خبر تعيين “رئيس الجاهزية” في OpenAI يرسل رسالة للبنوك اللبنانية: إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي أصبحت ضرورة تشغيلية. تعرّف على خطة 30-60-90 يومًا للحوكمة.
جاهزية الذكاء الاصطناعي: ما الذي تحتاجه بنوك لبنان الآن؟
قبل أيام، انتشر خبر بسيط لكنه ثقيل المعنى: شركة OpenAI تبحث عن “رئيس/ة للجاهزية”—منصب تنفيذي تتمحور مهمته حول دراسة المخاطر الناشئة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من الأمن السيبراني وصولًا إلى الصحة النفسية. خبر توظيف؟ نعم. لكنه أيضًا إشارة واضحة: الشركات الأكثر تقدّمًا في الذكاء الاصطناعي باتت تعتبر إدارة المخاطر جزءًا من المنتج نفسه، وليست ملحقًا قانونيًا أو تمرين امتثال.
في لبنان، حيث يتحرّك قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية تحت ضغط مزدوج—أزمة ثقة من جهة، وتسارع رقمي عالمي من جهة أخرى—فكرة “الجاهزية للذكاء الاصطناعي” ليست ترفًا. الواقع أن إدخال الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء، مكافحة الاحتيال، التسويق، أو الائتمان سيؤثر مباشرة على سمعة المصرف، سلامة بيانات العملاء، والالتزام التنظيمي.
هذه المقالة جزء من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان». وسنأخذ من خبر OpenAI نقطة انطلاق لنجيب عمليًا: كيف يبدو دور “الجاهزية” داخل بنك أو شركة فينتك لبنانية؟ وما الذي يجب أن يقرره مجلس الإدارة قبل أن تُقرره خوارزمية بالنيابة عنه؟
لماذا باتت “جاهزية الذكاء الاصطناعي” وظيفة وليست مشروعًا؟
الجواب المباشر: لأن مخاطر الذكاء الاصطناعي متغيّرة وسريعة، ولأن قرارات النماذج تؤثر على الناس والمال والسمعة في وقت واحد.
في البنوك تحديدًا، أي نظام ذكي لا يبقى محصورًا في “تحسين تجربة المستخدم”. هو يلمس:
- قرارات حساسة: هل يحصل عميل على بطاقة؟ هل تُجمّد عملية؟ هل تُرفض معاملة؟
- بيانات شديدة الحساسية: هوية، دخل، تحويلات، سلوك إنفاق.
- سلاسل طرف ثالث: مزوّد نموذج، مزوّد سحابة، أدوات مراقبة.
وهنا الفكرة التي غالبًا تُفهم متأخرًا: الذكاء الاصطناعي يُدخل نوعًا جديدًا من المخاطر التشغيلية. ليست مثل تعطل نظام مصرفي تقليدي يمكن تشخيصه بسهولة. أحيانًا النموذج “يعمل”، لكنه يخطئ بثقة، أو ينحاز، أو يتسبب بتسريب غير مقصود.
جملة قابلة للاقتباس: في البنوك، خطأ الذكاء الاصطناعي ليس “Bug”… بل قرار مالي خاطئ قد يتحوّل إلى أزمة ثقة.
ما الذي تعنيه خطوة OpenAI للبنوك اللبنانية؟
حين شركة عالمية في قلب صناعة النماذج تُنشئ قيادة مخصّصة لـ“المخاطر الناشئة”، فهي تقول ضمنيًا: الجاهزية ليست مهمة فريق الامتثال وحده. هي تقاطع بين التكنولوجيا، المخاطر، الأمن، القانون، والموارد البشرية.
والأهم: هذا النوع من الأدوار يساعد المؤسسة على الانتقال من منطق “ردّة الفعل بعد المشكلة” إلى منطق “التنبؤ بالمشكلة قبل أن تصبح عنوانًا”.
ما هي مخاطر الذكاء الاصطناعي الأكثر واقعية في البنوك والفينتك بلبنان؟
الجواب المباشر: أكبر المخاطر ليست خيالية—هي مخاطر يومية تُضخَّم بالذكاء الاصطناعي إذا لم تُدار جيدًا.
1) الأمن السيبراني: ذكاء اصطناعي يسرّع الهجوم والدفاع
المهاجمون يستخدمون الذكاء الاصطناعي لصناعة رسائل تصيّد أكثر إقناعًا، وانتحال موظفين، وحتى أتمتة التجربة والخطأ لاكتشاف ثغرات. في المقابل، يمكن للبنوك استخدامه لتحسين اكتشاف الشذوذ ومراقبة الأنماط.
