دليل عملي لتفادي فشل الأتمتة والذكاء الاصطناعي في البنوك اللبنانية عبر الأوركسترا والحوكمة واختيار حالات استخدام عالية الأثر.

أتمتة البنوك في لبنان: لماذا تفشل المشاريع وكيف تنجح
في 27/12/2025، خرج مدير تنفيذي عالمي في مجال الأتمتة برسالة بسيطة لكنها قاسية: المشكلة نادرًا ما تكون في التكنولوجيا نفسها. ما يكسر برامج الأتمتة في الشركات هو طريقة التفكير: مشاريع معزولة، حوكمة ضعيفة، واختيار حالات استخدام “لطيفة” لكن أثرها المالي محدود.
هذا الكلام يلامس البنوك وشركات التكنولوجيا المالية في لبنان بشكل مباشر. كثير من المؤسسات بدأت بتجارب صغيرة: روبوت ينسخ بيانات، نموذج ذكاء اصطناعي يرد على الاستفسارات، أو أداة تلخص رسائل البريد. التجارب تنجح… ثم تتوقف. الميزانيات تُسأل: “أين العائد؟” والفرق الداخلية تقول: “نحتاج وقتًا.” والعميل في النهاية لا يشعر بتغيير حقيقي.
هذه المقالة جزء من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان»، وهدفها عملي: توضيح ما الذي يطيح ببرامج الأتمتة والذكاء الاصطناعي في المؤسسات المالية، وكيف تُبنى خارطة طريق قابلة للتوسّع، تُحسّن تجربة العميل وتخدم الامتثال، وتخلق نتائج يمكن الدفاع عنها أمام الإدارة ومجلس الإدارة.
1) الخلل الأول: الأتمتة كجزر منفصلة بدل “أوركسترا” واحدة
الجواب المباشر: عندما تُدار الأتمتة كحلول نقطية داخل كل قسم، تتحول بسرعة إلى فوضى مكلفة. قسم العمليات يبني شيئًا، وخدمة العملاء تبني شيئًا آخر، والامتثال يطلب استثناءات، والنتيجة: أدوات متعددة، معايير مختلفة، وقياس أثر غير موحّد.
في البنوك اللبنانية تحديدًا، تتضاعف المشكلة بسبب تداخل الإجراءات بين الأقسام. طلب قرض مثلًا ليس “عملية قسم واحد”:
- خدمة العملاء تجمع البيانات
- الامتثال يتحقق من
KYCوAML - الائتمان يقيّم المخاطر
- العمليات تُنفّذ وتُفعّل
- الشكاوى والتسويات قد تتدخل لاحقًا
إذا أتمتَّ جزءًا واحدًا فقط (مثل إدخال البيانات)، ستوفّر وقتًا محليًا، لكنك لن تغيّر زمن الإنجاز الكلي ولا تجربة العميل. الأوركسترا (Orchestration) تعني تنسيق العمل بين البشر والروبوتات ووكلاء الذكاء الاصطناعي ضمن تدفق واحد “من طرف لطرف” مع نقطة تحكم مركزية.
ما الذي تعنيه “الأوركسترا” في بنك لبناني؟
فكرتها ليست رفاهية تقنية، بل انضباط تشغيلي:
- خارطة عمليات موحّدة: تعريف واضح لمسار العميل (قرض/نزاع/فتح حساب/بطاقة/تحويل).
- توزيع العمل حسب الأفضلية:
- البشر للقرارات الحساسة والاستثناءات
- الروبوتات للمهام المتكررة (نسخ، تحقق شكلي، مطابقة)
- وكلاء الذكاء الاصطناعي للمحادثة، التصنيف، التلخيص، واستخراج المعنى
- نقطة تحكم واحدة: مراقبة الأداء، السجلات، الاعتمادات، والتحكم بالنسخ والتغييرات.
عبارة تصلح كقاعدة ذهبية: إذا لم تستطع قياس العملية كمسار واحد، فلن تستطيع تحسينها كمسار واحد.
2) الخلل الثاني: اختيار حالات استخدام “ضعيفة الأثر” فتذوب قيمة الاستثمار
الجواب المباشر: أكثر ما يقتل الأتمتة هو البدء بحالات استخدام لا تُحدث فرقًا ماليًا أو تشغيليًا محسوسًا. عندما يكون العائد “مخففًا” أو غير مستدام، تصبح المشاريع أول ضحية عند أول مراجعة للميزانية.
