دليل عملي لمصارف لبنان لتفادي أخطاء الأتمتة: من الجزر المنفصلة إلى التنسيق والحوكمة وقياس ROI لتوسيع الذكاء الاصطناعي بثقة.

أخطاء أتمتة الذكاء الاصطناعي في مصارف لبنان وكيف نتفاداها
قبل أسابيع، سمعت مديراً في بنك لبناني يقول جملة تتكرر كثيراً: «جرّبنا الأتمتة… نجحت بالتجربة، ثم علِقت». هذا ليس فشلاً تقنياً بقدر ما هو فشل في طريقة إدارة الأتمتة. وما قاله Daniel Dines، الرئيس التنفيذي لشركة UiPath، يضع الإصبع على الجرح: المشكلة غالباً ليست نقص أدوات أو طموح، بل سوء تصميم التوسّع، والحوكمة، وغياب “التنسيق” بين الإنسان والروبوت ووكيل الذكاء الاصطناعي.
هذا الكلام يهم لبنان تحديداً في نهاية 2025، لأن القطاع المصرفي وشركات التكنولوجيا المالية يعيشون ضغطاً مزدوجاً: تحسين تجربة العميل وخفض الكلفة التشغيلية من جهة، والتعامل مع متطلبات الامتثال والبيانات الحساسة من جهة ثانية. أي مبادرة ذكاء اصطناعي داخل بنك—سواء كانت شات بوت لخدمة العملاء، أو أتمتة فتح الحسابات، أو تحسين الحملات التسويقية—قد تبدأ بمشروع صغير “Pilot”، ثم تتعثر عندما تحاول المؤسسة تعميمها.
في هذا المقال ضمن سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان»، سأتعامل مع الموضوع كـ”قصة تحذيرية” عملية: ما الذي يكسر برامج الأتمتة على مستوى المؤسسات؟ وما الذي يجب أن تفعله المصارف والـFintech في لبنان كي تنتقل من التجارب إلى عائد استثمار مستدام وقابل للقياس؟
1) الخطأ الأكبر: الأتمتة كجزر منفصلة بدل منظومة واحدة
الجواب المباشر: عندما تُبنى الأتمتة داخل كل قسم بمعزل عن الآخر، ستنجح مهام صغيرة وتفشل القيمة الكبيرة.
العديد من المؤسسات تبدأ من نقطة منطقية: قسم خدمة العملاء يريد تقليل وقت الرد، قسم الامتثال يريد تسريع التحقق، وقسم العمليات يريد تقليل الإدخال اليدوي. المشكلة؟ نفس الخطوات تتكرر عبر الأقسام—لكن كل قسم “يُؤتمت” بطريقته وأدواته وقواعده. النتيجة: حلول متفرقة، وازدواجية، وتضارب في البيانات، وصعوبة في قياس الأثر الكلي.
في السياق اللبناني، خذ مثالاً شائعاً:
- عميل يرسل مستندات عبر واتساب/إيميل
- موظف يدخل البيانات في نظام داخلي
- فريق الامتثال يعيد طلب معلومات ناقصة
- فريق خدمة العملاء يجيب على استفسارات متكررة حول حالة الطلب
إذا أتمتَ كل خطوة منفصلة، ستخفّف بعض الضغط، لكنك لن تصل إلى تجربة “من طرف لطرف” حيث تتدفق المهمة بوضوح وبنفس قواعد القرار.
ما المقصود بـ«التنسيق Orchestration» عملياً في بنك؟
التنسيق هو إدارة سير العمل عبر المؤسسة بحيث:
- يعرف كل طرف (إنسان/روبوت/وكيل ذكاء اصطناعي) ما الذي يقوم به ومتى
- تُحفظ نقاط التحكم والامتثال في مكان واضح
- تُدار الاستثناءات (Exceptions) بدل أن تتحول إلى فوضى يدوية
جملة تستحق تعليقها على الحائط: «أتمتة مهمة واحدة تحل مشكلة واحدة، لكن تنسيق الأتمتة يحلّ نمطاً كاملاً من المشاكل.»
2) اختيار حالات استخدام “ضعيفة الأثر” يقتل البرنامج مبكراً
الجواب المباشر: إذا بدأتم بحالات استخدام لا تُحرّك مؤشرات مالية أو خدمية واضحة، ستُقص الميزانية قبل أن تكبر المبادرة.
