كيف تكشف أرقام الودائع في لبنان ثغرات قانون الفجوة؟ وما دور الذكاء الاصطناعي في الشفافية والامتثال وحماية المودعين؟

شفافية الودائع وقانون الفجوة: أين يدخل الذكاء؟
85% من الحسابات المصرفية في لبنان تحت سقف 100,000 دولار، لكنها لا تمثّل سوى نحو 16% من “كتلة الودائع”. هذا الرقم وحده يشرح لماذا يتحوّل أي نقاش عن قانون توزيع الخسائر إلى صراع اجتماعي سريع: الأكثرية تملك العدد، والأقلية تملك الكتلة. وبينهما تقف المصارف، غالباً، وهي تحاول أن تمرّ من ثغرات النصوص بدل أن تواجه جوهر المشكلة: من يدفع الخسائر أولاً؟
في هذه الحلقة من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان»، سأأخذ النقاش خطوة أبعد من السياسة والشعارات. الفكرة بسيطة: إذا كانت المشكلة الأساسية اليوم هي انعدام الثقة، فالحل يبدأ من الشفافية القابلة للتحقق. وهنا بالذات يمكن للذكاء الاصطناعي (ضمن حوكمة صارمة) أن يلعب دوراً عملياً، لا دعائياً.
الأرقام التي تقلب السردية: 85% من الحسابات لا تعني 85% من المال
الجواب المباشر: هيكل الودائع غير متوازن، وأي قانون يعالج الخسائر سيُغري السلطة والمصارف بحماية “الأكثرية في العدد” ثم تحميل “الأقلية في الكتلة” العبء الأكبر.
بحسب المعطيات الواردة في المادة الأصلية:
- نحو 782,000 حساب تحت سقف 100,000 دولار، مجموعها يقارب 14.8 مليار دولار.
- نحو 145,000 مودِع/حساب فوق 100,000 دولار، مجموعها يقارب 67.4 مليار دولار.
هذا ينتج متوسطاً تقريبياً:
- 18,900 دولار للحسابات الصغيرة (متوسط “معيشة” أكثر منه “ترف”).
- 465,000 دولار للحسابات الأكبر (متوسط يخفي داخله شركات، صناديق، ومهن حرّة، وليس فقط ثروات).
المشكلة ليست في أن تُطلب مساهمة أكبر من الودائع الكبيرة. المشكلة في الطريقة: عندما يُبنى القانون على خطاب “حماية 85%” بينما يُترك التنفيذ غامضاً، تصبح الحماية وعداً سياسياً لا التزاماً قانونياً.
لماذا تحب المصارف الغموض؟
الجواب المباشر: لأن الغموض يسمح بتحويل “الحق” إلى “إمكان”، وتحويل “الضمان” إلى “نية”.
في النصوص، الفارق بين كلمات صغيرة يساوي مليارات:
- “يجب” = التزام قابل للمحاسبة.
- “يمكن” = مخرج قانوني.
- “مهلة محددة” = تنفيذ.
- “مهلة إرشادية/تدريجية” = تأجيل قد يطول سنوات.
هنا تظهر النقطة التي يغفلها كثيرون: التأخير نفسه ربح. الوقت يذيب القيمة الفعلية للودائع، ويُنهك قدرة الناس على المتابعة والمقاضاة والضغط.
أخطر خدعة: تحويل الخسارة إلى صراع بين المودعين
الجواب المباشر: تقسيم المودعين إلى “صغار” و“كبار” قد يصبح أداة لتبرئة رأس المسؤولية: رأس المال المصرفي.
السردية السهلة تقول: “لنحمِ الصغار، وليتحمّل الكبار”. لكنها تصبح ظالمة عندما تُستخدم لتغطية ثلاث نقاط:
- مَن استفاد من النموذج لسنوات؟ (عوائد مرتفعة، توسّع، أرباح)
- مَن يملك “رأس المال” الذي يجب أن يمتص الصدمة أولاً؟ (المساهمون)
- كيف تُمنع الاستنسابية في الدفع؟ (من يحصل ومن يُترك)
وهناك تفصيل شديد الأهمية: جزء كبير من “فوق 100,000” ليس حسابات أفراد أثرياء. هي:
- صناديق تعويضات نهاية خدمة
- أموال نقابات ومؤسسات
- احتياطات شركات تشغيل ورواتب
عندما تُقصَف هذه الكتلة بلا تمييز، الضرر لا يبقى ضمن شريحة واحدة؛ ينتقل إلى سوق العمل والرواتب والخدمات.
أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخدم المودعين فعلاً؟ ثلاثة تطبيقات عملية
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي لا “يحل” الأزمة وحده، لكنه يستطيع أن يجعل التلاعب أصعب والمحاسبة أسهل إذا تم اعتماده داخل إطار حوكمة ورقابة.
1) مراقبة الامتثال وتنبيه مبكر على “الثغرات”
بدل أن يكتشف المودع بعد أشهر أن بنداً صغيراً سمح بالتأجيل أو الاستنساب، يمكن بناء أنظمة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتحليل:
- سياسات السحب والتحويل عبر الفروع
- اختلاف المعاملة بين العملاء (أنماط غير مبررة)
- التزام المهَل المفروضة قانوناً
الفكرة الأساسية: نظام إنذار مبكر يرفع إشارات حمراء عندما تظهر فروقات لا يبررها القانون أو السياسة المعلنة.
