الذكاء الاصطناعي يعزّز تدوير الزنك في صحار ويدعم الطاقة

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمانBy 3L3C

اتفاقية بـ50 مليون دولار لمجمع تدوير رماد الزنك في صحار تكشف كيف يرفع الذكاء الاصطناعي كفاءة الطاقة واللوجستيات والصيانة في الصناعة العمانية.

الذكاء الاصطناعيالاقتصاد الدائريصحارسلاسل الإمدادالصناعة المستدامةالصيانة التنبؤية
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي يعزّز تدوير الزنك في صحار ويدعم الطاقة

الذكاء الاصطناعي يعزّز تدوير الزنك في صحار ويدعم الطاقة

في 11/01/2026 عند 04:09 م (بتوقيت +00:00)، أُعلن عن اتفاقية استثمار بقيمة 50 مليون دولار لتطوير مجمع صناعي لإعادة تدوير رماد الزنك داخل المنطقة الحرة بصحار على مساحة 10 هكتارات. الخبر يبدو لأول وهلة “صناعيًا بحتًا”، لكنه في الواقع يلمس سؤالًا أكبر يهم قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان: كيف نرفع كفاءة الموارد ونخفض الهدر ونحسّن البصمة البيئية من دون تعطيل الإنتاج؟

هذا النوع من المشاريع لا ينجح بالخرسانة والمعدات فقط. ينجح عندما يُدار كمنظومة بيانات: مواد خام تدخل، طاقة تُستهلك، انبعاثات تُقاس، جودة تُراقَب، وشحنات تُصدَّر وفق توقيتات صارمة. هنا بالضبط يأتي دور الذكاء الاصطناعي في عمان—ليس كشعار، بل كأداة تشغيل تُحسّن القرار اليومي، وتربط التصنيع بالخدمات اللوجستية، وتدعم أهداف رؤية عمان 2040 في كفاءة الموارد والاقتصاد الدائري.

عبارة تصلح كملخّص للمشهد: الاقتصاد الدائري يحتاج “عقلًا تشغيليًا” بقدر ما يحتاج مصنعًا—وهذا العقل هو الذكاء الاصطناعي.

مشروع صحار: لماذا يُعد نموذجًا صناعيًا مهمًا لعمان؟

المعلومة الأهم: المشروع يهدف إلى تحويل مخلفات صناعة الحديد والصلب إلى منتجات ذات قيمة عالية بدل التخلص منها. وفق البيانات المنشورة، سيعالج المجمع رماد الزنك وغبار أفران القوس الكهربائي (EAF dust) لإنتاج:

  • 10,000 طن سنويًا من سبائك الزنك المكررة (zinc ingots)
  • 50,000 طن سنويًا من أكسيد الزنك بدرجة مناسبة لصناعة المطاط

هذا يعني أن “نفايات” خطوط إنتاج أخرى تصبح مواد أولية لسلسلة قيمة جديدة تستهدف صناعات نمو في الخليج وجنوب شرق آسيا وأوروبا وأفريقيا—مثل الجلفنة، السبائك، المطاط، البطاريات، والكيماويات المتخصصة.

الأهمية لعمان ليست في المنتج وحده، بل في النموذج التشغيلي:

  1. تكامل الميناء والمنطقة الحرة: استيراد المواد الخام، مناولة، تخزين، تصنيع، ثم تصدير—كلها داخل نظام متكامل.
  2. تجميع عنقود المعادن في صحار: تزايد المشاريع المتصلة بالمعادن يخلق طلبًا على خدمات الصيانة واللوجستيات والخدمات الصناعية.
  3. خفض البصمة البيئية: تحويل مخلفات صناعة الصلب من مسار التخلص إلى مسار تصنيع عالي القيمة.

هذا ينسجم مع ما نناقشه في سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان”: التحول الحقيقي يبدأ حين تصبح الكفاءة “معيار تشغيل”، لا “مبادرة موسمية”.

أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ أربع نقاط تشغيلية تصنع الفرق

الخلاصة المباشرة: الذكاء الاصطناعي يرفع كفاءة مشاريع التدوير الصناعية عبر التنبؤ، والتحكم، والتحسين، والتنسيق. وفي مصنع مثل هذا—حيث تتغير جودة المدخلات وتتقاطع اللوجستيات مع الطاقة—تأثيره يظهر سريعًا.

