كيف تستفيد بنوك لبنان من الذكاء الاصطناعي لتحويل الاستدامة إلى منتجات تمويل أخضر قابلة للقياس تجذب عملاء وتخفض المخاطر.

الذكاء الاصطناعي يدفع التمويل الأخضر في بنوك لبنان
في 27/12/2025، أعلنت قائمة تضم 22 شركة ناشئة في التكنولوجيا النظيفة والطاقة تم اختيارها ضمن Startup Battlefield 200. هذا النوع من القوائم لا يهمّ روّاد الطاقة فقط؛ هو مرآة واضحة لاتجاه عالمي: الاستدامة أصبحت منتجاً قابلاً للقياس والتمويل، والذكاء الاصطناعي هو المحرّك الذي يجعل ذلك ممكناً بسرعة وتكلفة أقل.
في لبنان، الفكرة ليست “كيف نلحق بالركب؟” بل “كيف نحول ضغط الواقع إلى فرصة؟”. أزمة الطاقة، كلفة التشغيل، ومتطلبات الامتثال والشفافية… كلها تجعل القطاع المصرفي وشركات التكنولوجيا المالية أمام خيارين: إمّا الاكتفاء برقمنة الخدمات التقليدية، أو بناء بنوك رقمية أكثر ذكاءً تربط التمويل بالنتائج البيئية الفعلية. وأنا أميل للخيار الثاني، لأنه الوحيد الذي يخلق نموّاً حقيقياً ويجذب ودائع وشراكات جديدة.
ما الذي تعلّمنا إياه شركات التكنولوجيا النظيفة عن المال؟
الجواب المباشر: كل ابتكار “نظيف” ناجح يبدأ بقياس أفضل، ثم قرار أسرع، ثم تمويل أذكى. وهذا بالضبط ما يحتاجه التمويل في لبنان.
شركات القائمة العالمية تُظهر نمطين يتكرران:
- الأتمتة + البيانات: مثل منصات محاسبة الكربون التي تجمع البيانات تلقائياً وتُخرج تقارير جاهزة.
- الذكاء الاصطناعي كطبقة تشغيل: ليس إضافة تجميلية، بل قلب المنتج (مستشعرات ذكية، تنبؤ بالطلب، اكتشاف مواد جديدة…).
هذه الدروس قابلة للنقل إلى المصارف والـFintech اللبنانية عبر مفهوم واحد: التمويل القائم على القياس (Measurement-Based Finance). أي أن القرض، التسعير، أو الحوافز ترتبط بمؤشرات واضحة: استهلاك كهرباء أقل، انبعاثات أقل، فاقد طاقة أقل، أو كفاءة تشغيل أعلى.
من الطاقة إلى المصارف: أين يدخل الذكاء الاصطناعي عملياً؟
الجواب المباشر: يدخل في ثلاث نقاط تمسّ الربح والمخاطر والامتثال في وقت واحد: التنبؤ، التحقق، والتسعير.
1) التنبؤ بالطلب والقدرة: نفس منطق “سوق الطاقة الفائضة” لكن للسيولة
إحدى الأفكار اللافتة في شركات الطاقة هي بناء أسواق لتبادل الطاقة الفائضة بين المؤسسات، مع تنبؤات دقيقة للاحتياجات. ترجمتها مصرفياً في لبنان بسيطة:
- لدى الشركات مواسم ضغط على السيولة (رواتب، استيراد، ضرائب).
- ولدى المصارف مخاطر فجوة في السيولة وكلفة تمويل مرتفعة.
باستخدام نماذج ذكاء اصطناعي تتنبأ بالتدفقات النقدية (Cashflow Forecasting) من بيانات المعاملات، يمكن للبنك أن:
- يقدّم حدود ائتمان ديناميكية تتغير حسب سلوك العميل.
- يقلّل حالات التعثر عبر إنذار مبكر قبل 30–90 يوماً.
- يحوّل التمويل القصير الأجل إلى منتج أكثر عدلاً وأقل مخاطرة.
جملة قابلة للاقتباس: التنبؤ الجيد يسبق الائتمان الجيد.
