الذكاء الاصطناعي والوقود الحيوي: دروس لعُمان من شراكات عالمية

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمانBy 3L3C

شراكة BP وCorteva لتأمين مواد أولية للوقود الحيوي تُظهر كيف تقود البيانات والذكاء الاصطناعي الاستدامة. دروس عملية لقطاع الطاقة في عُمان.

الوقود الحيويوقود الطيران المستدامالديزل المتجددالذكاء الاصطناعيسلاسل الإمدادالاستدامة
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي والوقود الحيوي: دروس لعُمان من شراكات عالمية

الذكاء الاصطناعي والوقود الحيوي: دروس لعُمان من شراكات عالمية

في 08/01/2026 أعلنت BP وCorteva عن مشروع مشترك بنسبة 50-50 لإنتاج مواد أولية للوقود الحيوي من محاصيل مثل الكانولا والخردل ودوّار الشمس. الرقم الذي يلفت الانتباه ليس الشراكة نفسها، بل الهدف: مليون طن متري سنويًا من المواد الأولية بحلول منتصف ثلاثينيات هذا القرن، بما يكفي لإنتاج أكثر من 800 ألف طن من الوقود الحيوي. هذه ليست قصة “زراعة” فقط، بل قصة إدارة سلاسل إمداد معقّدة تحت ضغط الوقت والتنظيمات والكلفة.

وهنا يدخل موضوع سلسلتنا: كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عُمان. لأن ما تفعله BP وCorteva في الوقود الحيوي يوضح اتجاهًا عالميًا واضحًا: من ينجح ليس من يمتلك أصلًا واحدًا قويًا، بل من يبني منظومة بيانات وشراكات قادرة على التوسع دون فوضى تشغيلية. والذكاء الاصطناعي هو اللغة المشتركة التي تربط بين الحقل، والمصفاة، واللوجستيات، والامتثال.

لماذا شراكة BP وCorteva مهمة الآن؟

الخلاصة المباشرة: الطلب العالمي على وقود الطيران المستدام والديزل المتجدد يتصاعد بسرعة، ومن لا يؤمّن المواد الأولية مبكرًا سيدفع كلفة أعلى لاحقًا.

الشركة المشتركة (Etlas) تستهدف إمدادات أولية تبدأ في 2027 لاستخدامها في المعالجة المشتركة داخل المصافي (Co-processing) وكذلك في مصانع وقود حيوي مخصّصة. هذا التفصيل مهم لأنه يوضح استراتيجية “التدرج”: الاستفادة من البنية التحتية الحالية بدل انتظار مصانع جديدة بالكامل.

الأرقام التي ذكرتها الشركتان تعطي صورة عن حجم السوق:

  • SAF (وقود الطيران المستدام): قد يصل الطلب إلى 10 ملايين طن بحلول 2030 مقارنةً بنحو مليون طن في 2024.
  • RD (الديزل المتجدد): قد يرتفع إلى 35 مليون طن بحلول 2030 مقارنةً بنحو 17 مليون طن في 2024.

هذه القفزة تخلق سؤالًا عمليًا: من أين تأتي المواد الأولية؟ وكيف نضمن الجودة والاستدامة وعدم تعارضها مع الغذاء؟ الإجابة التي تقترحها Etlas: محاصيل وسيطة بين مواسم المحاصيل الغذائية وعلى أراضٍ زراعية قائمة.

المواد الأولية ليست “تفصيلًا”… إنها عنق الزجاجة

الخلاصة المباشرة: أكبر تحدٍ في الوقود الحيوي ليس التقنية داخل المصفاة فقط؛ بل “المدخلات” (Feedstock) وتذبذبها وجودتها وتتبّعها.

محاصيل وسيطة على أراضٍ قائمة: فكرة ذكية… لكنها صعبة التنفيذ

Etlas تقول إن المحاصيل ستُزرع بين المواسم على أراضٍ قائمة، ما يعني تقليل الضغط على التوسع الأفقي للأراضي وتقليل حساسية “الغذاء مقابل الوقود”. على الورق، هذا ممتاز. على أرض الواقع، التنفيذ يتطلب إدارة دقيقة لعدة عناصر:

  • توقيت الزراعة والحصاد ضمن نافذة ضيقة.
  • اختلاف التربة والرطوبة من منطقة لأخرى.
  • تفاوت الإنتاجية بين المزارعين.
  • لوجستيات النقل والتخزين دون فقدان جودة.
  • إثبات الاستدامة للجهات التنظيمية والعملاء (خصوصًا الطيران).

