الوقود الحيوي والذكاء الاصطناعي: دروس لعُمان من إيطاليا

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمانBy 3L3C

قرض 500 مليون يورو لبيوتكرير إيني يوضح كيف يلتقي الوقود الحيوي مع الذكاء الاصطناعي. دروس عملية لعُمان لتحديث المصافي وخفض الانبعاثات.

الوقود الحيويSAFHVOالذكاء الاصطناعي الصناعيتحول الطاقةتحول المصافيعُمان
Share:

الوقود الحيوي والذكاء الاصطناعي: دروس لعُمان من إيطاليا

في 02/04/2026، وقّعت شركة إيني الإيطالية قرضًا لمدة 15 سنة بقيمة 500 مليون يورو من بنك الاستثمار الأوروبي لتمويل توسعة إنتاج الوقود الحيوي في مصفاة سانّاتسارو دي بورغوندي شمال إيطاليا. هذا ليس خبرًا ماليًا عابرًا. هو مؤشر واضح على اتجاه عالمي: التحول في قطاع التكرير لم يعد “إما نفط أو طاقة نظيفة”—بل مزيج صناعي ذكي يربط بين الاثنين.

وهنا تأتي صلة عُمان بالموضوع. لأنّ السؤال الذي يهم الشركات والجهات التنظيمية في السلطنة ليس فقط: كيف نخفض الانبعاثات؟ بل أيضًا: كيف نفعل ذلك دون خسارة القدرة الإنتاجية، وبأفضل اقتصاديات تشغيل؟ في سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في عمان”، هذه الحلقة تستخدم نموذج إيطاليا في البيوتكرير (Biorefining) كمثال واقعي، وتشرح أين يدخل الذكاء الاصطناعي بالضبط—ولماذا من المنطقي أن تبدأ عُمان من الآن.

ما الذي تفعله إيني بالضبط؟ (الإجابة: تحويل التكرير إلى نموذج مزدوج)

الجواب المباشر: إيني لا تُغلق المصافي التقليدية؛ تُضيف خطّ إنتاج حيوي داخل الموقع نفسه. مشروع سانّاتسارو سيُبقي عمليات التكرير التقليدية قائمة، ويضيف قدرة معالجة جديدة تبلغ 550 ألف طن متري سنويًا من مواد أولية للوقود الحيوي، أغلبها نفايات ومخلّفات.

هذا التفصيل مهم لأنّه يشرح كيف تتم إدارة المخاطر في التحول الطاقي:

  • استمرار النقدية والقدرة التشغيلية من الأصول الحالية.
  • إدخال خطوط إنتاج جديدة تدريجيًا بدل الرهان على مصنع جديد بالكامل.
  • بناء سلسلة توريد لمواد أولية “غير غذائية” مثل الزيوت المستعملة والدهون الحيوانية وبقايا الزيوت المعالجة.

رسالة المشروع ليست “اتركوا النفط”. الرسالة: “أعيدوا تصميم المصفاة لتكون متعددة المنتجات ومتوافقة مع التشريعات القادمة”.

HVO وSAF: منتجان يقودان الطلب الأوروبي

إيني تقول إن الموقع سيكون مرنًا لإنتاج:

  • ديزل HVO (Hydrotreated Vegetable Oil)
  • وقود طيران مستدام SAF (Sustainable Aviation Fuel)

والسبب اقتصادي/تنظيمي بقدر ما هو بيئي: بيان التمويل أشار إلى أن الطلب على SAF سيزداد بسرعة من 2030 بفعل متطلبات الخلط الإلزامية ضمن لائحة ReFuelEU Aviation. عندما يتحول “الطلب” إلى “التزام قانوني”، تصبح الجدوى أوضح، والتمويل أسهل.

لماذا هذا النموذج مهم لعُمان؟ (الإجابة: لأنه يناسب منطق الأصول الكبيرة)

الجواب المباشر: لأنّ عُمان تمتلك أصولًا طاقية كبيرة وتبحث عن تحديثها لا استبدالها. التحول الواقعي في النفط والغاز لا يحدث عبر شعارات، بل عبر قرارات استثمارية تُقلل المخاطر وتزيد مرونة الأصول.