2) محاسبة الكربون وESG: فرصة Lead Generation مش “تقرير سنوي”
بعض الشركات في القائمة تقدم منصات محاسبة كربون تقوم بجمع البيانات تلقائياً وتوليد التقارير، وأحياناً تتبع اعتمادات الكربون بسجل غير قابل للتلاعب.
في لبنان، بنوك كثيرة تتعامل مع ESG كمتطلب علاقات مراسلة أو تدقيق. الأفضل؟ تحويله إلى قناة جذب عملاء:
- قدّم للشركات المتوسطة أداة داخل تطبيق البنك لقياس بصمتها التشغيلية (كهرباء، مولدات، نقل، فواتير)
- اربط ذلك بعروض: قرض كفاءة طاقة، أو تمويل ألواح شمسية، أو استبدال معدات كثيفة الاستهلاك.
الأثر التسويقي هنا قوي: بدل حملة عامة عن “الاستدامة”، يصبح لديك خدمة ملموسة تُنتج بيانات، وهذه البيانات تُنتج صفقات.
3) التحقق الآلي من “الأثر”: لا تمويل أخضر بلا إثبات
مشكلتنا في التمويل الأخضر عادة ليست النية، بل الإثبات: هل المشروع خفّض الاستهلاك فعلاً؟ هل تم تركيب المعدّات؟ هل تعمل كما وُعد؟
هنا يتفوق الذكاء الاصطناعي عبر:
- تحليل فواتير الكهرباء والديزل قبل/بعد (OCR + نماذج كشف الشذوذ)
- قراءة بيانات حساسات بسيطة في المباني أو المصانع
- ربط ذلك بعقود تمويل فيها حوافز: تخفيض فائدة عند تحقيق وفورات محددة
هذا يخلق نموذجاً واضحاً: قرض مرتبط بالأداء (Performance-Linked Loan)، وهو أكثر إقناعاً للمنظمين والشركاء الدوليين.
5 نماذج أعمال يمكن للبنوك والـFintech في لبنان تبنيها الآن
الجواب المباشر: ركّزوا على منتجات صغيرة قابلة للتوسع، مبنية على بيانات، وتخدم واقع الطاقة في لبنان.
1) تمويل كفاءة الطاقة للمباني التجارية الصغيرة
هناك شركات عالمية تطوّر حساسات ذكاء اصطناعي لتحسين كفاءة الطاقة في المباني. لبنان مليء بمبانٍ صغيرة ومتوسطة لا تملك ميزانيات أنظمة إدارة طاقة ضخمة.
منتج لبناني عملي:
- باقة تمويل + حساسات منخفضة الكلفة + لوحة تحكم داخل تطبيق
- شرط التمويل: مشاركة بيانات الاستهلاك لمدة 6 أشهر
- الحافز: تخفيض هامش الفائدة إذا انخفض الاستهلاك بنسبة متفق عليها
2) قروض “استبدال بطاريات/UPS” مع تقييم مخاطر مبني على البيانات
ابتكارات إعادة تدوير البطاريات واسترجاع المعادن تُظهر أن سلسلة البطاريات أصبحت صناعة قائمة. لبنان يعتمد على UPS وبطاريات بشكل واسع.
البنك يمكنه تمويل الاستبدال لكن بطريقة أذكى:
- نموذج يقيّم جودة الموردين، ضماناتهم، وتاريخ الأعطال
- تسعير مختلف حسب المخاطر الفنية، وليس فقط المخاطر المالية
3) تمويل الماء والصحة البيئية للشركات الغذائية والفنادق
ابتكارات تنقية المياه واختبارها “شبه الفوري” تعكس حاجة عالمية لبيانات جودة الماء. في لبنان، هذا حساس لقطاع الضيافة والصناعات الغذائية.
الـFintech تستطيع تقديم:
- تمويل معدات تنقية + برنامج صيانة
- رفع تقارير امتثال دورية (جودة المياه) كميزة تنافسية للعميل
4) روبوتات وفرز نفايات… ولكن كتمويل معدات مع تحليلات ESG
حلول فرز النفايات بالذكاء الاصطناعي تُنتج قيمة مزدوجة: تشغيلية + بيانات. البنك هنا ليس مضطراً لامتلاك الروبوت؛ يكفيه تمويله وربط البيانات بالتقارير.
