موازنة لبنان 2025 «صفر عجز» محاسبي ممول من الاستهلاك. تعرّف كيف يخفف الذكاء الاصطناعي العبء عبر الشمول المالي والشفافية.

ذكاء اصطناعي يخفّف ضريبة الاستهلاك في لبنان
رقم «صفر عجز» في موازنة لبنان 2025 يبدو مطمئناً على الورق: 445,214 مليار ليرة إيرادات مقابل 445,214 مليار ليرة نفقات، أي عجز محسوب 0%. لكن حين تُترجم هذه الأرقام إلى تفاصيل يومية—فاتورة مولّد، قسط مدرسة، دواء، وتنقّل—يتبيّن أن «التوازن» لا يعني عدالة. يعني ببساطة أن الدولة وجدت طريقة سريعة لتحصيل المال من المكان الأسهل: الاستهلاك والحدود والرسوم.
هنا تدخل قصتنا ضمن سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان». لأن الموازنة ليست مجرد جداول. هي مرآة لكيفية تدفّق المال في البلد، ومن يدفع ومن يستفيد. والذكاء الاصطناعي—إذا استُخدم بشكل مسؤول—قادر على تقديم بديل عملي: شفافية أعلى، تحصيل أكثر عدلاً، وشمول مالي يخفّف الضغط عن الفئات الأكثر هشاشة.
«صفر عجز»… لكن فاتورة المجتمع ليست صفراً
«صفر عجز» في لبنان 2025 هو توازن محاسبي أكثر منه تعافياً اقتصادياً. وفق ما ورد في المادة المصدر، تم اعتماد سعر مرجعي يقارب 89,500 ليرة لكل دولار ما يجعل حجم الموازنة في حدود 5 مليارات دولار. المشكلة ليست في الرقم وحده، بل في كيف تم الوصول إليه.
التمويل قائم بشكل كبير على ضرائب لا تميّز بين من يشتري “للضرورة” ومن يشتري “للرفاه”:
- TVA بنسبة 11% تشكّل نحو ثلث الإيرادات.
- الجمارك شهدت قفزة كبيرة (مثال: 40.94 ألف مليار ليرة خلال أول 4 أشهر من السنة، ما يعادل تقريباً 457 مليون دولار وفق السعر المرجعي).
- «ضريبة الشباك»: طوابع، رسوم معاملات، غرامات، تسجيلات…
هذا النوع من التحصيل يضغط أكثر على من يعيشون على دخل بالليرة أو دخل غير ثابت. وفي بلد تُقدَّر فيه نسبة الفقر النقدي بـ 44% (بيانات 2022) والفقر متعدد الأبعاد بنحو 73%، تصبح ضريبة الاستهلاك عملياً ضريبة على البقاء.
لماذا هذا يهمّ البنوك والتكنولوجيا المالية؟
الجواب مباشر: عندما تُموَّل الدولة عبر الاستهلاك، يصبح الاقتصاد أكثر «كاش»، وأكثر تهرّباً، وأقل ثقةً بالمؤسسات. وهذا ينعكس على القطاع المالي بثلاث نتائج واضحة:
- تقلّص القاعدة المصرفية الفعّالة: كثيرون يتجنبون الحسابات أو لا يستخدمونها.
- تنامي الاقتصاد غير الرسمي: كلما ارتفعت كلفة المعاملات الرسمية، توسّعت المعاملات خارج النظام.
- انعدام البيانات: الاقتصاد “الكاش” يعني بيانات أقل، وبالتالي قدرة أقل على تقييم المخاطر وتسعير القروض وبناء منتجات عادلة.
وهنا تحديداً يظهر دور الذكاء الاصطناعي في البنوك والـFintech: ليس كترف تقني، بل كأداة لإعادة بناء الثقة عبر خدمات أدق، أقل كلفة، وأكثر إنصافاً.
أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغيّر القواعد فعلاً؟
الفكرة ليست أن الذكاء الاصطناعي “يحل الأزمة”. لكنه يستطيع أن يخفف كلفتها على الناس عبر تحسين ثلاث حلقات: التحصيل، الاستهداف، والامتثال.
1) تحصيل أذكى يعني ضرائب أقل ظلماً
أكبر مشكلة في الضرائب غير المباشرة أنها تعاقب الجميع بنفس النسبة. البديل العادل عادة يكون توسيع الضرائب المباشرة (على الدخل والربح والثروة) عبر تقليل التهرّب. هنا يساعد الذكاء الاصطناعي بطريقة عملية:
- كشف أنماط التهرّب: تحليل فواتير، بيانات استيراد، سجلات شركات، وأنماط تسعير غير منطقية.
- رصد التقليل من قيمة الفواتير (Under-invoicing) في الجمارك عبر مقارنة أسعار مرجعية عالمية بسلوك المستورد.
- تحسين التدقيق الضريبي القائم على المخاطر: بدل تفتيش عشوائي يخلق فساداً وابتزازاً، يتم توجيه التدقيق للملفات الأكثر احتمالاً للمخالفة.
جملة واحدة تلخّص ذلك: كل ليرة تُحصَّل عبر تقليل التهرّب يمكن أن تُخفّف الحاجة لرفع TVA أو الرسوم التي يدفعها الجميع.
2) شمول مالي موجَّه للفئات الأكثر تضرراً
عندما تتغذّى الموازنة من الاستهلاك، تتضاعف هشاشة من لا يملك هامشاً مالياً. البنوك وشركات التكنولوجيا المالية في لبنان تستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي لتقديم منتجات “على قدّ الجيبة”، لا على قدّ الشعارات:
- تصنيف ائتماني بديل لمن لا يملك تاريخاً مصرفياً، عبر بيانات سلوك الدفع (فواتير هاتف، تحويلات، نمط مصاريف ثابتة) مع ضوابط خصوصية واضحة.
- تنبيهات ميزانية شخصية تساعد الأسر على توقع دفعات مدرسية/صحية قبل وقوعها.
- قروض صغيرة قصيرة الأجل بشروط شفافة، مع تسعير مخاطر مبني على بيانات حقيقية لا على حدس موظف.
أنا منحاز هنا: أكثر منتج يُفيد الناس في 2026 ليس “بطاقة مميزة”، بل أداة تمنع السقوط المالي قبل أن يحصل.
3) مكافحة الاحتيال والامتثال في اقتصاد «الكاش»
ارتفاع الضرائب على الاستهلاك والرسوم يدفع السوق أحياناً للالتفاف: فواتير وهمية، تهريب، تلاعب بسعر الصرف، أو حتى احتيال رقمي مع توسّع المحافظ الإلكترونية.
الذكاء الاصطناعي في البنوك يساعد عبر:
- اكتشاف العمليات غير الطبيعية (Anomaly Detection) في التحويلات والسحوبات.
- تحسين إجراءات KYC/AML بدون إرهاق العميل، عبر التحقق الذكي من الهوية ومطابقة الوثائق.
- خفض كلفة الامتثال، ما يسمح بتقديم خدمات رقمية برسوم أقل.
والنتيجة ليست تقنية فقط: عندما تنخفض كلفة التشغيل، يمكن للمؤسسات أن تُسعّر خدماتها بشكل أرحم—وهذا جزء أساسي من الشمول المالي.
كيف تربح شركات الـFintech من واقع الموازنة 2025؟ (بدون تزيين)
واقع الموازنة يخلق احتياجاً واضحاً في السوق: الناس تريد خدمات مالية تقلّل أثر الضرائب غير المباشرة وتقلبات الأسعار. وهنا ثلاث فرص “واقعية” أمام الـFintech في لبنان:
1) أدوات دفع رقمية تقلّل «ضريبة الشباك»
حين تكون الرسوم والطوابع جزءاً من حياة الناس، تصبح المعاملات الرقمية التي تختصر الوقت والكلفة جذّابة جداً. المطلوب:
- واجهات دفع بسيطة.