المشكلة تبدأ حين تُدخل المؤسسة أدوات ذكاء اصطناعي دون حوكمة: موظف يرفع ملفًّا يحتوي بيانات عملاء إلى أداة خارجية “للتحليل”؛ أو روبوت محادثة داخلي يتعامل مع وثائق حساسة بلا ضوابط؛ أو تكامل API غير محمي.
سياسة واحدة تُحدث فرقًا: منع إدخال البيانات الحساسة في أدوات غير معتمدة، مع بدائل داخلية آمنة.
2) المخاطر التنظيمية والخصوصية: البيانات هي الوقود… والعبء
في لبنان، حساسية البيانات المصرفية عالية بحكم الواقع والسمعة، حتى حين تتغيّر التفاصيل القانونية. إدخال الذكاء الاصطناعي يعني طرح أسئلة قاسية:
- أين تُخزَّن البيانات؟
- من يراها؟
- هل تُستخدم لتدريب نموذج؟
- ما “الحد الأدنى” المطلوب من البيانات لتحقيق الهدف؟
قاعدة عملية: إذا كان مشروع الذكاء الاصطناعي لا يملك خريطة بيانات واضحة (Data Map) من اليوم الأول، فهو مشروع عالي المخاطر مهما بدا “مفيدًا”.
3) الانحياز والعدالة في قرارات الائتمان والامتثال
نموذج يصنّف العملاء أو المعاملات قد يلتقط أنماطًا تاريخية غير عادلة. والأسوأ: قد يخلق قواعد ضمنية لا يستطيع فريق العمل تفسيرها. في الائتمان، هذا يعني رفضًا غير مبرر. وفي مكافحة غسل الأموال، يعني إشارات كاذبة تُغرق الفريق أو تُزعج العملاء.
ما الذي أفضّله شخصيًا؟ أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في مجالات مساندة القرار قبل صنع القرار، مع مسار تصعيد واضح للإنسان.
4) مخاطر السمعة: تجربة العميل قد تنهار في رسالة واحدة
روبوت محادثة يرد بجملة خاطئة، أو يقدّم نصيحة مالية غير دقيقة، أو يستخدم نبرة غير مناسبة—كل هذا قد يتحول إلى لقطة شاشة تنتشر. في بلد مثل لبنان، حيث الثقة أصلاً حسّاسة، سمعة البنك تُقاس بسرعة انتشار الخطأ.
كيف يبدو “رئيس الجاهزية للذكاء الاصطناعي” داخل بنك أو فينتك؟
الجواب المباشر: هو/هي قائد يملك تفويضًا لتنسيق المخاطر قبل الإطلاق، وليس موظفًا يوقّع بعد التنفيذ.
ليس ضروريًا أن يحمل المسمّى نفسه، لكن الوظيفة يجب أن تكون موجودة. قد تكون “مسؤول حوكمة الذكاء الاصطناعي” أو “AI Risk Lead”. المهم أن تتضمن مهامه:
- إطار حوكمة واضح: من يوافق؟ من يراقب؟ من يوقف النظام عند الخطر؟
- تصنيف حالات الاستخدام حسب الحساسية (منخفض/متوسط/عالٍ).
- تقييم نموذج ومزوّد: ما حدود النموذج؟ ما بيانات التدريب؟ كيف نتعامل مع الأعطال؟
- اختبارات قبل الإطلاق وبعده: أداء، انحياز، مقاومة للهجمات (Prompt Injection)، استقرار.
- خطط استجابة للحوادث: ماذا نفعل عند تسريب، أو هلوسة خطيرة، أو قرار خاطئ؟
“لوحة قيادة” بسيطة تساعد الإدارة
أقترح على أي بنك أو فينتك إعداد لوحة شهرية من 8 مؤشرات فقط، مثل:
- عدد حالات الاستخدام في الإنتاج
- نسبة القرارات التي تتطلب موافقة بشرية
- عدد حوادث الخصوصية أو شبه الحوادث
- معدل الشكاوى المتعلقة بتجربة الذكاء الاصطناعي
- معدل الإشارات الكاذبة في مكافحة الاحتيال/AML
- وقت الاستجابة للحادث
- نتائج اختبار الانحياز (قبل/بعد)
- نسبة الأدوات المعتمدة مقابل غير المعتمدة داخل المؤسسة
جملة قابلة للاقتباس: ما لا يُقاس في الذكاء الاصطناعي، سيُدار بالحدس… والحدس لا يصلح كسياسة مصرفية.
