كيف تلهم شراكات الأمن السيبراني في السعودية البنوك والفنتك في لبنان لاعتماد الذكاء الاصطناعي بأمان وتقليل الاحتيال عبر خطة 90 يوماً.

شراكات الأمن السيبراني بالمنطقة: درس عملي للبنوك اللبنانية
الإنذار الذي تتجاهله مؤسسات كثيرة بسيط: أي مشروع ذكاء اصطناعي داخل بنك بلا أمن سيبراني ناضج هو مشروع عالي المخاطر. في المنطقة، تُبنى اليوم شراكات تقنية تُشبه “خطوط إمداد” للأمن: شركة متخصصة عالمياً + شريك محلي يعرف السوق ويملك شبكة تنفيذ. هذا بالضبط ما تعكسه أخبار شراكة Group-IB مع VAS Integrated Solutions لتعزيز الأمن السيبراني في السعودية، عبر الاستفادة من شبكة الشريك المحلي وخبرته في السوق لدعم المؤسسات ورفع جاهزيتها بما يتماشى مع أولويات التحول الرقمي الوطني.
لماذا يهمنا هذا في لبنان؟ لأن البنوك وشركات التكنولوجيا المالية اللبنانية تدخل 2026 وهي تحت ضغط مزدوج: تحسين تجربة العميل الرقمية من جهة، وإدارة مخاطر الاحتيال والاختراقات من جهة أخرى. والذكاء الاصطناعي—الذي تتحدث عنه هذه السلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان”—يزيد القيمة… لكنه يوسّع سطح الهجوم أيضاً إذا لم يُدار بعقلية أمنية.
ما سأدافع عنه هنا موقف واضح: لبنان لا يحتاج حلولاً أكثر بقدر ما يحتاج “نماذج تعاون” أفضل. نموذج الشراكة الإقليمية (مزود عالمي + شريك محلي) يمكن أن يصبح وصفة عملية للبنوك اللبنانية كي تُسرّع اعتماد الذكاء الاصطناعي بأمان، وتُقلّل خسائر الاحتيال، وتُحسّن الامتثال، وتُطلق منتجات رقمية بثقة.
لماذا الشراكات الإقليمية في الأمن السيبراني مهمة للبنوك اللبنانية؟
الفكرة الأساسية: الأمن السيبراني في الخدمات المالية لم يعد منتجاً يُشترى، بل منظومة تُدار. والشراكات الإقليمية تنجح لأنها تجمع بين عاملين نادراً ما يجتمعان في طرف واحد: عمق تقني عالمي + تنفيذ محلي واقعي.
في الخبر القادم من السعودية، يلعب الشريك المحلي دوراً محورياً في “إنزال” قدرات الأمن السيبراني إلى أرض الواقع: شبكة شركاء، فهم للسوق، وقدرة على الوصول إلى المؤسسات بسرعة. هذا يذكّرني بما يحدث في لبنان عادةً: كثير من المؤسسات تشتري أدوات قوية، ثم تتعثر في ثلاثة أمور:
- نقص الكفاءات التشغيلية لتشغيل المنصات الأمنية 24/7.
- فجوة التكامل بين الأنظمة القديمة (Core Banking) والتطبيقات الجديدة.
- تحديات الامتثال والتدقيق التي تتطلب أدلة تشغيل وإجراءات وليس فقط تراخيص.
الشراكة الجيدة تختصر هذه الفجوات. بدل أن يضيع البنك بين عشرات الموردين، يحصل على مسار واضح: تقييم مخاطر، تصميم ضوابط، نشر، تدريب، ثم تشغيل وتحسين مستمر.
ما الذي يضيفه “الشريك المحلي” تحديداً؟
الشريك المحلي ليس مجرد موزع. دوره الحقيقي في القطاع المالي هو:
- ترجمة المتطلبات التنظيمية إلى إعدادات تقنية وإجراءات تشغيل.
- تسريع الاستجابة للحوادث عبر فريق قريب من المؤسسة.
- فهم سلوك الاحتيال المحلي (أنماط رسائل، قنوات دفع شائعة، مواسم احتيال).
- إدارة التغيير داخل البنك: تدريب، توثيق، وإقناع أصحاب القرار.
في لبنان، هذا العامل حاسم لأن التحول الرقمي لا يتقدم بوتيرة موحدة بين المؤسسات، ولأن ميزانيات الأمن ليست دائماً مرنة. الشريك الذي يفهم هذه القيود يقترح تطبيقاً مرحلياً بدلاً من مشروع “ضخم” ينهار تحت ثقله.
الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني: علاقة منفعة… ومخاطر أيضاً
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يقوّي الأمن إذا استُخدم للكشف والاستجابة، ويضعفه إذا استُخدم بلا حوكمة.
لبنان يتجه أكثر نحو الدردشة الآلية لخدمة العملاء، أتمتة التسويق، وتخصيص العروض، وحتى تقييم مخاطر الائتمان. هذه الاستخدامات ممتازة للأعمال، لكنها تفتح أبواباً جديدة للهجوم:
- احتيال مدعوم بالذكاء الاصطناعي: رسائل تصيّد أكثر إقناعاً، وانتحال صوت/صورة.