في عُمان، هناك ثلاثة أسباب تجعل نموذج “التحويل التدريجي + التكنولوجيا” جذابًا:

  1. البنية الأساسية الصناعية موجودة: موانئ، سلاسل توريد، خبرات تشغيل.
  2. الطموح التنظيمي والاقتصادي: مواءمة أهداف خفض الانبعاثات مع التنافسية.
  3. فرصة التقاط قيمة جديدة: وقود منخفض الكربون (للشحن، الطيران، النقل الثقيل) بدل الاعتماد على منتج واحد.

لكن هناك نقطة غالبًا ما تُغفل: الوقود الحيوي ليس مجرد “وصفة كيميائية”؛ هو نظام بيانات وتشغيل. وهنا تحديدًا يدخل الذكاء الاصطناعي.

أين يدخل الذكاء الاصطناعي في البيوتكرير؟ (الإجابة: في الجودة، السلسلة، والاعتمادية)

الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يجعل البيوتكرير قابلاً للتوسع صناعيًا لأنّه يتعامل مع أكبر مشكلة: تذبذب جودة المواد الأولية.

على عكس النفط الخام (المُقاس بمواصفات معروفة)، مواد تغذية الوقود الحيوي—مثل الزيوت المستعملة والدهون—تتغير خصائصها باستمرار (محتوى الشوائب، الأحماض الدهنية الحرة، الماء، المعادن…). هذا يضغط على التشغيل والجودة والتآكل واستهلاك الهيدروجين.

1) ذكاء اصطناعي لجودة المواد الأولية (Feedstock Intelligence)

يمكن بناء نماذج تعلم آلي تربط بين نتائج مختبرات التحليل وبيانات الموردين وخصائص الشحنات لتقوم بـ:

  • تصنيف الشحنات حسب المخاطر (High/Medium/Low)
  • توقع استهلاك الهيدروجين ودرجة المعالجة اللازمة
  • اقتراح خلطات مثالية من عدة مصادر لتحقيق مواصفة المنتج بأقل تكلفة

هذه الفكرة وحدها تقلل مفاجآت التشغيل، وتزيد ثبات الجودة، وتحد من الهدر.

2) تحسين التشغيل والتحكم المتقدم (AI + APC)

في وحدات الهدرجة وإزالة الأكسجين (المستخدمة لإنتاج HVO وSAF)، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم أنظمة APC عبر:

  • ضبط نقاط التشغيل لتحقيق أعلى إنتاجية ضمن حدود السلامة
  • تقليل التذبذب في الحرارة والضغط الذي يسبب تدهور المحفزات
  • تحسين استخدام الطاقة والبخار والهيدروجين

النتيجة ليست “تقنية جميلة”، بل طنّات إضافية قابلة للبيع واستهلاك أقل لمواد عالية التكلفة.

3) الصيانة التنبؤية لموثوقية الأصول

عندما تُحوّل منشأة قائمة إلى نموذج مزدوج، يصبح توقف جزء صغير مكلفًا لأنه يؤثر على منتجين وسلسلتين.

  • نماذج التنبؤ بالأعطال للمضخات والضواغط والمبادلات
  • مراقبة الاهتزاز والحرارة وتغير الأداء
  • التنبؤ بتدهور المحفزات أو التآكل في خطوط معينة

هذه الممارسات أصبحت “لغة مشتركة” في التحول الرقمي لقطاع النفط والغاز في عُمان، ويمكن نقلها مباشرة إلى البيوتكرير.

التمويل والتشريعات: لماذا يتحرك المال قبل أن يكتمل السوق؟

الجواب المباشر: لأنّ التشريعات تصنع يقينًا، واليقين يخفض تكلفة التمويل. بنك الاستثمار الأوروبي موّل مشروعين لإيني:

  • 500 مليون يورو لتحويل مصفاة ليفورنو (التزام في 07/2025)
  • 500 مليون يورو لمشروع سانّاتسارو (إعلان 02/04/2026)

إيني تتوقع إكمال مشروع ليفورنو خلال 2026، بينما يبدأ تشغيل سانّاتسارو في 2028. وفي الوقت نفسه، تعمل على تحويلات أخرى داخل إيطاليا، بعد تحويلين سابقين في فينيسيا وجيلا.

أما هدف إيني الكمي فهو واضح وقابل للاقتباس:

  • قدرة إنتاج الوقود الحيوي الحالية: 1.65 مليون طن سنويًا (إيطاليا + الولايات المتحدة)
  • الهدف في 2030: 5 ملايين طن سنويًا
  • حصة SAF المخطط لها: أكثر من 2 مليون طن سنويًا

هذه الأرقام تشرح كيف تفكر الشركات الكبيرة: حصة سوق + سعة صناعية + مطابقة تنظيمية. والذكاء الاصطناعي يخدم الثلاثة.