في عالم البنوك والتكنولوجيا المالية، حالات الاستخدام القوية ليست تلك التي تُعجب الفريق التقني، بل التي تضرب في ثلاثة أماكن: الوقت + المخاطر + رضا العميل.
أمثلة عملية عالية الأثر (ملائمة للبنان)
- أتمتة معالجة النزاعات على البطاقات (Disputes): تصنيف الشكوى، جمع المستندات، التحقق من قواعد الاسترجاع، تجهيز ملف الامتثال، وإغلاق الحلقة مع العميل برسائل واضحة.
- القروض الصغيرة والمتوسطة: استخراج البيانات من مستندات الدخل، مطابقة الأرقام، توليد ملخص ائتماني، وتوجيه الحالات الاستثنائية لموظف مختص.
- الامتثال وتشغيل
KYC: كشف النواقص في الملفات، مطابقة الأسماء، تلخيص مصادر الأموال، وإنشاء سجل تدقيق قابل للمراجعة. - التحصيل (Collections): تقسيم العملاء حسب السلوك، إنشاء سيناريوهات تواصل، وتوجيه الحالات الحساسة لوكلاء بشريين.
المعيار الذي أستخدمه عادةً مع الفرق: إذا لم تؤثر حالة الاستخدام على واحدة من “مدة الإنجاز، معدل الأخطاء، أو تكلفة الامتثال”، فغالبًا ليست البداية الصحيحة.
3) من RPA إلى Agentic AI: التعقيد يزيد… والحاجة للحوكمة تصبح غير قابلة للتفاوض
الجواب المباشر: كلما دخلنا مرحلة “وكلاء الذكاء الاصطناعي” بدل الأتمتة التقليدية فقط، تصبح الحوكمة شرطًا أساسيًا لا خيارًا.
الفرق بينهما بسيط في الفكرة وخطير في التطبيق:
RPAيطبق خطوات محددة على واجهات وأنظمة.- Agentic AI يتخذ “قرارات تشغيلية” ضمن حدود: يختار أداة، يقرأ مستندًا، يلخص، يقترح مسارًا، ويتفاعل مع بيانات قد تكون حساسة.
في القطاع المصرفي اللبناني، هذا يعني أن أي نشر غير مضبوط لوكيل ذكاء اصطناعي قد يؤدي إلى:
- أخطاء امتثال (
AML/KYC) - انحراف في القرار الائتماني
- تسريب بيانات أو استخدام غير مصرح به
- “هلوسة” في الردود وخسارة ثقة العميل
نموذج حوكمة عملي: 6 ضوابط لا أتنازل عنها
- سياسة بيانات واضحة: ما الذي يُسمح للذكاء الاصطناعي بقراءته؟ وما الذي يُمنع؟
- سجل تدقيق (Audit Trail): من فعل ماذا؟ ومتى؟ ولماذا؟
- موافقة بشرية للقرارات الحساسة: خاصة الائتمان، الامتثال، وإغلاق النزاعات.
- اختبارات جودة مستمرة: دقة الاستخراج، اتساق الردود، ومعدلات الخطأ.
- إدارة تغييرات مركزية: لا تحديثات “من تحت الطاولة” على نماذج أو تدفقات.
- ضوابط الانحياز والإنصاف: حتى لو كان النموذج “مساعدًا”، تأثيره على القرارات حقيقي.
هذه الضوابط ليست تعقيدًا زائدًا. في البنوك، الحوكمة هي ما يحوّل الذكاء الاصطناعي من تجربة إلى أصل تشغيلي.
4) لماذا يبدأ النجاح غالبًا من المالية (CFO)؟ درس مهم للبنوك
الجواب المباشر: لأن قائد المالية يفكر بالنتيجة من طرف لطرف وبالعائد القابل للقياس، لا بالمهمة المعزولة. هذا يغيّر طريقة اختيار الحالات، وطريقة التمويل، وطريقة الدفاع عن المشروع.
في تجربة عالمية لافتة، شركة كبيرة واجهت تدفقًا يقارب 5,000 فاتورة مورد شهريًا، كثير منها ورقي ومعقّد (تواريخ، أرقام تسلسلية، قراءات، رسوم متغيرة). خلال أقل من 9 أشهر، تمت معالجة حوالي 40,000 فاتورة بمعدل قرابة 4,500 شهريًا، مع وصول المعالجة دون تدخل بشري إلى نحو 90% بعد أن كان الهدف 75%.