يشير Dines إلى خطأ شائع: اختيار Use Case بعائد مخفف أو غير مستدام. في البنوك تحديداً، كثيراً ما نرى بدايات مثل:
- أتمتة إرسال رسائل داخلية
- استخراج تقارير بسيطة يمكن عملها بأدوات موجودة
- شات بوت يجيب أسئلة عامة دون ربطه بأنظمة الحساب والطلبات
هذه المشاريع “تبدو لطيفة”، لكن يصعب الدفاع عنها عندما يأتي وقت قياس النتائج.
طريقة عملية لاختيار أول 3 حالات استخدام في مصرف لبناني
ابدأوا بما يحقق واحداً (أو أكثر) من التالي خلال 90 يوماً:
- تقليل وقت دورة العملية (TAT) بنسبة واضحة (مثلاً 20–30%)
- رفع نسبة المعالجة من دون تدخل بشري (Straight-Through Processing)
- تقليل أخطاء الإدخال/التسويات بما ينعكس على الشكاوى والخسائر التشغيلية
- تقليل حجم التذاكر المتكررة في خدمة العملاء (Top 10 intents)
أمثلة ذات أثر أعلى عادةً:
- أتمتة معالجة نزاعات البطاقات (Disputes) بفرز ذكي للوثائق وتصنيف الحالات
- أتمتة جزء كبير من
KYCوتجديد بيانات العملاء مع قواعد امتثال واضحة - أتمتة الفواتير والمصادقات الداخلية (Accounts Payable) إذا كانت الأحجام كبيرة
3) الانتقال إلى “وكلاء ذكاء اصطناعي” يرفع المخاطر… ويجعل الحوكمة شرطاً لا خياراً
الجواب المباشر: كلما زادت “ذكاء” الأتمتة، زادت الحاجة إلى حوكمة وضوابط وإدارة مخاطر.
عندما كانت الأتمتة تقليدية (RPA)، كانت الخطوات محددة مسبقاً. أما الآن، مع الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكلاء (Agentic AI)، يمكن للنظام أن “يقرر” ويولّد نصوصاً ويقترح إجراءات. هذا ممتاز لإنتاجية الموظفين، لكنه خطِر في الخدمات المالية إذا لم يكن تحت رقابة.
في لبنان، حيث حساسية البيانات والثقة هي رأس المال الحقيقي، يجب أن تُدار الأسئلة التالية قبل التوسع:
- من يوافق على نشر وكيل AI في رحلة عميل حساسة؟
- كيف نوثق القرارات؟ وكيف نراجعها؟
- ماذا يحدث عندما يلتبس على النموذج مستند أو اسم أو رقم؟
قاعدة عمل واقعية: “الوكيل يقترح… والإنسان يقرّر” في المراحل الأولى
من خبرتي، أفضل تبنٍّ تدريجي يكون هكذا:
- المرحلة 1: الوكيل يقرأ ويصنّف ويُلخص ويملأ مسودة
- المرحلة 2: الوكيل ينفّذ ضمن حدود (Guardrails) وموافقات
- المرحلة 3: تنفيذ شبه كامل مع مراقبة آلية صارمة ومراجعات دورية
هذا يوازن بين السرعة والثقة، خصوصاً في عمليات مثل القروض، النزاعات، والتحقيقات الداخلية.
4) منصة موحّدة و«لوحة تحكم» مركزية: لماذا تهمكم أكثر من الأداة نفسها
الجواب المباشر: ما ينجح على مستوى المؤسسة ليس “بوتات أكثر”، بل إدارة مركزية للتشغيل والحوكمة والقياس.
Dines يتحدث عن نهج المنصة الموحدة بدلاً من نشرات متفرقة. الفكرة ليست اسم المنتج؛ الفكرة هي المبدأ: تحتاجون إلى Control Plane واحد ينسّق بين:
- الموظفين
- روبوتات الأتمتة
- وكلاء الذكاء الاصطناعي
- قواعد الامتثال والموافقات والتدقيق
في البنوك اللبنانية، غياب هذه اللوحة يؤدي إلى:
- صعوبة معرفة “من فعل ماذا؟ ومتى؟”
- تضارب في النسخ (عدة بوتات لنفس العملية)
- انعدام قياس موحد للعائد (ROI)
مثال سريع: لماذا نجحت قصة معالجة الفواتير؟
في المثال الذي ذُكر عن Canon، تم التعامل مع تدفق فواتير كبير (آلاف شهرياً) ونجحوا خلال أقل من 9 أشهر في معالجة نحو 40,000 فاتورة، مع وصول المعالجة دون تدخل بشري إلى نحو 90% بدل هدف 75%.