- تمويل للمطارات/المجمعات/الجامعات
- لوحة مؤشرات تُظهر نسبة إعادة التدوير شهرياً
- إدراج النتائج ضمن تقارير الاستدامة للشركة
5) “بطاقة/محفظة خضراء” للأفراد مرتبطة بعادات الاستهلاك
هذا ليس وعظاً. هو تصميم حوافز:
- استرداد نقدي أعلى لمشتريات مرتبطة بالنقل المشترك، صيانة السيارة، أو معدات توفير الطاقة
- تصنيف إنفاق يعطي المستخدم “نقاط كفاءة” بدل شعارات عامة
كيف تبدأ مؤسسة مالية لبنانية بدون مشروع ضخم؟ خطة 90 يوماً
الجواب المباشر: ابدأ بمنتج واحد، بيانات واحدة، وشريحة واحدة. ثم وسّع.
الأسبوع 1–2: تحديد حالة استخدام مربحة
اختر شيئاً يحقق أحد هذه الأهداف بسرعة:
- تقليل مخاطر التعثر
- زيادة عمولة/قروض جديدة
- تحسين الامتثال والتقارير
أفضل رهان في لبنان الآن: تمويل كفاءة الطاقة للشركات المتوسطة.
الأسبوع 3–6: بناء طبقة بيانات قابلة للتدقيق
- مصادر البيانات: فواتير، معاملات، حساسات بسيطة، تقارير صيانة
- مخرجات إلزامية: لوحة مؤشرات + تقرير PDF شهري
- قواعد واضحة للخصوصية والموافقة
الأسبوع 7–10: نموذج ذكاء اصطناعي “بسيط لكن مفيد”
لا تبدأ بنموذج معقد. ابدأ بـ:
- تنبؤ استهلاك/تدفق نقدي
- كشف شذوذ (ارتفاع غير منطقي في الاستهلاك)
- تصنيف العملاء لاقتراح منتج مناسب
الأسبوع 11–13: إطلاق تجريبي وقياس نتائج رقمية
حدّد 3 مؤشرات أداء من البداية:
- نسبة تحويل العملاء (Lead-to-Deal)
- معدل التعثر/التأخر مقارنة بمجموعة ضابطة
- وفورات الطاقة المحققة (kWh أو كلفة)
جملة قابلة للاقتباس: إذا لم تستطع قياس الأثر، لن تستطيع تسعير التمويل.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون في لبنان (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي مناسب إذا كانت البيانات ناقصة؟
نعم، بشرط أن تبني المنتج حول بيانات متاحة فعلاً: فواتير، معاملات، وقراءات بسيطة. الكمال هنا يقتل السرعة.
هل التمويل الأخضر مجرد “ترند”؟
لا. هو يتحول إلى لغة مشتركة بين المصارف والشركاء والمستثمرين. ومن لا يتقن هذه اللغة سيُستبعد من فرص تمويل وشراكات.
ما أكبر خطر؟
أكبر خطر هو “غسل الاستدامة” بلا إثبات. الحل: التحقق الآلي والشفافية في المعايير.
ماذا يعني هذا ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان”؟
الجواب المباشر: هذه الحلقة تربط الذكاء الاصطناعي بهدف واحد واضح: تحويل الاستدامة من شعار إلى منتجات مصرفية تولّد عملاء وإيرادات.
إذا كانت شركات التكنولوجيا النظيفة في 2025 تبني أعمالها على الأتمتة والقياس، فالبنوك اللبنانية تستطيع فعل الشيء نفسه ولكن على “مادة خام” مختلفة: البيانات المالية + بيانات الطاقة. حين يلتقي الاثنان، تحصل على تمويل أخضر قابل للتحقق، وتسويق أقل ضجيجاً وأكثر نتائج.
الخطوة التالية التي أنصح بها: اختر قطاعاً واحداً (مبانٍ تجارية، مصانع غذائية، أو ضيافة)، وابنِ منتج تمويل مرتبط بالأداء خلال ربع سنة. بعدها فقط فكّر بالتوسع.
السؤال الذي يحدد 2026: أي بنك لبناني سيملك أول منصة تقيس الأثر وتُسعّر التمويل بناءً عليه، بدل الاكتفاء بتمويل “أخضر” على الورق؟