1) تحسين استهلاك الطاقة في المعالجة الحرارية والتكرير

مصانع إعادة التدوير والمعالجة المعدنية غالبًا ما تكون حساسة لاستهلاك الطاقة: درجات حرارة، أزمنة معالجة، معدلات تدفق، وإضافات كيميائية. أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكنها بناء نماذج تربط بين:

  • خصائص المدخلات (تركيز الزنك، الرطوبة، الشوائب)
  • إعدادات التشغيل (حرارة الأفران، زمن المعالجة، نسب الخلط)
  • المخرجات (نقاء السبائك، جودة أكسيد الزنك، كمية الفاقد)

ثم تقترح إعدادات تُقلل استهلاك الطاقة لكل طن منتج وتُثبت الجودة. هذا ليس رفاهية؛ في الصناعات الثقيلة، الطاقة هي بند التكلفة الأثقل، وأي خفض صغير في كيلواط/ساعة لكل طن يتراكم ليصبح أثرًا ماليًا واضحًا.

وإذا ربطنا ذلك بقطاع النفط والغاز: المنطق نفسه يُطبّق في المصافي ومحطات المعالجة، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي ضبط ظروف التشغيل لتحقيق أقل استهلاك للوقود وأعلى مردود.

2) مراقبة الجودة بالزمن الحقيقي بدل الفحص المتأخر

التحدي في إعادة تدوير مخلفات صناعية أن جودة المدخلات ليست ثابتة. هنا تظهر قيمة:

  • التحليلات المتقدمة
  • أجهزة الاستشعار
  • الرؤية الحاسوبية (Computer Vision)

عند دمجها، يصبح بالإمكان اكتشاف الانحرافات مبكرًا: ارتفاع شوائب معينة، تغير في خصائص الغبار، أو تذبذب في الرطوبة. النتيجة: تقليل المنتجات غير المطابقة، وتقليل إعادة المعالجة، وتقليل “التوقفات الصغيرة” التي تُنهك الإنتاجية.

جملة مقتبسة عمليًا: الجودة التي تُقاس بعد الإنتاج هي تكلفة؛ الجودة التي تُدار أثناء الإنتاج هي ربح.

3) الصيانة التنبؤية: خفض التوقفات غير المخطط لها

أي توقف غير مخطط له في منشأة معالجة مواد—خصوصًا في سلاسل متصلة بالميناء—يخلق سلسلة خسائر: شحنات تتأخر، تخزين يتكدس، وموردون يتعطلون. الصيانة التنبؤية تستخدم بيانات مثل:

  • الاهتزازات
  • الحرارة
  • استهلاك الطاقة
  • أنماط الضغط والتدفق

للتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها (مثل تدهور محامل، تآكل، اختلال اتزان). في عمان، حيث التنافس على جذب الاستثمارات الصناعية يتزايد، الاعتمادية التشغيلية ليست تفصيلًا؛ إنها جزء من “سمعة الموقع”.

وهذا أيضًا قلب التحول في النفط والغاز: نفس المبدأ يُستخدم في المضخات، الضواغط، التوربينات، وخطوط الأنابيب لرفع الجاهزية وتقليل المخاطر.

4) ذكاء لوجستي يربط الميناء بالمصنع وبالأسواق

المشروع يستفيد من تكامل ميناء صحار والمنطقة الحرة. لكن التكامل الحقيقي اليوم هو تكامل البيانات: مواعيد وصول السفن، زمن التخليص، سعات التخزين، خطط الإنتاج، ومواعيد التسليم.

الذكاء الاصطناعي يمكنه بناء جدول ديناميكي يوازن بين:

  • توقعات وصول المواد الخام عبر خطوط الشحن
  • سعة المناولة والتخزين
  • طاقة خطوط الإنتاج اليومية
  • التزامات التصدير

النتيجة: تقليل المخزون الراكد، تقليل أوقات الانتظار، وزيادة معدل دوران المواد. وفي قطاع الطاقة، نفس المنهج يحسّن إدارة سلاسل الإمداد لقطع الغيار، المواد الكيميائية، وخدمات الحقول.

من تدوير الزنك إلى النفط والغاز: ما القاسم المشترك في عمان؟

الجواب المباشر: كفاءة الموارد. سواء كنت تعالج رماد الزنك أو تشغل وحدة معالجة غاز، لديك ثلاث معادلات ثابتة:

  1. كل طن هدر يعني تكلفة مباشرة وفرصة مهدرة.
  2. كل كيلوواط ساعة غير ضروري يعني تكلفة وانبعاثات.
  3. كل قرار تشغيل بدون بيانات يعني مخاطرة أعلى.

مشروع صحار يقدّم نموذجًا يمكن نسخه ذهنيًا في قطاع النفط والغاز العماني:

  • الاقتصاد الدائري في الطاقة يبدأ من استرجاع الطاقة والمواد (heat recovery، تقليل الحرق الروتيني، إدارة المياه المصاحبة).
  • إدارة الكفاءة تحتاج لوحة قيادة تشغيلية (Operational Dashboard) تتبع الطاقة والجودة والانبعاثات.
  • الذكاء الاصطناعي يصبح مفيدًا عندما يرتبط بقرارات يومية: ضبط تشغيل، جدولة صيانة، وإدارة مخزون.

