الاستخدام المسؤول للسوشيال ميديا يحمي الثقة في عُمان. تعرّف كيف يساعد الذكاء الاصطناعي شركات الطاقة على كشف الشائعات مبكرًا وبناء تواصل شفاف.

الذكاء الاصطناعي وبناء الثقة: تواصل مسؤول بقطاع الطاقة العُماني
في 04/01/2026 نشرت Muscat Daily آراء قرّاء حول “الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي” ودوره في حماية الثقة العامة وتقليل الشائعات في عُمان. اللافت أن معظم المداخلات اتفقت على نقطة واحدة: الثقة تُبنى بسرعة بقدر ما يمكن أن تنهار بسرعة عندما تنتشر معلومة غير دقيقة داخل مجتمع مترابط.
وهنا تأتي الزاوية التي تهمّنا ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان”: قطاع الطاقة ليس مجرد عمليات إنتاج وتكرير وشحن… بل هو أيضًا قصة تُروى للجمهور. وعندما ترتبط هذه القصة بانقطاع خدمة، أو حادثة سلامة، أو روائح غاز، أو صور متداولة من موقع صناعي—يصبح التواصل السريع والدقيق مسألة سمعة وثقة، وأحيانًا استقرار.
الفكرة الأساسية في هذا المقال واضحة: أخلاقيات النشر على السوشيال ميديا هي الوجه الشعبي، والذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون الوجه المؤسسي المنظّم الذي يلتقط الإشارات مبكرًا، يتحقق من الحقائق، ويُخرج رسالة مفهومة للجمهور دون تهويل أو إنكار.
لماذا تنتشر الشائعات أسرع في مجتمعات مترابطة؟
الجواب المباشر: لأن الثقة الاجتماعية عالية، وتداول الخبر داخل الدوائر القريبة يُعامل كأنه “مُتحقق” حتى لو لم يكن كذلك.
وصف أكثر من مشارك في التقرير واقعًا مألوفًا في عُمان: الناس يثقون بما يصلهم عبر مجموعات الأسرة والأصدقاء، ومع سرعة إعادة النشر، تتحول “معلومة ناقصة” إلى “حقيقة عامة”. أحمد الهنائي أشار إلى أن المعلومات المتداولة داخل المجتمع لها وزن كبير؛ وسلمانة البلوشية ركزت على أن السوشيال ميديا أصبحت مصدر أخبار أساسي خصوصًا لدى الشباب.
في قطاع النفط والغاز والطاقة، هذه الديناميكية لها حساسية إضافية:
- خبر غير دقيق عن تسرب أو حريق قد يصنع هلعًا محليًا خلال دقائق.
- إشاعة عن “إيقاف إمدادات” قد تُربك شركات ومستهلكين.
- صورة قديمة من حادث سابق قد تُعاد مشاركتها كأنها حدثت “قبل قليل”.
جملة تصلح كقاعدة عمل: حين يفرغ فراغ المعلومات، تملؤه الشائعات.
ما الذي يغيره الذكاء الاصطناعي في “الثقة الرقمية”؟
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يحوّل التواصل من ردّ فعل متأخر إلى نظام إنذار مبكر، ومن بيانات متناثرة إلى رسالة دقيقة يمكن الدفاع عنها.
الذكاء الاصطناعي في سياق التواصل المؤسسي ليس منشورًا تلقائيًا ولا روبوتًا يرد بلا حسّ. قيمته الحقيقية تظهر في ثلاث قدرات عملية:
1) الاستماع الذكي للرأي العام (Social Listening)
بدل أن تنتظر الشركة “تضخم” القصة، يمكن لنماذج تحليل المحتوى مراقبة:
- الكلمات المفتاحية المرتبطة بالمرافق أو المواقع أو أسماء المشاريع
- ارتفاع مفاجئ في الحديث عن “رائحة”، “دخان”، “تسرب”، “انقطاع”
- اتجاهات المشاعر (قلق/غضب/سخرية/طمأنة)
النتيجة: تنبيه مبكر لفريق الاتصال المؤسسي قبل أن تصل الإشاعة للذروة.
