الذكاء الاصطناعي في حوكمة الطاقة بعُمان: درس من ADNOC

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمانBy 3L3C

كيف تكشف صفقة ADNOC-Covestro أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من الحوكمة؟ تطبيقات عملية لعُمان في الصيانة والسلامة وتحسين الإنتاج.

الذكاء الاصطناعيالنفط والغازحوكمة الشركاتالصيانة التنبؤيةالسلامة الصناعيةكفاءة الطاقة
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي في حوكمة الطاقة بعُمان: درس من ADNOC

الذكاء الاصطناعي في حوكمة الطاقة بعُمان: درس من ADNOC

قبل أيام، تغيّر كرسي رئاسة مجلس الإشراف في شركة Covestro الألمانية بعد استحواذ أدنوك عبر ذراعها الاستثمارية العالمية XRG. تبدو القصة، على السطح، خبرًا إداريًا عاديًا: رئيس يغادر، وآخر يتسلّم. لكني أراها إشارة أوضح لشيء أعمق يحدث في قطاع الطاقة عالميًا: التحول من إدارة “مصانع ومشاريع” إلى إدارة “منظومات قرار”—والذكاء الاصطناعي صار جزءًا أساسيًا من هذه المنظومات.

هذه الزاوية تهم عُمان مباشرة. لأن قطاع النفط والغاز والطاقة في السلطنة يواجه المعادلة نفسها التي تواجهها الشركات العالمية: تقلبات أسعار، ضغوط كربونية، سلاسل توريد معقدة، ومخاطر تشغيلية لا تحتمل التجربة والخطأ. عندما تتغير الملكية أو القيادة، غالبًا ما تُفتح نافذة لإعادة بناء طريقة اتخاذ القرار. وأفضل طريقة لاقتناص هذه النافذة في 2026 هي بناء حوكمة تُدار بالبيانات وتُدعَم بالذكاء الاصطناعي.

جملة تصلح كعنوان داخلي في أي مجلس إدارة: إذا لم يكن القرار قابلًا للقياس، فسيتحول إلى نقاش طويل… ثم إلى مخاطرة.

لماذا تغيّر القيادة عالميًا يعني شيئًا لعُمان؟

الجواب المباشر: لأن تغيّر القيادة في شركات الطاقة والكيماويات الكبرى ينعكس على أولويات الاستثمار، واشتراطات الشراكات، ونقل التكنولوجيا—وهذه كلها عناصر تتقاطع مع طموحات عُمان في رفع الكفاءة، وتطوير الصناعات التحويلية، وتعزيز الاستدامة.

في خبر Covestro، الاستحواذ تم عبر XRG، وترافق مع زيادة رأس مال بنحو 1.17 مليار يورو لدعم استراتيجية الشركة المسماة “Sustainable Future”. كذلك خضعت الصفقة لتدقيق أوروبي عميق مرتبط بتنظيمات المنافسة والدعم الأجنبي، وانتهت بتعهدات تتعلق بآليات الضمانات وبمشاركة براءات اختراع في مجال الاستدامة.

هذه التفاصيل ليست “هوامش قانونية”. هي تذكير بأن التوسع العالمي اليوم يتطلب:

  • حوكمة دقيقة يمكن الدفاع عنها أمام الجهات التنظيمية.
  • شفافية تشغيلية تثبت أن القرارات ليست عشوائية.
  • منظومة امتثال (Compliance) قادرة على تتبع ما يحدث وما تم اتخاذه ولماذا.

وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي ليس كأداة إنتاج فقط، بل كأداة حوكمة قرار.

حوكمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي: ما الذي يتغير فعليًا؟

الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي ينقل الحوكمة من “اجتماعات وتوصيات” إلى “مؤشرات ونماذج وإنذارات مبكرة”. وهذا لا يلغي دور القيادات، بل يجعل قراراتها أسرع وأقل مخاطرة.

1) من التقارير الشهرية إلى الرؤية اللحظية

في كثير من المؤسسات، يصل مجلس الإدارة أو اللجان التنفيذية إلى “الحقيقة” بعد أسابيع من حدوثها عبر تقارير متأخرة. الذكاء الاصطناعي يختصر هذا الفارق عبر:

  • لوحات قيادة لحظية لمؤشرات الإنتاج والسلامة والطاقة.
  • نماذج تنبؤية تتوقع تدهور الأداء قبل وقوعه.
  • مقارنة معيارية تلقائية بين الأصول (الحقل/المصنع/المنصة) لتحديد أين يُهدر الوقت والطاقة.

