كيف يكشف مشروع تخزين الكربون الأسترالي G-15-AP دور الذكاء الاصطناعي في CCS، وما الدروس العملية لعُمان لتسريع التحول الرقمي واتخاذ القرار.
الذكاء الاصطناعي واحتجاز الكربون: دروس لعُمان
في 06/01/2026 أعلنت شركة InCapture (كمشغّل) مع شركائها تكليف Wood بقيادة مرحلة هندسة المفهوم التطويري لتقييم رخصة تخزين الكربون الأسترالية G-15-AP، بالتوازي مع التقييم التقني تحت السطحي الذي تنفذه Halliburton. الخبر يبدو “هندسيًا” للوهلة الأولى… لكنه في الحقيقة يوضح كيف أصبحت مشاريع احتجاز الكربون وتخزينه (CCS) سباقًا على البيانات، والنمذجة، وسرعة اتخاذ القرار—وهنا تحديدًا يتدخل الذكاء الاصطناعي.
بالنسبة لعُمان، التي تضع التحول الرقمي ضمن أولوياتها في قطاع الطاقة والنفط والغاز، هذا النوع من المشاريع يقدم درسًا عمليًا: التخزين الجيولوجي للكربون ليس مشروع حفر فقط، بل منظومة قرار تعتمد على دمج هندسة السطح مع فهم باطن الأرض، وإدارة المخاطر، والامتثال التنظيمي. وإذا كانت عُمان تريد بناء قدرات CCS قابلة للتوسع—خصوصًا مع نمو مشاريع الهيدروجين والغاز والبتروكيماويات—فالأذكى هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كـ طبقة تشغيل للمشروع وليست أداة جانبية.
ما الذي تعنيه “هندسة المفهوم” في مشاريع تخزين الكربون؟
هندسة المفهوم (Concept Engineering) هي المرحلة التي تحدد “شكل المشروع” قبل الدخول في استثمارات ضخمة. في CCS، هي الإجابة العملية عن سؤال واحد: هل يمكن تخزين CO₂ هنا بأمان وبكلفة مقبولة وبمسار تنظيمي واضح؟
في حالة G-15-AP، الهدف المعلن هو تقييم التراكيب التخزينية المُنتقاة (High-graded structures) لدعم خطوة تنظيمية لاحقة تُعرف بـ إعلان تكوين التخزين (Declaration of Storage Formation). هذه نقطة مفصلية لأن أي استثمار لاحق (حفر تقييم/تطوير، مرافق ضغط ونقل، مراقبة دائمة) يعتمد على نجاح هذه المرحلة.
لماذا هذه المرحلة صعبة بطبيعتها؟
السبب أن CCS يجمع ثلاثة عوالم عادةً تُدار بشكل منفصل:
- الجيولوجيا/الجيوفيزياء: فهم المسامية والنفاذية، المصائد، طبقات الغطاء (Caprock) ومسارات الهجرة.
- هندسة المرافق السطحية: ضغط CO₂، تجفيفه، نقله، حقنه، وإدارة الطاقة والموثوقية.
- المخاطر والحوكمة: إثبات السلامة على مدى طويل، خطط المراقبة، الالتزام التنظيمي.
الذكاء الاصطناعي لا “يستبدل” هذه التخصصات. لكنه يقلل زمن الدمج بينها ويزيد جودة القرار عندما يُستخدم بالطريقة الصحيحة.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي فعليًا في مشاريع CCS؟
الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي يدخل حيث تتراكم البيانات وتتعقد المقارنات بين الخيارات. وهذا يحدث في كل خطوة من خطوات “فهم المكمن” إلى “تصميم المرافق” ثم “المراقبة”.
1) تسريع تفسير البيانات تحت السطح (Subsurface)
مشاريع التخزين الجيولوجي تعتمد على مزيج من بيانات زلزالية (Seismic) وسجلات آبار وقياسات ضغط/لباب (Core). في كثير من الحالات، تكون البيانات غير متجانسة: أجزاء عالية الجودة وأخرى قديمة أو ناقصة.
الذكاء الاصطناعي يساعد هنا عبر:
- تصنيف الفوالق والطبقات على البيانات الزلزالية بطرق تعلم عميق لتقليل زمن التفسير.
- تقدير الخصائص البتروفيزيائية (مثل المسامية) باستخدام نماذج تتعلم من سجلات الآبار الموجودة.
- دمج عدم اليقين: بدلًا من نموذج واحد “مريح”، يمكن توليد سيناريوهات متعددة مع نطاقات ثقة واضحة.