2) التحقق الآلي المدعوم بالبيانات (Verification by Design)
الرسالة المسؤولة تحتاج دليلًا. يمكن للذكاء الاصطناعي ربط الإشارات المتداولة ببيانات داخلية مثل:
- قراءات حساسات السلامة والغاز
- سجلات الصيانة
- بيانات التشغيل (عند حدوث توقف مخطط/غير مخطط)
ليس الهدف “الحديث عن الأرقام للجمهور”، بل أن تكون الرسالة مبنية على حقائق وليست انطباعات.
3) صياغة رسائل واضحة وفق سيناريوهات جاهزة
عند وقوع حدث ما، أكثر ما يضر الثقة هو التردد أو الإنكار. يمكن تدريب أنظمة مساعدة تحريرية (تحت إشراف بشري) لإنتاج مسودات بيانات:
- قصيرة وواضحة
- خالية من المصطلحات التقنية المعقدة
- تتضمن: ماذا حدث؟ ما المخاطر؟ ما الذي تم عمله؟ متى التحديث التالي؟
وهنا يتقاطع كلام خالد العبري وفاطمة الزدجالية مع الاحتياج المؤسسي: التواجد الفعّال، التصحيح السريع، والتعاون مع صانعي محتوى مؤثرين محليًا.
التواصل وقت الأزمات في الطاقة: أين تقع الأخطاء عادة؟
الجواب المباشر: الخطأ الأكثر شيوعًا هو التعامل مع الجمهور كخصم، أو اعتبار الصمت “حلًا”، أو الاكتفاء برسالة واحدة عامة.
من خبرتي في قراءة أنماط الأزمات الرقمية، تظهر هذه الأخطاء كثيرًا في القطاعات الحساسة:
1) “رسالة واحدة لكل الناس”
راجيف مينون لفت إلى نقطة مهمة: عُمان بلد متنوع، وكثير من المقيمين يعتمدون على المنصات الرقمية. في الأزمات، الرسالة يجب أن تكون متعددة اللغات عند الحاجة (العربية والإنجليزية على الأقل)، ومُكيّفة حسب الجمهور:
- سكان قريبون من الموقع
- موظفون وعائلاتهم
- عملاء صناعيون وشركاء
- الجمهور العام
2) تأخر التحديثات
سلمانة البلوشية دعت إلى التعليم والشفافية بدل العقاب. الشفافية هنا تعني تحديثات دورية حتى لو كانت المعلومات “غير مكتملة” بعد، بشرط أن تُصاغ بشكل مسؤول:
- ما نعرفه الآن
- ما الذي نتحقق منه
- متى سيكون التحديث التالي (مثلاً خلال 60 دقيقة)
3) ترك المجال للمؤثرين غير المتخصصين
بدر يحيى البلوشي طالب بسياسات رقمية واضحة ومنصات موثوقة. عمليًا، الشركات يمكنها بناء شبكة “مراسلين موثوقين” أو تعاون مع مؤثرين محليين—لكن وفق قواعد:
- مصدر واحد للحقائق (Verified Hub)
- أسئلة وأجوبة جاهزة
- خطوط حمراء: لا نشر صور حساسة، لا تضخيم، لا اتهامات
نموذج عملي: “مركز معلومات موثوق” مدعوم بالذكاء الاصطناعي
الجواب المباشر: أفضل طريقة لقتل الإشاعة هي توفير مكان واحد يعود إليه الناس لأنه أسرع وأوضح من القيل والقال.
تخيّل أن شركة طاقة في عُمان أنشأت صفحة/قناة رسمية تُحدّث فورًا عند أي حدث. الذكاء الاصطناعي هنا يعمل خلف الكواليس:
- يلتقط ارتفاع الحديث عن موقع محدد خلال 10–15 دقيقة
- يطابقه مع مؤشرات تشغيل/سلامة داخلية
- يرفع تنبيهًا لفريق مختص (اتصال + سلامة + عمليات)
- يقترح 2–3 صيغ لبيان أولي
- بعد موافقة بشرية، يُنشر البيان ويُحدّد موعد التحديث التالي
النتيجة المتوقعة ليست “منع الناس من الكلام”، بل توجيه الحديث نحو مصدر صحيح.