2) تحليل مخاطر الودائع وإعادة هيكلة “قابلة للقياس”
إحدى نقاط ضعف النقاش اللبناني أنه يتحول إلى “تقييم سياسي” بدل “تقييم مخاطر”. الذكاء الاصطناعي يستطيع دعم:
- نمذجة سيناريوهات توزيع الخسائر (10%، 20%، 40%)
- قياس أثر كل سيناريو على السيولة والقطاع الحقيقي
- توقع مخاطر “الهروب إلى الكاش” إذا فشل القانون في بناء الثقة
ولكي نكون واضحين بالأرقام: على كتلة 67.4 مليار دولار (فوق 100,000):
- 10% ≈ 6.7 مليارات
- 20% ≈ 13.5 ملياراً
- 40% ≈ 27 ملياراً
هذه ليست تفاصيل تقنية. إنها تعريف عملي لمن ينهار ومن يصمد.
3) شفافية تفاعلية للمودع: “لوحة معلومات” بدل الإشاعات
في لبنان، الإشاعة تعيش لأن المعلومة الرسمية غائبة أو متناقضة. من أكثر ما وجدته عملياً في تجارب الأسواق المتوترة هو تحويل العلاقة مع العميل من “تفسير شفهي” إلى “بيانات قابلة للتتبع”.
تخيّل منصة (مصرفية أو بإشراف جهة رقابية) تُظهر للمودع:
- فئة حسابه وفق القانون (مع تعريف واضح)
- حقوقه ومهل التنفيذ
- نسبة ما استلمه وما تبقّى
- سبب أي تأخير (مع مستند/قرار)
هذا ليس رفاهية رقمية. هذا شرط ثقة.
جملة قابلة للاقتباس: الشفافية ليست منشوراً إعلامياً؛ الشفافية جدول زمني مُلزِم وبيانات تُراجع وتُحاسَب.
“السندات” و“الشهادات” ليست دائماً تعويضاً: كيف تتحول الودائع إلى ورق
الجواب المباشر: عندما يُستبدل “الوديعة” بأداة مالية طويلة الأجل بلا ضمانات، تتحول الخسارة من “حسم واضح” إلى “حسم مقنّع”.
الفرق الجوهري:
- الوديعة = حق مالي يُفترض أنه قابل للتحصيل وفق قواعد مصرفية واضحة.
- السند/الشهادة = حق مشروط بسوق وسعر وسيولة وثقة.
هنا جوهر الخطر: قد يقول النص “100%” لكن الواقع يقول “تسعير ثانوي” و“تسييل بصعوبة” و“خصم غير معلن”.
إذا أراد المشرّع حماية المودعين فعلاً، فالسؤال الذي يجب أن يسبق أي “أداة” هو:
- من يضمن قيمتها؟
- ما هي آلية الاسترداد؟
- ما هو الحد الأقصى للخصم؟
- ما هي العقوبات عند عدم الالتزام؟
والذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد هنا أيضاً عبر تسعير مخاطر هذه الأدوات وقياس خصمها المتوقع، بدل ترك الناس يكتشفون ذلك بعد فوات الأوان.
أسئلة شائعة (بنبرة عملية)
هل الذكاء الاصطناعي يعني استبدال القضاء والرقابة؟
لا. الذكاء الاصطناعي هنا دوره أداة تدقيق ومراقبة تساعد على كشف الأنماط، لكن القرار والمحاسبة يجب أن يبقيا بيد جهات رقابية وقضائية.
ما الذي يجب أن يطلبه المودع من أي قانون جديد؟
ثلاثة أشياء غير قابلة للتفاوض:
- ترتيب خسائر واضح: رأس المال والمساهمون أولاً.
- تدقيق وشفافية محاسبية: من دونها كل شيء تجميلي.
- تنفيذ آلي بمهل وعقوبات: لأن “التدرّج” في لبنان قد يصبح دائماً.
ما الذي نحتاجه الآن: قانون يُقاس، لا قانون يُخطب عنه
إذا كان الهدف فعلاً “إنقاذ النظام المالي”، فالطريق ليس بتجميل صورة المصارف أو بتحويل الخسائر إلى حرب بين المودعين. الطريق هو جعل أي تسوية قابلة للقياس والتحقق والمحاسبة.
أنا منحاز هنا لفكرة واضحة: أي قانون لا يفرض شفافية تنفيذية سيُنتج نفس النتيجة، حتى لو اختلفت العناوين. وفي 30/12/2025، بعد سنوات من إنهاك الناس بالوعود والمهل المرنة، صار معيار النجاح بسيطاً: هل يستطيع المودع أن يرى حقه على شاشة، بمهلة، وبإجراء، وبمسؤولية؟
ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان”، هذه اللحظة مفصلية: إما أن نستخدم التكنولوجيا لبناء ثقة قابلة للتدقيق، أو سنبقى ندور في اقتصاد كاش، حيث القانون يمرّ على الورق والثقة تبقى خارج المصارف.
سؤال أخير يختصر كل شيء: إذا كان القانون سيحمي الودائع فعلاً، لماذا لا يُبنى منذ اليوم على بيانات شفافة، مهَل مُلزِمة، ولوحات متابعة عامة تجعل التلاعب مكلفاً؟