتاز).
- وبين قرار يغير “إعدادات الرفع الاصطناعي” بناءً على قراءات ضغط/معدل/لزوجة ووحدات مختلفة عبر أنظمة (هنا تقع الأخطاء المكلفة).
أين يتعثر الذكاء الاصطناعي عادة؟
حسب تفسير الباحثين، المشكلة ليست “عدم معرفة” بل ضعف في التسلسل المنطقي العددي: سوء تطبيق معادلات، أخطاء حساب، أو سوء فهم بنية المشكلة. وفي الطاقة، هذه التعثرات تظهر غالبًا في:
- خلط الوحدات (psi vs bar، Mscf vs Nm³).
- إسقاط قيد تشغيلي (حد ضغط/حرارة، أو شرط سلامة).
- تجاهل جودة البيانات (حساسات منحرفة، قيم شاذة، فجوات زمنية).
تشابه التمويل مع قرارات النفط والغاز: الأرقام ليست وحدها القصة
أكثر ما يعجبني في ربط الدراسة بقطاع الطاقة هو أنها تكشف خرافة منتشرة: “إذا كان النموذج يتكلم بثقة، إذًا هو يحسب بدقة”. الواقع؟ الثقة في النص لا تعني صحة في الحساب.
في التمويل، خطأ واحد في NPV أو IRR قد يقلب قرار الاستثمار. في النفط والغاز، خطأ واحد في قراءة trend أو تطبيق معادلة يمكن أن يعني:
- صيانة مبكرة بلا داعي (هدر).
- أو صيانة متأخرة (مخاطرة).
- أو تشغيل خارج الحدود (سلامة).
مثال عملي من واقع التشغيل (سيناريو شائع)
تخيل فريق تشغيل في حقل بعُمان يلاحظ تذبذبًا في معدلات الإنتاج خلال أسبوع. يطلبون من أداة ذكاء اصطناعي:
- تلخيص الأسباب المحتملة.
- اقتراح خطة فحوصات.
- ترتيب أولويات الاحتمالات.
هنا الذكاء الاصطناعي مفيد جدًا: يقدم قائمة احتمالات، يربط بين عوامل (رمل، انسداد، تغير ضغط المكمن، خلل حساس). لكن عندما ينتقل الفريق إلى:
- حساب تأثير تعديل choke بنسبة محددة.
- تقدير الزيادة المتوقعة مقابل مخاطر gas coning.
- حساب تكلفة توقف/تشغيل وربطها بخطة صيانة.
فإن التحقق البشري يصبح شرطًا، وليس رفاهية.
أين يضيف الذكاء الاصطناعي قيمة قوية في قطاع الطاقة العُماني؟
الجواب المباشر: في الأعمال التي تجمع المعرفة وتُسرّع القرار، لا التي “تستبدل” القرار.
1) إدارة المعرفة والتعلّم داخل المؤسسة
كثير من شركات النفط والغاز تمتلك كنزًا من التقارير اليومية، سجلات الحوادث، ومخرجات الهندسة. المشكلة ليست ندرة المعلومات بل صعوبة الوصول لها. الذكاء الاصطناعي هنا يبرع في:
- تلخيص تقارير الحقول والاجتماعات.
- استخراج الدروس المتكررة من حوادث السلامة.
- بناء “مساعد داخلي” يجيب وفق سياسات الشركة وإجراءاتها.
هذه النقطة تتقاطع مع الدراسة: النموذج قوي في الشرح والسرد، وهذا يخدم التدريب الداخلي ورفع كفاءة الفرق الجديدة.
2) دعم قرارات الصيانة والتنبؤ بالأعطال (مع حوكمة)
في المنشآت، قيمة الذكاء الاصطناعي تظهر عندما:
- يقرأ بيانات الاهتزاز/الحرارة/الضغط.
- يقترح إنذارًا مبكرًا.
- ويعرض “لماذا” عبر مؤشرات واضحة.
لكن يجب ضبطه بثلاثة شروط عملية:
- حدود تشغيل واضحة (Guardrails) تمنع توصيات خارج المسموح.
- موافقة بشرية قبل التحويل إلى إجراء.
- سجل قرار يوضح ما اتُخذ ولماذا (للتحقيق والتحسين).