- تسميم البيانات (Data Poisoning): إدخال بيانات تُفسد نماذج الكشف عن الاحتيال.
- تسريب بيانات حساسة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي إذا لم تُضبط سياسات الاستخدام.
- هجمات على سلاسل التوريد التقنية (مزودون، مكتبات برمجية، واجهات API).
والأخطر؟ أن كثيراً من هذه المخاطر لا تظهر في اختبارات الاختراق التقليدية وحدها. تحتاج إلى مراقبة سلوكية، رصد مؤشرات اختراق، وتحليلات تهديدات مستمرة.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي لدعم الدفاع؟
عندما يُدار بشكل صحيح، الذكاء الاصطناعي يساعد المؤسسات المالية على:
- كشف الشذوذ في المعاملات (Anomaly Detection) لتقليل الاحتيال.
- تجميع وتنقيح التنبيهات لتخفيف ضوضاء أنظمة المراقبة (Alert Fatigue).
- تسريع الاستجابة للحوادث عبر اقتراح خطوات احتواء مبنية على أنماط سابقة.
- مراقبة الهوية والوصول عبر تحليل سلوك المستخدم (UEBA).
جملة قابلة للاقتباس: كل دقيقة تُقلّلها من زمن اكتشاف الاختراق (MTTD) تُقلّل معها كلفة الحادث وتوسّع فرص الاستعادة الآمنة.
هذا هو الرابط الذي يجب أن تلتقطه البنوك اللبنانية: اعتماد الذكاء الاصطناعي في الخدمات يجب أن يسير بالتوازي مع اعتماد الذكاء الاصطناعي في الأمن.
ماذا نتعلم من نموذج السعودية؟ 4 دروس قابلة للتطبيق في لبنان
الخلاصة العملية: الشراكة ليست خبر علاقات عامة؛ هي تصميم تشغيل (Operating Model). وإليكم أربعة دروس يمكن للبنوك وشركات الفنتك اللبنانية تبنّيها بسرعة.
1) اربط الأمن بـ“الأولويات الوطنية” حتى لو كانت غير مكتوبة
في السعودية، تُربط مبادرات الأمن السيبراني بأولويات التحول الرقمي. في لبنان قد لا يكون الإطار بنفس الوضوح، لكن المنطق نفسه ينطبق: الأمن يجب أن يخدم أهدافاً ملموسة مثل:
- رفع الاعتماد على القنوات الرقمية.
- تقليل الاحتيال في الدفع الإلكتروني.
- تحسين تجربة فتح الحساب/التسجيل رقمياً.
- تقليل المخاطر التشغيلية التي تعطل الخدمة.
عندما تُصاغ خطة الأمن بهذه الطريقة، تصبح ميزانية الأمن جزءاً من “تمكين الإيراد”، لا بنداً دفاعياً يُقلّص عند أول ضغط.
2) ابدأ بـحالات استخدام مالية واضحة (وليس قائمة أدوات)
أكثر خطأ رأيته يتكرر: شراء منتجات أمنية قبل تحديد ما نريد حمايته وكيف سنقيس النجاح. الأفضل اختيار 2–3 حالات استخدام عالية الأثر، مثل:
- مكافحة الاحتيال على التحويلات (خصوصاً التحويلات السريعة والقنوات الرقمية).
- حماية قنوات خدمة العملاء (الدردشة الآلية، مراكز الاتصال، البريد).
- تأمين واجهات API التي تربط البنك بشركات الفنتك.
ثم تُبنى الشراكة التقنية حول هذه الحالات: بيانات، تكامل، تشغيل، وقياس.
3) اجعل “تشغيل الأمن” جزءاً من الشراكة لا مهمة داخلية مؤجلة
البنوك اللبنانية تعاني غالباً من نقص فرق SOC المكتملة. هنا تظهر قيمة نموذج التشغيل المشترك:
- فريق داخلي يملك السياق والقرارات.
- شريك خارجي يضمن المراقبة والتحليل وإدارة الحوادث.
حتى لو لم تُعلن المؤسسة ذلك، هذا النموذج يرفع النضج بسرعة، خصوصاً في مواسم الضغط مثل نهاية السنة المالية أو فترات التوسع في المنتجات الرقمية.
4) ضع حوكمة للذكاء الاصطناعي قبل توسيع استخدامه
حوكمة الذكاء الاصطناعي ليست ترفاً. للبنوك والفنتك في لبنان، الحد الأدنى الذي أنصح به:
- تصنيف البيانات المسموح إدخالها لأدوات الذكاء الاصطناعي (وما هو ممنوع).
- سجلّ نماذج (Model Registry) يوضح: من بنى النموذج؟ على أي بيانات؟ وما حدود الاستخدام؟
- اختبارات دورية للانحياز والدقة والأمان.