النتيجة العملية: فرق الجيولوجيا والهندسة تحصل على خريطة قرار أسرع وأوضح—وهذا يختصر شهورًا من الجدل الداخلي ويجعل النقاش مع الجهات التنظيمية أكثر اتساقًا.
2) نمذجة الحقن وسلوك CO₂ بطرق أكثر واقعية
في CCS، لا يكفي أن يكون المكمن “فاضيًا”. يجب أن يستوعب CO₂ بمعدلات حقن اقتصادية مع الحفاظ على سلامة الطبقات الغطائية وعدم رفع الضغط بشكل خطر.
يُستخدم الذكاء الاصطناعي في:
- بناء نماذج بديلة (Surrogate Models) تُقارب نتائج المحاكاة المكمنية الثقيلة بسرعة كبيرة.
- تحسين سيناريوهات الحقن عبر خوارزميات التحسين متعدد الأهداف (الكلفة/الأمان/معدل الحقن).
- اقتراح مواقع آبار حقن أكثر ملاءمة بناءً على تاريخ الضغط، واتجاهات النفاذية، وحدود المصيدة.
هذه الأدوات لا تلغي برامج المحاكاة التقليدية، لكنها تجعلها قابلة للاستخدام في “حلقة قرار” يومية بدل أسبوعية.
3) التصميم الهندسي للمرافق… كمسألة بيانات
في الخبر، تعمل Wood على هندسة المفهوم، بينما تقيّم Halliburton الجانب تحت السطح. هذا التقسيم يعكس حقيقة: السطح وباطن الأرض يجب أن يتحاورا بلغة مشتركة.
الذكاء الاصطناعي يساعد في الربط بين الطرفين عبر:
- التنبؤ بحمل التشغيل (ضغط/تدفق/تركيب CO₂) على مرافق الضغط والتجفيف.
- بناء Digital Twin مبكر للمشروع يربط حقن المكمن بأداء الضواغط وخطوط الأنابيب.
- مقارنة خيارات التصميم (عدد الضواغط، مستويات التكرار N+1، مسارات الأنابيب) مع أثرها على الانبعاثات والتكلفة.
وجهة نظري: كثير من المشاريع تخسر المال لأن التصميم يبدأ بـ “حل جاهز” من مشاريع الغاز، ثم يتم ترقيعه ليلائم CO₂. الأفضل هو البدء من نموذج تشغيلي رقمي يفرض المنطق الهندسي منذ اليوم الأول.
ما الذي يمكن لعُمان أن تتعلمه من مشروع G-15-AP؟
الفكرة ليست تقليد أستراليا، بل التقاط نمط ناجح: تخفيض المخاطر (De-risking) قبل الالتزام برأس مال كبير، وبمزيج من خبرات هندسية وجيوعلمية متخصصة.
1) افصل بين “الطموح” و“قابلية الاستثمار” مبكرًا
في خبر G-15-AP، قيل صراحة إن نتائج نطاقي العمل ستُستخدم لـ إنضاج مفاهيم قابلة للحياة إلى مرحلة الجدوى (Feasibility) ودعم قرارات الاستثمار لاحقًا. هذا سلوك صحي. في مشاريع CCS، الحماس البيئي وحده لا يكفي.
لعُمان، هذا يعني أن أي مبادرة CCS يجب أن تُترجم خلال 12–18 شهرًا إلى:
- معدل حقن مستهدف (طن CO₂/سنة)
- تكلفة تقديرية لكل طن (Capex/Opex)
- خطة مراقبة وإثبات (MRV)
- مسار ترخيص واضح ومراحل قرار محددة
2) ابنِ “سلسلة قرار” لا “سلسلة تقارير”
التحول الرقمي يفشل عندما يصبح إنتاج التقارير هدفًا بحد ذاته. مشاريع CCS تحتاج منصة قرار تُحدث نفسها، تربط البيانات الجيولوجية بالهندسة والتكاليف والمخاطر.
اقتراح عملي للشركات في عُمان:
- مستودع بيانات موحد (زلزالي، آبار، تشغيل، مخاطر)
- طبقة نمذجة تتضمن محاكاة + نماذج بديلة بالذكاء الاصطناعي
- لوحة مؤشرات قرار (Decision Dashboard) تُظهر: الحقن/الضغط/الحدود التنظيمية/الكلفة
هذه ليست رفاهية. هي ما يجعل المشروع يتقدم بدل أن يعلق بين فرق متعددة.