خطة عملية من 30-60-90 يومًا للبنوك والفينتك في لبنان
الجواب المباشر: بدل “مشروع كبير”، ابدأوا بنظام جاهزية تدريجي يخفّض المخاطر ويزيد سرعة التنفيذ.
خلال 30 يومًا: تثبيت الأساس
- تشكيل لجنة مصغّرة: المخاطر + الأمن السيبراني + الامتثال + التقنية + ممثل عن الأعمال.
- حصر جميع استخدامات الذكاء الاصطناعي الحالية (حتى لو كانت “شخصية” داخل الأقسام).
- وضع سياسة سريعة: أدوات مسموحة/غير مسموحة، وتعريف “بيانات حساسة”.
- اختيار 1-2 حالات استخدام منخفضة المخاطر للتجربة (مثل تلخيص مكالمات خدمة العملاء داخليًا دون بيانات تعريفية).
خلال 60 يومًا: حوكمة وتشغيل
- إعداد سجل نماذج (Model Registry): ما النموذج؟ ما نسخته؟ من يملك القرار؟
- بناء قوالب تقييم: خصوصية، أمن، انحياز، قابلية تفسير، أثر على العميل.
- تصميم آلية Human-in-the-loop في أي قرار مالي أو امتثال.
- تدريب فرق خدمة العملاء والتسويق على حدود الأدوات (متى نثق ومتى نتحقق).
خلال 90 يومًا: مراقبة وتوسّع مسؤول
- تفعيل مراقبة مستمرة: جودة الإجابات، الانحراف (Drift)، الحوادث.
- إطلاق حالة استخدام متوسطة المخاطر بعد اختبارها (مثل مساعد موظف الامتثال في تلخيص ملفات التحقيق، لا اتخاذ القرار).
- اختبار ضغط لمحاكاة الهجمات: حقن الأوامر، تسريب سياق، مطالبات تحايلية.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون في لبنان (وإجابات صريحة)
هل الذكاء الاصطناعي يزيد المخاطر أم يقللها؟
يقللها عندما يُستخدم لمراقبة الشذوذ وتحسين الاستجابة. ويزيدها عندما يُطلق دون ضوابط أو ببيانات غير مضبوطة. الفارق ليس في التقنية، بل في الحوكمة.
هل نحتاج بناء نموذج خاص بنا؟
غالبًا لا كبداية. ما تحتاجه أولًا هو تصميم صحيح للحالة: ما البيانات التي نسمح بها؟ ما الذي يُمنع؟ كيف نختبر؟ كيف نراقب؟ كثير من المؤسسات تفشل لأنها تبدأ من السؤال الخطأ.
ما أسرع مكسب آمن؟
تحسين إنتاجية الفرق الداخلية: تلخيص محاضر، تصنيف بريد داخلي، اقتراح مسودات ردود—مع إزالة بيانات التعريف وتفعيل الضوابط. هذه مكاسب تقلل الكلفة دون تعريض العملاء مباشرة.
الجاهزية ليست “فرامل”… هي طريقة أسرع للانطلاق بثقة
خبر بحث OpenAI عن رئيس للجاهزية يفضح خرافة منتشرة: أن الاهتمام بالمخاطر يبطّئ الابتكار. العكس هو الصحيح في البنوك. الجاهزية الجيدة تقلل التردد لأنها تجعل القرار محسوبًا: ماذا نطلق، متى، وبأي حدود.
إذا كنت تعمل في بنك أو شركة فينتك في لبنان، فالسؤال العملي ليس: هل نعتمد الذكاء الاصطناعي؟ بل: من يملك مسؤولية جاهزية الذكاء الاصطناعي لدينا، وكيف نثبت ذلك بقياسات وسياسات؟
خطوة واحدة تبدأ بها هذا الأسبوع: اختر حالة استخدام واحدة، وارسم لها “خريطة مخاطر” من صفحة واحدة—بياناتها، مستخدموها، أسوأ سيناريو، وخطة إيقاف.
إلى أين سيصل الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية اللبنانية خلال 2026؟ الجواب سيتحدد ليس فقط بمن يطلق أسرع، بل بمن يطلق بثقة ومسؤولية—ومن يملك قيادة واضحة للجاهزية قبل أن تصبح الأخطاء مكلفة.