3) تحسين الإنتاج وتخصيص الموارد… بشرط التحقق العددي
تحسين الإنتاج (Production Optimization) غالبًا خليط من:
- تحسينات صغيرة كثيرة.
- وتجارب تشغيلية محكومة.
- وتوازن بين الإنتاج والسلامة والاستهلاك.
الذكاء الاصطناعي يمكنه اقتراح سيناريوهات، لكن التنفيذ يحتاج:
- التحقق من البيانات.
- مراجعة هندسية.
- مقارنة مع نماذج معتمدة (محاكاة/نماذج فيزيائية).
إذا أخذنا درس SQU كما هو: دع الذكاء الاصطناعي يكتب الفكرة، ودع المهندس يوقع الحساب.
نموذج عمل واقعي: “الإنسان في الحلقة” بدل “الإنسان خارجها”
الجواب المباشر: في القطاعات الحرجة مثل النفط والغاز، النموذج الأفضل هو Human-in-the-Loop. ليس كشعار، بل كتصميم تشغيلي.
كيف يبدو ذلك في مشروع ذكاء اصطناعي داخل شركة طاقة؟
- الذكاء الاصطناعي يقوم بـ: جمع البيانات، تلخيص، اقتراح، ترتيب أولويات.
- الخبير يقوم بـ: التحقق، اختبار الحساسية، تقدير المخاطر، القرار النهائي.
ولكي ينجح هذا النموذج، أنصح بثلاث ممارسات قابلة للتطبيق خلال 90 يومًا:
-
قائمة تحقق للنتائج العددية
- هل الوحدات موحّدة؟
- هل القيود التشغيلية مطبقة؟
- هل هناك قيم شاذة أو بيانات ناقصة؟
-
اختبار ثبات الإجابة (Consistency Test)
- كما فعلت الدراسة ثلاث مرات، اطلب من النظام نفس الحساب بصيغ مختلفة.
- إذا تغيّرت النتائج كثيرًا، فهذا مؤشر خطر.
-
تقييم جودة البيانات قبل جودة النموذج
- أسوأ قرار “ذكي” غالبًا سببه بيانات غير موثوقة.
- خصص وقتًا لتحسين القياس والمعايرة والتنظيف.
أسئلة شائعة يسمعها مديرو الطاقة في عُمان (وإجابات عملية)
هل يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي غير مناسب للعمليات؟
لا. يعني أنه مناسب كمساعد تشغيلي وليس كـ“طيار آلي” في قرارات عالية المخاطر. كلما زادت حساسية القرار، زادت الحاجة لطبقة تحقق بشرية.
كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن يضعف مهارات الفريق؟
اجعل استخدامه مرتبطًا بمخرجات قابلة للفحص: ملخص، افتراضات، خطوات، ومصادر داخلية. ثم اطلب من الفريق إعادة الحسابات أو إعادة الاستدلال يدويًا في عينات منتظمة.
ما المؤشر الذي يخبرني أنني أعتمد عليه أكثر من اللازم؟
عندما يصبح الفريق يقبل توصياته دون:
- اختبار وحدات وقيم.
- أو مقارنة مع baseline.
- أو فهم “لماذا” وراء التوصية.
ما الذي ينبغي على شركات النفط والغاز في عُمان فعله الآن؟
يناير عادة شهر خطط وميزانيات ومراجعة مؤشرات الأداء. هذه فرصة مناسبة لوضع الذكاء الاصطناعي في مكانه الصحيح: تسريع، لا استبدال. وأرى أن الشركات التي ستكسب في 2026 هي التي تبني منظومة تجمع بين:
- أدوات ذكاء اصطناعي موجهة لحالات استخدام واضحة.
- حوكمة بيانات قوية.
- تدريب عملي يحمي مهارات التحليل لدى المهندسين والمحللين.
دراسة جامعة السلطان قابوس قد تبدو “تعليمية” في ظاهرها، لكنها تحمل درسًا إداريًا وتشغيليًا: الأداء العالي في الشرح لا يساوي أداءً عاليًا في الحسابات، خصوصًا تحت قيود واقعية. وهذا بالضبط ما يواجهه قطاع الطاقة كل يوم.
إذا كنت تعمل في الطاقة أو النفط والغاز في عُمان، ما المجال الذي تريد أن ترى فيه الذكاء الاصطناعي “مساعدًا” خلال 2026: السلامة، الصيانة، أم تحسين الإنتاج؟