- إيصالات رقمية منظّمة.
- دعم قوي لخدمة الزبائن.
2) تحليل سلوك الاستهلاك لتحسين عروض الأسعار
المادة المصدر تضع الاستهلاك في قلب التحصيل. هذا يعني أن فهم سلة الاستهلاك صار مسألة بقاء للأسر. يمكن للـFintech تقديم:
- تقارير شهرية بالعربية عن بنود الإنفاق.
- اقتراح “سقف إنفاق” حسب نمط كل مستخدم.
- تنبيهات فورية عند ارتفاع كلفة بند معيّن.
3) منتجات بالدولار/الليرة بوضوح تام
ازدواجية الدخل (جزء بالدولار أو “مفهرس”، وجزء بالليرة) تجعل الشفافية ضرورة. الذكاء الاصطناعي يمكنه:
- عرض سيناريوهات سعر صرف محتملة وتأثيرها على الميزانية.
- اقتراح توزيع ادخار واقعي (طوارئ/تعليم/صحة) بدل نصائح عامة.
أسئلة شائعة يطرحها الناس الآن (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي يعني تسريح موظفين في البنوك؟
جزئياً نعم في المهام الروتينية، لكن الأهم أنه يعيد توجيه الوظائف نحو خدمة العملاء، إدارة المخاطر، وحوكمة البيانات. المشكلة ليست في الأتمتة؛ المشكلة في غياب خطة تدريب.
هل يمكن الوثوق بالذكاء الاصطناعي في قرارات القروض؟
يمكن الوثوق به إذا كانت هناك قواعد: تفسير القرار، حق الاعتراض، وفصل البيانات الحساسة (مثل الانتماء أو المنطقة) عن نموذج التقييم.
هل يزيد الذكاء الاصطناعي المراقبة على الناس؟
إذا تُرك بلا ضوابط نعم. لذلك أي مشروع جاد يجب أن يتضمن: تقليل البيانات، موافقة واضحة، وتشفير، وسياسات احتفاظ قصيرة بالبيانات.
ما الخطوة التالية إذا كنت مصرفاً أو شركة Fintech في لبنان؟
إذا كنت تريد نتائج خلال 90 يوماً—not شعارات—هذه خطة عملية بثلاث خطوات:
- حدّد نقطة ألم واحدة مرتبطة بالموازنة والناس: مثل ارتفاع كلفة المعاملات، أو صعوبة الدفع، أو فوضى المصاريف.
- ابنِ نموذجاً صغيراً (Pilot) للذكاء الاصطناعي: تصنيف إنفاق، كشف احتيال، أو مساعد افتراضي لخدمة العملاء.
- ضع حوكمة واضحة قبل الإطلاق: من يملك البيانات؟ من يراجع النتائج؟ كيف تُدار الشكاوى؟
جملة تصلح كقاعدة عمل: أي ذكاء اصطناعي بلا حوكمة هو طريقة أسرع لخلق أزمة ثقة جديدة.
الحديث عن موازنة لبنان 2025 ليس موضوعاً مالياً بارداً. هو سؤال عن العدالة: هل نبني دولة على TVA والجمارك والرسوم، أم نذهب إلى نظام تحصيل أذكى وأعدل؟ أنا أراهن أن الذكاء الاصطناعي—حين يقوده قرار سياسي وتنظيمي واضح—يمكن أن يخفف الاعتماد على الضرائب الأكثر قسوة على الفقراء، ويفتح باباً حقيقياً للشمول المالي.
الخطوة التي تهمّني الآن: هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي في 2026 لزيادة “جباية سهلة”، أم لبناء خدمات مالية تقلّل كلفة العيش وتعيد جزءاً من الثقة؟