المغزى للبنان ليس “الفواتير” تحديدًا، بل النمط:
- حجم كبير
- تكرار عالي
- تعقيد مستندي
- تكلفة بشرية “مخفية”
في البنوك اللبنانية، نفس النمط يظهر في: ملفات فتح الحساب، طلبات القروض، التسويات، النزاعات، والتقارير التنظيمية. عندما تتبنى المالية أو العمليات هذا المنطق، يصبح السؤال: كم دقيقة وفّرنا لكل معاملة؟ كم خطأ قللنا؟ ما أثر ذلك على زمن الخدمة وعلى الامتثال؟
مقياسان يساعدانك على إقناع الإدارة بسرعة
- Straight-Through Processing (STP): نسبة المعاملات التي تمر دون تدخل بشري.
- زمن الدورة (Cycle Time): من “طلب العميل” إلى “إنهاء الخدمة”.
إذا رفعت STP في عملية فتح حساب من 30% إلى 70% وخفّضت زمن الدورة من 3 أيام إلى يوم واحد، فهذه لغة يفهمها الجميع: العميل، الإدارة، والرقابة.
5) خارطة طريق 90 يومًا للبنوك والفينتك في لبنان (واقعية وليست مثالية)
الجواب المباشر: ابدأ صغيرًا، لكن صمّم من اليوم الأول للتوسّع. هذا هو الفارق بين “طيّار جميل” وبرنامج مؤسسي.
الأيام 1–15: تحديد مسار واحد “من طرف لطرف”
- اختر عملية واحدة عالية الأثر: نزاعات البطاقات، فتح حساب، أو قروض شخصية.
- ارسم مسارًا واضحًا مع نقاط القرار والاستثناء.
- حدّد خط أساس: زمن الدورة، عدد الأخطاء، تكلفة المعالجة، ورضا العميل.
الأيام 16–45: بناء الأوركسترا والحوكمة قبل التوسع
- أنشئ فريقًا صغيرًا متعدد الاختصاصات: عمليات + امتثال + تقنية + تجربة عميل.
- ضع ضوابط البيانات وسجل التدقيق.
- نفّذ “مركز تحكم” لمراقبة الأداء والأعطال.
الأيام 46–90: إطلاق نسخة إنتاجية قابلة للقياس
- اجعل الذكاء الاصطناعي يقوم بالتلخيص/التصنيف/الاستخراج.
- اجعل الروبوتات تنفّذ الإجراءات المتكررة.
- اجعل الإنسان يوافق على الحالات الحساسة.
- راقب 4 مؤشرات أسبوعيًا:
STP- زمن الدورة
- معدل الأخطاء/الإرجاع
- زمن الاستجابة للعميل
رأيي بصراحة: البنك الذي لا يربط الأتمتة بتجربة العميل سيحقق وفورات قصيرة… ثم يخسر في المنافسة.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون في لبنان (وأجوبتي المختصرة)
هل نبدأ بخدمة العملاء أم بالعمليات الخلفية؟
ابدأ حيث يمكن القياس بسرعة وبأثر واضح. غالبًا العمليات الخلفية تعطي عائدًا أسرع، ثم تُترجم إلى تجربة عميل أفضل.
هل “وكلاء الذكاء الاصطناعي” آمنون للاستخدام المصرفي؟
نعم بشرط الحوكمة: حدود بيانات، موافقات بشرية، وسجلات تدقيق. بدون ذلك، المخاطر أعلى من الفائدة.
ما الذي يضمن الاستمرارية بعد نجاح التجربة الأولى؟
وجود أوركسترا مركزية، وملكية تنفيذية واضحة، ومؤشرات أداء مرتبطة بالميزانية والامتثال.
الخطوة التالية: أتمتة تُقاس وتُدار… لا “تجارب” تتبخر
إذا كان الهدف من الذكاء الاصطناعي في البنوك وشركات الفينتك في لبنان هو زيادة الثقة وتحسين الخدمة وخفض كلفة التشغيل، فالطريق واضح: أوركسترا + حالات استخدام عالية الأثر + حوكمة صارمة. التكنولوجيا تساعد، لكنها لا تُنقذ برنامجًا مُصممًا كجزر منفصلة.
أنا مع الأتمتة بقوة، لكن بشروطها. ابدأ بعملية واحدة تؤلم فعلاً، ضع ضوابط منذ اليوم الأول، واطلب من فريقك أرقامًا أسبوعية لا انطباعات. عندها ستجد أن التوسع ليس “قرارًا شجاعًا”، بل نتيجة طبيعية.
ما العملية الواحدة في مؤسستك التي لو خفّضت زمنها للنصف خلال 90 يومًا ستُغيّر رأي الإدارة بالكامل؟