- سياسة واضحة للموردين: أين تُخزّن البيانات؟ من يملكها؟ وكيف تُحذف؟
جملة قابلة للاقتباس: أي ذكاء اصطناعي بلا حوكمة يتحول من “ميزة تشغيلية” إلى “ثغرة تنظيمية”.
خطة 90 يوماً: كيف تبدأ بنك/فنتك لبنانية بشراكة أمن + ذكاء اصطناعي؟
الهدف هنا عملي: خطوات قصيرة، قابلة للتنفيذ، وتصلح لبيئات مواردها محدودة.
الأيام 1–15: تشخيص سريع يركز على المخاطر الأعلى
- جرد الأنظمة والقنوات الرقمية الأساسية.
- مراجعة حوادث آخر 12 شهراً: احتيال، انقطاع، محاولات تصيّد.
- تحديد “الأصول الحرجة”: بيانات العملاء، أنظمة الدفع، واجهات API.
- وضع 5 مؤشرات قياس: مثل زمن اكتشاف الحادث، وزمن الاستجابة، ونسبة الاحتيال.
الأيام 16–45: اختيار الشريك وتحديد نطاق واضح
عند تقييم شريك (محلي/إقليمي) ومزوّد حلول، اسأل أسئلة مباشرة:
- ما مستوى الدعم التشغيلي؟ وهل يوجد تغطية 24/7؟
- كيف يتم التعامل مع بيانات العملاء؟
- ما خبرتكم في القطاع المالي تحديداً؟
- هل لديكم سيناريوهات جاهزة لمكافحة الاحتيال وحماية القنوات الرقمية؟
الأهم: لا تقبل بنطاق فضفاض. ابدأ بمشروع تجريبي على قناة واحدة أو نوع احتيال واحد، ثم وسّع.
الأيام 46–75: نشر ضوابط سريعة الأثر
- تحسين مراقبة الدخول:
MFA، ومراجعة الصلاحيات عالية الخطورة. - حماية البريد والرسائل من التصيّد (سياسات، تصفية، تدريب موجه).
- مراقبة معاملات رقمية بقواعد + نماذج شذوذ بسيطة كمرحلة أولى.
- إعداد “خطة استجابة للحوادث” مكتوبة ومختبرة بمحاكاة.
الأيام 76–90: قياس وتحسين وربط الأمن بتجربة العميل
هنا تظهر الثمرة: إذا انخفضت التنبيهات الكاذبة، وتسارع التعامل مع الحوادث، ينعكس ذلك على العميل بشكل غير مباشر: أقل تعطّل، أقل رفض خاطئ للمعاملات، وثقة أعلى.
- اعرض النتائج بلغة أعمال: “انخفض الاحتيال بنسبة X” أو “تحسن زمن الاستجابة من Y إلى Z”.
- جهّز خطة توسعة للربع التالي: API security، أو حماية تطبيق الهاتف، أو تحسين مكافحة الاحتيال.
أسئلة شائعة يطرحها مديرو البنوك والفنتك في لبنان (وإجابات مباشرة)
هل يجب أن نختار مزوداً عالمياً أم محلياً؟
الأفضل مزيج: مزود عالمي للخبرة والقدرات، وشريك محلي/إقليمي للتنفيذ والتشغيل والامتثال.
هل الأمن السيبراني يبطّئ إطلاق المنتجات الرقمية؟
إذا دخل متأخراً نعم. أما إذا بُني كجزء من التصميم (Secure-by-Design)، فهو يسرّع الإطلاق لأنه يقلل إعادة العمل والتوقفات بعد الإنتاج.
من أين نبدأ إذا كانت الميزانية محدودة؟
ابدأ من نقطتين: مكافحة الاحتيال في القنوات الرقمية والاستجابة للحوادث. هذان يعطيان أسرع أثر مالي وتشغيلي.
أين يلتقي هذا كله مع “ذكاء اصطناعي” البنوك اللبنانية؟
هذه المقالة جزء من سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان”، ووجهة نظري واضحة: الذكاء الاصطناعي ليس مشروع قسم الابتكار فقط؛ هو مشروع ثقة. والثقة في الخدمات المالية تُبنى عندما تكون القنوات الرقمية آمنة، والاحتيال تحت السيطرة، والبيانات محمية، والاستجابة للحوادث سريعة وشفافة.
نموذج الشراكة الذي نراه في السعودية يقدّم إلهاماً عملياً: لا تنتظر اكتمال كل شيء داخلياً. ابنِ تحالفاً ذكياً، حدّد حالات استخدام واقعية، وطبّق حوكمة للذكاء الاصطناعي قبل أن يُصبح جزءاً من كل رحلة عميل.
إذا كنت تقود بنكاً أو شركة فنتك في لبنان، السؤال الذي يستحق التفكير مع بداية 2026 ليس: “أي أداة نشتري؟” بل: “أي شريك يساعدنا على تشغيل الأمن والذكاء الاصطناعي معاً، وقياس أثرهما على الاحتيال وتجربة العميل؟”