في عُمان، هذا النهج مهم خصوصًا في الأصول الممتدة جغرافيًا، حيث يؤثر تأخر المعلومة على زمن الاستجابة وتكلفة التوقف.

2) “قرار قابل للتدقيق” بدل “قرار يعتمد على الخبرة فقط”

خبرة القيادات لا غنى عنها، لكن الجهات التنظيمية والمستثمرين—خصوصًا في الصفقات والشراكات العابرة للحدود—يريدون أثرًا موثقًا.

الحوكمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تُنتج ما يمكن تسميته “أثر القرار”:

  • ما هي البيانات التي استند إليها القرار؟
  • ما البدائل التي تم تقييمها؟
  • ما المخاطر المتوقعة وكيف تمت إدارتها؟

هذا النوع من التتبع يهم الشركات في عُمان عند التعامل مع شركاء دوليين، أو عند بناء مشاريع صناعات تحويلية، أو عند العمل مع سلسلة توريد عالمية.

3) الالتزام والاستدامة: من شعار إلى نظام تشغيل

في صفقة Covestro، ظهرت الاستدامة كموضوع مركزي عبر براءات وتقنيات. في قطاع الطاقة بعُمان، الاستدامة ليست فقط تقارير انبعاثات؛ بل نظام تشغيل عملي يشمل:

  • تحسين استهلاك الوقود والطاقة في العمليات.
  • تقليل الانبعاثات عبر تحسين الاحتراق وإدارة الأصول.
  • تقليل الهدر في المواد الكيميائية والمياه.

الذكاء الاصطناعي هنا يخدم هدفين معًا: خفض التكلفة وتحسين أثر الاستدامة—وهذه معادلة مغرية لأي إدارة جديدة تريد نتائج واضحة خلال 6–12 شهرًا.

أين يلمس قطاع النفط والغاز في عُمان الذكاء الاصطناعي بسرعة؟

الجواب المباشر: أسرع العوائد تأتي عادة من ثلاث مناطق: الصيانة التنبؤية، السلامة، وتحسين الإنتاج والطاقة.

الصيانة التنبؤية: أقل توقفات، وقرارات صيانة أدق

بدل صيانة دورية ثابتة (قد تكون مبالغًا فيها أو متأخرة)، تُستخدم نماذج تعلم آلي لتحليل:

  • اهتزاز المضخات والضواغط
  • حرارة المحامل
  • ضغوط الشبكات
  • أنماط الاستهلاك الكهربائي

ثم تولّد توصيات: “هذا الأصل يحتاج صيانة خلال 10 أيام” بدل “لننتظر حتى يتوقف”.

رأيي: هذا النوع من المشاريع هو المدخل الأنسب في كثير من شركات الطاقة بعُمان لأنه يُقاس بسهولة: ساعات توقف أقل، وقطع غيار أقل، وتخطيط أفضل للفرق.

السلامة وإدارة المخاطر: من الاستجابة للحوادث إلى منعها

الذكاء الاصطناعي يساعد في السلامة عبر:

  • تحليل صور/فيديو (CCTV) لاكتشاف دخول مناطق محظورة، أو غياب معدات الوقاية.
  • نماذج تربط “قرب الحادث” (Near Miss) بعوامل تشغيلية محددة.
  • إنذارات مبكرة مرتبطة بظروف غير طبيعية في المعدات.

في بيئات النفط والغاز، تقليل حادث واحد كبير يبرر الاستثمار كله.

تحسين الإنتاج وكفاءة الطاقة: ذكاء اصطناعي يلتقط “التسرب غير المرئي”

هناك فاقد كبير لا يظهر كعطل واضح: إعدادات غير مثالية، تشغيل خارج نقطة الكفاءة، أو تغيّر تدريجي في خصائص الخام/الغاز.

نماذج التحسين (Optimization) تستطيع:

  • اقتراح إعدادات تشغيل تحقق نفس الإنتاج بطاقة أقل.
  • تقليل حرق الغاز عبر تحسين الاستيعاب والمعالجة.
  • تحسين مزج المواد أو ظروف التشغيل في الصناعات التحويلية.

وهنا يبرز رابط مهم مع خبر Covestro: عندما تتقاطع الطاقة مع الكيماويات والبوليمرات، ترتفع قيمة التحسين الدقيق لأن هامش الربح يتأثر بتغيرات صغيرة في الجودة والفاقد.