الدرس للبنان ليس “أتمتوا الفواتير فقط”. الدرس أن العمليات ذات الحجم الكبير والتكرار العالي—إذا صُممت كمسار متكامل—تُظهر نتائج قابلة للقياس بسرعة، وبالتالي تحمي المشروع من مقص الميزانية.
5) ملكية الـCFO للأتمتة: قرار ذكي للبنوك وليس مجرد اتجاه إداري
الجواب المباشر: عندما يقود الـCFO برنامج الأتمتة، يتحول النقاش من “مهام” إلى “نتائج مالية قابلة للقياس”.
أعجبني طرح Dines هنا: المدير المالي بطبيعته ينظر إلى نهاية السلسلة، وليس إلى تحسينات مجزأة. وهذا مناسب جداً للبنوك لأن كثيراً من مكاسب الذكاء الاصطناعي تظهر في:
- تقليل الكلفة التشغيلية
- تخفيض الأخطاء والغرامات ومخاطر الامتثال
- تحسين تحصيل الإيرادات عبر تجربة عميل أسرع (مثلاً تسريع الموافقات)
كيف يترجم ذلك في الذكاء الاصطناعي للتسويق المصرفي؟
إذا تركنا مبادرات “ذكاء اصطناعي للتسويق” بلا إطار مالي، سنحصل على محتوى أكثر… دون أثر. أما إذا كان الـCFO (أو COO) شريكاً، ستُقاس الأمور هكذا:
- تكلفة اكتساب العميل (CAC) قبل/بعد
- معدل التحويل في مسار فتح الحساب أو طلب البطاقة
- خفض حجم المكالمات البشرية عبر قنوات الخدمة
هذا بالضبط ما يحتاجه هدف LEADS: ليست حملات أجمل، بل مسارات أقصر وأوضح وأعلى تحويل.
أسئلة شائعة داخل المصارف اللبنانية (وإجابات مباشرة)
هل نبدأ بـRPA أم بوكلاء ذكاء اصطناعي؟
ابدأوا بالعملية. إن كانت واضحة ومتكررة وبقواعد ثابتة، RPA مناسب. إن كانت تعتمد على قراءة مستندات، تلخيص، أو محادثة، الوكلاء يفيدون—لكن تحت حوكمة.
ما الحد الأدنى من الحوكمة قبل التوسع؟
ثلاثة أشياء لا أتجاوزها:
- سجل تدقيق (Audit trail) لكل قرار وتنفيذ
- سياسة بيانات واضحة (ما يُسمح للنموذج برؤيته وما لا)
- مالك عمل (Business Owner) لكل رحلة مؤتمتة، وليس فقط فريق تقنية
ما أسرع طريقة لإثبات العائد خلال 60–90 يوماً؟
اختاروا مساراً واحداً “مؤلماً” عالي التكرار (نزاعات، KYC، فواتير، طلبات خدمة)، وحددوا 3 مؤشرات: وقت الدورة، نسبة المعالجة دون تدخل، وعدد التذاكر/الأخطاء.
الخطوات التالية: خطة بسيطة من 5 مراحل للتوسع بدون تعثر
الجواب المباشر: التوسع الناجح يحتاج تسلسلاً واضحاً، لا قفزاً عشوائياً بين أفكار كثيرة.
- خريطة عمليات مشتركة بين 3 أقسام على الأقل (عمليات + امتثال + خدمة)
- اختيار 2–3 حالات استخدام عالية الأثر مع أرقام خط أساس (Baseline)
- تصميم طبقة تنسيق: من ينفّذ؟ من يراجع؟ كيف تُدار الاستثناءات؟
- حوكمة وقياس: تقارير أسبوعية للعائد، الأخطاء، ونقاط المخاطر
- التوسع بالنمط: عندما تنجح رحلة، انسخوها كنموذج لرحلات مشابهة بدل البدء من الصفر
القطاع المصرفي في لبنان لا يحتاج مزيداً من التجارب الصغيرة التي تتوقف عند عرض تقديمي. يحتاج برامج أتمتة وذكاء اصطناعي تُدار كمنتج مؤسسي: منسّق، قابل للتدقيق، ومربوط بعائد واضح.
إذا كنتم تعملون على الذكاء الاصطناعي في البنوك أو شركة Fintech لبنانية، اسألوا أنفسكم سؤالاً واحداً قبل أي مشروع جديد: هل نُؤتمت مهمة… أم نبني منظومة تنسيق تُنتج عائداً مستداماً؟