3) ابدأ بالمراقبة (MRV) منذ مرحلة المفهوم
أفضل وقت لتصميم خطة المراقبة والإبلاغ والتحقق (MRV) هو قبل الحفر، لا بعده. لماذا؟ لأن MRV تؤثر على:
- مواقع الآبار
- نوع المجسات وأجهزة القياس
- تصميم الآبار (إكمال، تغليف)
- ميزانية التشغيل الطويلة
الذكاء الاصطناعي هنا يخدم هدفين: اكتشاف الشذوذ مبكرًا (ضغط غير متوقع/تسرب محتمل) وتقليل الإنذارات الكاذبة عبر نماذج تتعلم من خط الأساس التشغيلي.
خارطة طريق مختصرة لتطبيق الذكاء الاصطناعي في CCS بعُمان
إذا كنت تدير مشروعًا في النفط والغاز أو الطاقة في عُمان وتفكر في CCS، هذه خطوات واضحة رأيت أنها تُقلل المخاطر وتسرّع القرار:
1) حدد 3 حالات استخدام “حاسمة” بدل 15 حالة جميلة
ابدأ بما يغير القرار الاستثماري فعليًا:
- تصنيف أفضل التكوينات التخزينية (Ranking)
- نموذج بديل سريع لمحاكاة الحقن
- نظام MRV قائم على اكتشاف الشذوذ
2) ضع معايير قبول رقمية من البداية
حوّل المتطلبات إلى أرقام قابلة للقياس:
- حد أعلى لزيادة الضغط
- احتمال تسرب مقبول (كمفهوم مخاطرة)
- توافرية المرافق (Availability)
- تكلفة/طن ضمن نطاق محدد
3) جهّز الفريق: “مهندس يفهم البيانات” أهم من أداة جديدة
أقصر طريق للفشل هو شراء منصة ذكاء اصطناعي دون فريق قادر على تشغيلها. المطلوب عمليًا:
- مهندسو مكامن/حفر لديهم فهم أساسي لعلم البيانات
- علماء بيانات يفهمون الفيزياء والقيود التشغيلية
- حوكمة بيانات واضحة (من يملك ماذا؟ ومن يعتمد ماذا؟)
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون قبل الاستثمار في CCS
هل الذكاء الاصطناعي يقلل التكلفة أم يزيدها؟
يقللها عندما يُستخدم لتقليل دورات إعادة العمل (Rework) وتسريع الوصول إلى نموذج جدوى موثوق. يزيدها عندما يتحول إلى مشروع منفصل لا يرتبط بقرارات التصميم.
هل نحتاج بيانات “مثالية” لنبدأ؟
لا. لكن تحتاج حدًا أدنى من الجودة والتنظيم. القيمة الحقيقية تأتي من دمج البيانات المتاحة وإظهار عدم اليقين بصدق بدل إخفائه.
ما المؤشر الذي يثبت أن المشروع يتحسن؟
راقب شيئين: زمن اتخاذ القرار (كم أسبوعًا لتحديث نموذج الحقن/الكلفة؟) ونسبة الخلافات المحسومة بالأرقام بدل الآراء.
جملة قابلة للاقتباس: مشروع CCS الناجح لا يعتمد على نموذج واحد صحيح، بل على نظام يحدّث قناعته بسرعة عندما تتغير البيانات.
أين تذهب عُمان من هنا؟
خبر G-15-AP يوضح أن السوق يتحرك نحو CCS كمسار استثماري جاد، وأن “الهندسة + تحت السطح” تُدار الآن كحزمة واحدة لتقليل المخاطر قبل الالتزام طويل الأمد. الأهم: هذا النوع من المشاريع يحتاج تحولًا رقميًا عمليًا، والذكاء الاصطناعي هو القلب الذي يربط أجزاء الصورة.
إذا كانت هذه المقالة جزءًا من سلسلة "كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان"، فأنا أرى أن الحلقة التالية منطقيًا هي الانتقال من الكلام عن الأدوات إلى تصميم برنامج CCS تجريبي (Pilot) في عُمان: نطاق صغير، قياس واضح، وبيانات تُدار من اليوم الأول.
الخطوة التالية التي أنصح بها: اختر أصلًا صناعيًا مناسبًا (غاز/بتروكيماويات/مرافق معالجة)، حدّد مصدر CO₂، ثم ابنِ “خريطة قرار” رقمية لمدة 90 يومًا. بعدها فقط ستعرف إن كنت أمام مشروع قابل للتوسع… أم مجرد فكرة جميلة على الورق.