ماذا يعني ذلك لعُمان عمليًا؟

ليس المطلوب استنساخ تشريعات أوروبا. المطلوب فهم المعادلة:

  • إشارات تنظيمية طويلة الأجل = استثمارات أسرع
  • معايير قياس الكربون والامتثال = أسواق تصدير أوسع
  • منصات بيانات موحدة = تشغيل أكثر كفاءة وتدقيق أسهل

إذا كانت عُمان تستهدف ممرات تصدير جديدة أو شراكات طيران/شحن، فوجود منتجات مثل SAF وHVO ضمن سلة الطاقة (أو على الأقل قدرة تطويرها) يصبح ورقة تفاوض قوية.

خطة من 5 خطوات لعُمان: ربط البيوتكرير بالذكاء الاصطناعي دون مخاطرة زائدة

الجواب المباشر: ابدأوا بمشاريع صغيرة مرتبطة بالبيانات، ثم توسعوا عندما يثبت العائد.

  1. خارطة بيانات للأصول الحالية

    • ما البيانات المتاحة؟ (حساسات، مختبرات، ERP، سلسلة توريد)
    • ما الفجوات؟ وأين جودة البيانات ضعيفة؟
  2. حالة استخدام واحدة “سريعة العائد”

    • مثال: نموذج توقع جودة الشحنات أو تحسين خلط المواد الأولية
    • هدف واضح: خفض كلفة الهيدروجين/الطاقة أو تقليل الرفض خارج المواصفة
  3. حوكمة كربون وامتثال قابلة للتدقيق

    • بناء سجلات رقمية لسلسلة التوريد
    • تتبع مصدر المخلفات، ونِسب الخلط، والمنتج النهائي
  4. دمج الذكاء الاصطناعي مع التحكم المتقدم APC

    • لا تجعل الذكاء الاصطناعي “لوحة عرض”. اجعله جزءًا من قرار التشغيل.
  5. شراكات مواد أولية محلية/إقليمية

    • الزيوت المستعملة ومخلفات الصناعات الغذائية والثروة الحيوانية
    • هذا يقلل تقلبات الإمداد، ويخلق قيمة داخل الاقتصاد المحلي

أسئلة شائعة يطرحها المديرون (وماذا أجيب عادة)

هل الوقود الحيوي ينافس النفط اقتصاديًا؟

يعتمد على التشريعات، وسعر الكربون، وتوفر المواد الأولية. لكن مع إلزامات خلط SAF في أوروبا من 2030، يتحول جزء من الطلب إلى طلب “مضمون نسبيًا”.

هل الذكاء الاصطناعي شرط لنجاح البيوتكرير؟

ليس شرطًا لبدء التشغيل، لكنه شرط لتشغيل مستقر ومربح على نطاق كبير، لأنّ تذبذب المواد الأولية سيبتلع هامش الربح إذا لم يُدار بالبيانات.

ما الخطر الأكبر؟

سلسلة التوريد. ليس المفاعل ولا الوحدة وحدها. إذا لم تُبنَ منظومة توريد للمخلفات والزيوت والدهون بجودة قابلة للتنبؤ، ستتحول الخطة إلى تشغيل متقطع.

ما الذي ينبغي فعله الآن؟

الدرس من إيني واضح: التحول الطاقي يمضي عبر مشاريع صناعية قابلة للتمويل والتنفيذ، وليس عبر الوعود العامة. القرض بقيمة 500 مليون يورو لم يُمنح لأن الفكرة جميلة، بل لأنّ هناك خطة إنتاج، وقدرة تشغيل، ومسار سوق مدفوع بالتشريعات.

في عُمان، الفرصة الأقوى ليست في اختيار “الوقود الحيوي أو الذكاء الاصطناعي”. الفرصة في جمعهما: تحديث الأصول عبر منتجات أقل كربونًا، وتشغيلها بكفاءة عبر التحليلات والذكاء الاصطناعي. هذا المسار يحافظ على تنافسية القطاع ويخلق مسارات أعمال جديدة.

إذا كنت تعمل في الطاقة أو النفط والغاز أو سلاسل التوريد الصناعية في عُمان: ما هي أول حالة استخدام للذكاء الاصطناعي ستختارها—تحسين التشغيل، أم تتبع الكربون، أم ذكاء المواد الأولية؟