عبارة قصيرة تصلح لسياسة داخلية: السرعة مهمة، لكن الدقة أهم… والاثنان ممكنان مع نظام جيد.
“التثقيف الرقمي” داخل الشركات: من موظف ناقل للخبر إلى شريك ثقة
الجواب المباشر: الموظف هو أول قناة إعلامية غير رسمية؛ تدريبُه يقلّل الأخطاء ويزيد الثقة.
آراء القرّاء ركزت على التعليم بدل العقاب، وهذه نقطة ذكية. في قطاع النفط والغاز، كثير من الالتباس يبدأ من:
- موظف يشارك صورة من موقع عمل دون سياق
- تعليق بريء يُفهم كتأكيد لحادث
- إعادة نشر خبر غير موثوق بحسن نية
هنا الذكاء الاصطناعي يخدم التدريب لا الرقابة، عبر:
- محتوى تدريبي قصير مخصص حسب الدور (عمليات/أمن/علاقات عامة)
- اختبارات “تحقق قبل النشر” عبر سيناريوهات واقعية
- دليل أسئلة وأجوبة يتحدث بلغة بسيطة
قائمة عملية يمكن تطبيقها خلال 30 يومًا داخل أي شركة طاقة:
- سياسة نشر داخلية مختصرة (صفحتان) توضح: ماذا يُنشر؟ ماذا لا يُنشر؟ ومن يرد؟
- قناة داخلية للتأكد السريع: الموظف يسأل قبل أن يشارك.
- تدريب شهري 20 دقيقة حول الشائعات الأكثر شيوعًا وكيفية التعامل معها.
- قالب بيان أولي جاهز لكل نوع أزمة (سلامة/انقطاع/بيئة/شائعات).
أسئلة يطرحها الناس فعلًا (وإجابات قصيرة)
هل استخدام الذكاء الاصطناعي يعني أتمتة ردود التواصل بالكامل؟
لا. أفضل تطبيق هو “ذكاء اصطناعي + إشراف بشري”. الآلة تجمع وتلخص وتقترح، والإنسان يقرر ويوقع.
هل مكافحة الشائعات تعني تقييد النقد؟
لا. أحمد الهنائي كان واضحًا: التصدي للمعلومات الكاذبة لا يتعارض مع النقد البنّاء. المشكلة ليست في اختلاف الرأي، بل في ادعاءات غير دقيقة تُعامل كحقائق.
ما الفرق بين الشفافية وكشف كل التفاصيل؟
الشفافية هي تقديم ما يهم الناس: المخاطر الفعلية، الإجراءات، وتوقيت التحديثات. ليست نشر بيانات تشغيل حساسة أو تفاصيل أمنية.
أين يقف هذا كله ضمن “تحوّل الذكاء الاصطناعي” في طاقة عُمان؟
الجواب المباشر: التحول لا ينجح إذا بقي الذكاء الاصطناعي داخل غرفة التحكم فقط؛ يجب أن يصل أثره إلى الجمهور عبر تواصل موثوق.
عُمان تدفع باتجاه رفع الكفاءة، السلامة، والاستدامة في الطاقة. وفي يناير 2026، ومع حساسية النقاش العالمي حول الطاقة والانبعاثات وكلفة المعيشة، يصبح التواصل المسؤول جزءًا من “البنية التحتية” للقطاع مثل الأنابيب تمامًا.
إذا كانت هناك خطوة واحدة أراها عالية العائد لأي شركة نفط وغاز أو طاقة في عُمان خلال 2026 فهي: إنشاء نظام تواصل أزمة مدعوم بالذكاء الاصطناعي، مع مركز معلومات موثوق وتحديثات متعددة اللغات. هذا يقلل الشائعات، يرفع الثقة، ويمنح الشركة حقها الطبيعي: أن تُسمع قصتها من مصدرها.
السؤال الذي يستحق أن يُطرح داخل كل مؤسسة: هل نُدير سمعتنا وقت الأزمات بالصدفة… أم بنظام؟