ومن زاوية تنافسية، هذا مهم لأن الأسواق—خصوصًا في أوروبا وبعض سلاسل التوريد العالمية—تشدّد على متطلبات الاستدامة والبصمة الكربونية. المصنع الذي يستطيع قياس أثره وتحسينه بسرعة يملك ميزة عند التصدير.

أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون: إجابات عملية

هل تطبيق الذكاء الاصطناعي يعني تغيير كل شيء؟

لا. أنجح تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصناعة تبدأ بمشكلة محددة: خفض استهلاك الطاقة، تقليل التوقفات، أو تحسين جودة منتج واحد. ثم تتوسع.

ما البيانات التي يجب أن تتوفر أولًا؟

ابدأ بـ “الأبسط الذي يعطي أثرًا”: بيانات التشغيل الزمنية (حرارة/ضغط/تدفق)، بيانات الجودة، وسجل الأعطال والصيانة. بدون هذه، أي نموذج ذكاء اصطناعي سيكون رأيًا أكثر منه نظامًا.

كيف نضمن أن الفريق يتبنى الحل؟

التبنّي لا يأتي من التدريب فقط، بل من تصميم الحل بحيث يقدّم توصيات قابلة للتنفيذ داخل بيئة العمل. العامل يريد إجابة واضحة: ما الإجراء؟ متى؟ ولماذا؟

خطوات تنفيذية: كيف تستفيد الشركات العمانية من نموذج صحار؟

إذا كنت تعمل في الطاقة أو النفط والغاز أو الصناعات التحويلية، فهذه خمس خطوات عملية تُشبه “خارطة طريق” قصيرة:

  1. اختيار حالة استخدام واحدة عالية العائد: مثل الصيانة التنبؤية لمعدة حرجة أو تحسين استهلاك الطاقة لوحدة محددة.
  2. توحيد مصادر البيانات: ربط أنظمة التشغيل (SCADA/PLC) مع بيانات الجودة واللوجستيات في مستودع بيانات موحد.
  3. تعريف مؤشرات أداء واضحة: كيلواط/ساعة لكل طن، ساعات توقف غير مخطط، نسبة منتجات مطابقة، زمن دورة الشحن.
  4. تجربة لمدة 8–12 أسبوعًا: نموذج أولي يُقاس أثره بالأرقام قبل التوسع.
  5. حوكمة وامتثال: خصوصًا في قطاعات حساسة، ضع سياسات لأمن البيانات، صلاحيات الوصول، ومسؤولية القرار.

هذه الخطوات ليست نظرية؛ هي الطريقة التي رأيت أنها تُقلل مقاومة التغيير وتُحوّل الذكاء الاصطناعي إلى جزء من التشغيل اليومي.

ما الذي يجعل صحار نقطة جذب لهذه المشاريع الآن؟

الجواب: البنية المتكاملة وسرعة الوصول للأسواق. ميناء صحار والمنطقة الحرة لديهما سجل طويل (أكثر من 20 سنة) ودور واضح في الاقتصاد العماني؛ وفق المعلومات المنشورة، يساهمان بحوالي 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي ويخلقان قرابة 42,000 وظيفة مباشرة وغير مباشرة.

عندما تتوفر البنية اللوجستية والتصنيعية في مكان واحد، يصبح إدخال الذكاء الاصطناعي أسهل لأن نقاط البيانات كلها ضمن سلسلة واحدة قابلة للقياس والتحسين.

ماذا بعد؟ الاقتصاد الدائري بدون ذكاء اصطناعي سيبقى بطيئًا

مشروع Oman Zinc في صحار ليس مجرد مصنع لإعادة التدوير؛ هو اختبار عملي لفكرة أن عمان يمكنها بناء سلاسل قيمة تصديرية تعتمد على الاستدامة والكفاءة. لكن الاستدامة وحدها لا تكفي إذا كانت الكلفة التشغيلية عالية أو الجودة متذبذبة أو اللوجستيات غير منسقة.

الذكاء الاصطناعي هنا يؤدي دور “المشرف الذكي”: يراقب، يتنبأ، ويقترح إجراءات تقلل الهدر وتزيد الاعتمادية. ونفس العقل التشغيلي هو ما يحتاجه قطاع النفط والغاز في عمان لرفع الإنتاجية، تحسين السلامة، وترشيد استهلاك الطاقة—وهو جوهر سلسلة مقالاتنا.

إذا كنت تقود مشروعًا في الطاقة أو الصناعة وتفكر أين تبدأ، جرّب سؤالًا واحدًا داخل شركتك: ما القرار اليومي الذي نتخذه الآن بالخبرة فقط، ويمكن للبيانات أن تجعله أدق وأسرع؟