هنا يعمل الذكاء الاصطناعي كـ“مدير عمليات” عبر السلسلة

إذا أردت تبسيط الصورة: الذكاء الاصطناعي لا يزرع بدل المزارع، لكنه يجعل القرار أسرع وأدق.

أين يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا في نموذج مثل Etlas؟

  • نماذج تنبؤ بالإنتاجية تعتمد على صور الأقمار الصناعية والطقس والتاريخ الزراعي للتربة.
  • تحسين جدولة الحصاد والنقل لتقليل الفاقد والازدحام في نقاط التجميع.
  • تصنيف الجودة آليًا عبر رؤية حاسوبية في مراكز الاستلام (رطوبة/شوائب/كثافة زيت).
  • تتبّع الاستدامة بسجلات رقمية وبيانات يمكن تدقيقها (MRV: القياس والإبلاغ والتحقق).

هذه النقاط ليست رفاهية. أي خطأ في الجودة أو التتبع قد يجعل شحنة “غير صالحة” كوقود مستدام وفق معايير السوق، فتتحول من أصل مربح إلى عبء.

ما الذي يمكن لعُمان أن تتعلمه؟ (داخل النفط والغاز وخارجه)

الخلاصة المباشرة: دروس Etlas ليست محصورة بالوقود الحيوي؛ هي نموذج لكيف تُدار التحولات في الطاقة بالبيانات والشراكات—وهذا بالضبط ما يحتاجه قطاع الطاقة والنفط والغاز في عُمان.

عُمان تمتلك قطاعًا طاقيًا استراتيجيًا، وتدفع باتجاه كفاءة أعلى وانبعاثات أقل وتنافسية أقوى. إذا أخذنا قصة BP وCorteva كإشارة، فهناك 3 دروس عملية يمكن تطبيقها محليًا حتى لو كانت “المواد الأولية” مختلفة:

1) الشراكات التي تنجح هي التي توحّد البيانات قبل توحيد العقود

Etlas تجمع خبرة Corteva في البذور والتقنيات الزراعية مع خبرة BP في التكرير وتسويق الوقود للنقل التجاري. هذا النوع من تقسيم الأدوار واضح. لكن الأهم هو توحيد “لغة البيانات”: مواصفات، تتبع، جودة، توقعات.

في عُمان، يمكن تطبيق نفس المنطق على:

  • شركات تشغيل الحقول + شركات الخدمات + مقاولي الصيانة.
  • المصافي + النقل والتخزين + الموانئ.
  • الطاقة التقليدية + مشاريع الهيدروجين/الوقود منخفض الكربون.

الذكاء الاصطناعي هنا لا يبدأ بنموذج ضخم؛ يبدأ بـحوكمة بيانات وواجهات تبادل معلومات واضحة، ثم نماذج تحسين تدريجية.

2) “الاستفادة من الأصول القائمة” نهج أسرع من بناء كل شيء من الصفر

BP تنتج حاليًا نحو 10,000 برميل/يوم من الوقود الحيوي عبر المعالجة المشتركة في مصافيها، ولديها في البرازيل طاقة إنتاجية من الإيثانول تعادل 50,000 برميل/يوم. الرسالة: ابدأ بما تملك، ثم وسّع.

في عُمان، هذا يترجم إلى مشاريع ذكاء اصطناعي سريعة الأثر داخل الأصول القائمة:

  • الصيانة التنبؤية للمضخات والضواغط لتقليل التوقفات غير المخططة.
  • تحسين استهلاك الطاقة في وحدات المعالجة عبر نماذج تحكم تنبؤية.
  • تحليل تسربات/انبعاثات عبر حساسات وإنذارات ذكية لتقليل خسائر الميثان.

هذه الاستخدامات تعطي عائدًا ملموسًا خلال أشهر، وتبني ثقة داخل المؤسسة.

3) الاستدامة في 2026 ليست شعارًا… بل متطلبات سوق

وقود الطيران المستدام والديزل المتجدد مرتبطان بتتبع الكربون وإثبات المنشأ. نفس المنطق يتوسع تدريجيًا إلى سلاسل قيمة أخرى: منتجات بتصنيف انبعاثات، تقارير ESG أدق، وتدقيق أشد.

الذكاء الاصطناعي يدعم ذلك عبر:

  • أتمتة جمع البيانات البيئية (طاقة/مياه/انبعاثات) بدل الجداول اليدوية.
  • اكتشاف الشذوذ في البيانات (مثلاً ارتفاع مفاجئ في استهلاك الوقود أو تسرب).
  • إعداد تقارير امتثال أسرع وأدق.