ماذا تعلّمنا صفقة Covestro عن “سرعة التحول” بعد تغيّر الملكية؟

الجواب المباشر: بعد الاستحواذ، تبدأ الشركات عادة بترتيب ثلاثة ملفات بسرعة—القيادة، التمويل، وخارطة التحول. وهذا ما ظهر في الخبر بوضوح.

  • تغيّر رئاسة مجلس الإشراف (الحوكمة)
  • زيادة رأس المال 1.17 مليار يورو (التمويل)
  • الحديث عن دفع التحول وخلق قيمة طويلة الأمد (خارطة الطريق)

في عُمان، يمكن استثمار منطق مشابه على مستوى الشركات أو الأصول أو حتى الشراكات:

1) ابدأ بمشاكل “مكلفة وواضحة”

اختر حالات استخدام AI لها أثر مالي سريع مثل التوقفات المتكررة أو استهلاك الطاقة غير المبرر.

2) اربط الذكاء الاصطناعي بالحوكمة وليس بـ IT فقط

المشاريع التي تُدار كـ“تجارب تقنية” تموت بسرعة. الأفضل أن تكون تحت رعاية لجنة تشغيل/مخاطر/أداء، مع مؤشرات محددة.

3) احسم سؤال البيانات مبكرًا

لا يوجد ذكاء اصطناعي فعال بدون:

  • جودة بيانات (Sensors/SCADA/ERP)
  • توحيد تعريف المؤشرات
  • صلاحيات واضحة للوصول والاستخدام

4) ضع سياسة واضحة لـ “الذكاء الاصطناعي المسؤول”

مع توسع AI، تظهر أسئلة: من يراجع النماذج؟ كيف نمنع الانحياز؟ كيف نوثق القرارات؟ هذه ليست رفاهية؛ هي جزء من الامتثال والثقة.

أسئلة تتكرر في مجالس الإدارة بعُمان (وإجاباتها العملية)

هل الذكاء الاصطناعي بديل للمهندسين والخبراء؟

لا. الذكاء الاصطناعي مضاعِف للخبرة: يقلل الضوضاء ويُبرز الإشارات التي يصعب التقاطها يدويًا، لكن القرار النهائي في التشغيل والسلامة يجب أن يبقى عند البشر ضمن ضوابط واضحة.

ما أول مشروع يُنصح به في النفط والغاز بعُمان؟

مشروع الصيانة التنبؤية لأصل محدد عالي التأثير (مثل ضاغط رئيسي أو قطار معالجة)، لأنه أسهل في القياس وأقل حساسية تنظيميًا.

كم يحتاج مشروع AI ناجح من الوقت؟

لأول نتيجة قابلة للعرض على الإدارة: غالبًا 8–12 أسبوعًا إذا كانت البيانات متاحة. وللتوسع المؤسسي: 6–12 شهرًا حسب تعقيد الأصول ونضج البيانات.

أين تقف عُمان في هذه الموجة؟ والفرصة الحقيقية في 2026

الجواب المباشر: الفرصة ليست في شراء أدوات ذكاء اصطناعي، بل في ترقية طريقة اتخاذ القرار داخل قطاع الطاقة.

عُمان تتمتع بمقومات قوية: قطاع طاقة منظم، خبرات تشغيلية، وبنية صناعية تتطور. ومع ذلك، كثير من القيمة تضيع بين “البيانات الموجودة” و“القرار الذي لا يستفيد منها بالكامل”. هنا تحديدًا يأتي دور الذكاء الاصطناعي: ربط البيانات بالقرار، وربط القرار بالأثر.

إذا كانت صفقة Covestro تُظهر شيئًا واحدًا، فهو أن القيادة الجديدة تبحث عن آليات تثبت التحول بسرعة وبشكل قابل للتدقيق. وهذا هو المكان الذي يجب أن يستثمر فيه قطاع النفط والغاز في عُمان خلال 2026: نماذج تنبؤية، لوحات قيادة تنفيذية، وامتثال مبني على بيانات.

الخطوة التالية الواقعية لأي شركة طاقة في عُمان: اختر أصلًا واحدًا أو خط إنتاج واحدًا، وابنِ عليه “مشروع ذكاء اصطناعي” مرتبطًا بمؤشر مالي وسلامة واضح، ثم وسّعه تدريجيًا.

السؤال الذي يستحق أن يُطرح في كل اجتماع قيادة الآن: هل قراراتنا التشغيلية اليوم تُدار بالحدس… أم ببيانات يمكن الدفاع عنها؟