جملة تستحق أن تُحفظ: من لا يستطيع قياس الاستدامة بدقة، لن يستطيع بيعها بثقة.

كيف يبدو تطبيق “نموذج Etlas” بالذكاء الاصطناعي في عُمان؟

الخلاصة المباشرة: ابدأ بمشكلة تشغيلية محددة، اربطها ببيانات موثوقة، ثم وسّع إلى منصة تحسين شاملة.

إذا كنت مسؤولًا في شركة طاقة/نفط وغاز في عُمان وتريد خطوة عملية خلال 90 يومًا، فهذه خريطة طريق مختصرة (وعملية):

  1. اختر عنق زجاجة واحدًا واضحًا: توقفات معدات، فاقد في النقل، جودة المنتج، أو تقلبات الإمداد.
  2. حدّد 10-20 مؤشرًا فقط لقياس النجاح (مثلاً: MTBF، الطاقة المستهلكة/وحدة، نسبة الفاقد، زمن التسليم).
  3. اجمع البيانات من المصدر (حساسات/SCADA/ERP) بدل إعادة إدخالها يدويًا.
  4. ابنِ نموذجًا بسيطًا قابلًا للتشغيل: تنبؤ عطل، تحسين جدول صيانة، أو توصية تشغيل.
  5. ثبّت الحوكمة منذ البداية: من يملك البيانات؟ من يوافق على تغييرات التشغيل؟ كيف تُراجع القرارات؟

الفكرة ليست “الذكاء الاصطناعي من أجل الذكاء الاصطناعي”. الفكرة أن تُحوّل البيانات إلى قرارات تشغيلية تُقلّل كلفة وتزيد موثوقية—وهذا ما يجعل أي انتقال للطاقة قابلًا للتمويل والقياس.

أسئلة شائعة يسمعها فريق التحول الرقمي (وإجابات مباشرة)

الخلاصة المباشرة: أغلب الاعتراضات على الذكاء الاصطناعي ليست تقنية؛ بل تنظيمية وتشغيلية ويمكن حلها.

هل الذكاء الاصطناعي يعني استبدال الخبراء؟

لا. ما رأيته في مشاريع ناجحة هو العكس: الذكاء الاصطناعي يلتقط الإشارات الضعيفة مبكرًا، والخبير يقرر ما الذي يستحق التدخل. أفضل النتائج تأتي عندما يُصمم النموذج مع المشغلين لا بعيدًا عنهم.

ما الذي يمنع نجاح هذه المشاريع عادة؟

ثلاثة أسباب تتكرر: بيانات غير نظيفة، غموض في “من صاحب القرار”، وتوقعات مبالغ فيها من أول نموذج. الحل: نطاق ضيق + قياس واضح + توسع تدريجي.

هل الوقود الحيوي يعني أن النفط والغاز سيتراجعان فورًا؟

لا. لكنه يعني أن الأسواق—خصوصًا النقل والطيران—تطلب بدائل منخفضة الكربون بوتيرة أسرع. والمنتجون الذين يدمجون الاستدامة في التشغيل سيكسبون عقودًا وتكلفة تمويل أفضل.

أين تذهب الأمور من هنا؟

شراكة BP وCorteva تضع إصبعها على نقطة حساسة: تأمين المواد الأولية هو ما يصنع الفارق بين طموح الوقود المستدام وواقعه. والأداة التي تجعل ذلك ممكنًا على نطاق واسع هي مزيج من الشراكات والبيانات والذكاء الاصطناعي.

بالنسبة لعُمان، الرسالة واضحة في سياق سلسلتنا: التحول الحقيقي في قطاع الطاقة والنفط والغاز لا يحدث عبر مشروع واحد كبير، بل عبر سلسلة قرارات تشغيلية أصغر—كل قرار مدعوم ببيانات أفضل ونماذج أدق. إذا أردت أن تقيس أثر الذكاء الاصطناعي في 2026، لا تسأل عن عدد النماذج. اسأل عن عدد الساعات التي انخفضت فيها التوقفات، وكمية الطاقة التي تم توفيرها، وكم تقرير امتثال أصبح جاهزًا دون معاناة.

الخطوة التالية التي أنصح بها: اختَر “نقطة ألم” واحدة في عملياتك، وابدأ نموذجًا تجريبيًا بمدة محددة ومؤشرات نجاح لا تقبل التأويل. ثم وسّع. السؤال الذي يهمني سماعه من فرق الطاقة في عُمان الآن: أي جزء من سلسلة القيمة لديكم ما زال يُدار بالحدس أكثر من البيانات؟