كيف يساعد الذكاء الاصطناعي المصارف اللبنانية على استعادة الثقة بعد أزمة الودائع؟ حلول عملية للشفافية والحوكمة وخدمة العملاء.

الذكاء الاصطناعي وإصلاح المصارف بلبنان: طريق الثقة
في لبنان، إعادة فتح ملف المصارف ليست مجرد خبر سياسي. هي لحظة اعتراف علني بأن الاقتصاد لا يستطيع أن يعيش طويلًا على «الكاش»، ولا أن يبني استثمارًا من دون ائتمان، ولا أن يقنع المغترب بإعادة أمواله بينما الودائع تُعامل كأرقام «مجمّدة». في 30/12/2025، عاد اسم نواف سلام إلى الواجهة لأنه دفع الدولة إلى منطقة كانت تتجنبها منذ 2019: تسمية الخسائر ومحاولة وضع قاعدة لتوزيعها.
وهنا تحديدًا يدخل موضوع سلسلة مقالاتنا: كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان. لأن النقاش حول «قانون الفجوة المالية» ليس تقنيًا فقط. هو نقاش ثقة. والذكاء الاصطناعي، إذا استُخدم بذكاء وحوكمة صحيحة، قادر على تحويل الشفافية من شعار إلى نظام عمل: بيانات مفهومة، قرارات قابلة للتدقيق، وخدمات رقمية تقلّل التعسّف وتُحارب “اقتصاد الاستنسابية”.
لماذا عاد ملف المصارف إلى الواجهة في 2025؟
السبب المباشر هو بسيط وقاسٍ: لا توجد «عودة طبيعية» من دون تحديد من يدفع خسائر النظام المالي. في 2025، لم يعد ممكنًا الاستمرار بإدارة الانهيار عبر استنزاف المودعين ببطء—قيود سحب، أسعار صرف متعددة، تسويات غير متساوية، وتضخم يلتهم القيمة.
ما فعله نواف سلام (بحسب النقاش الذي فرضه مشروع القانون) هو نقل السؤال من منطقة الرمادي إلى منطقة الحساب:
- كم هي الخسائر؟
- كيف تُوزّع؟
- من يُحمى أولًا؟
- وما هي الأصول التي ستُستخدم لإنهاء الأزمة؟
هذه ليست تفاصيل. هذه «قواعد لعبة» جديدة. ومشكلتها أن اللبنانيين فقدوا ثقتهم بأن القواعد ستُطبَّق بالتساوي.
الثقة ليست خطابًا… هي قابلية التدقيق
أكثر ما دمّر الثقة منذ 2019 ليس فقط الخسارة المالية، بل غياب مسار واضح وقابل للتحقق: أرقام تتغير، وقرارات تتخذ خلف الأبواب، ومودعان في البنك نفسه يحصلان على معاملة مختلفة حسب العلاقات والقدرة على الضغط.
الذكاء الاصطناعي لا يحل الأزمة وحده، لكنه ممتاز في شيء واحد: تحويل الفوضى إلى نظام يمكن مراقبته—إذا كانت البيانات متاحة والحكومة والجهات الرقابية جادة.
أين تكمن خطورة «قانون الفجوة المالية»؟
جوهر الخلاف كما يظهر في النقاش العام هو التالي: القانون يُقال إنه يهدف إلى حماية “أغلبية الحسابات” (غالبًا تُذكر عتبة 100,000 دولار كفكرة محورية)، لكن الناس تسأل: بأي أموال ستُعاد الودائع؟
هنا تظهر عقدتان:
-
الأصول العامة وأصول مصرف لبنان: عندما يتم الحديث عن أدوات «مدعومة بأصول»، يدخل موضوع ذهب مصرف لبنان إلى المنطقة الحساسة، حتى لو لم يُذكر بشكل مباشر. لأن الذهب هو الأصل الأكثر رمزية و”سياسيًا” في البلد.
-
عدالة التوزيع: كثيرون يشعرون أن أي خطة قد تتحول إلى “شرعنة” لخسائر حصلت بسبب تداخل المصالح بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية—ثم يُطلب من المجتمع كله دفع الثمن بشكل غير مباشر (تضخم، ضرائب، تراجع خدمات عامة).
جملة واحدة تلخص المأزق: إذا لم يفهم الناس كيف حُسبت الخسائر وكيف ستُوزّع، فلن يصدّقوا أي وعد برد الودائع—even لو كان صحيحًا على الورق.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد الثقة فعليًا؟ (وليس كشعار)
الحديث عن الذكاء الاصطناعي في البنوك بلبنان أحيانًا يبدو “ترفًا” أمام أزمة سيولة وودائع محتجزة. لكن الواقع مختلف: الأزمة أصلاً أزمة معلومات وثقة وحوكمة. والذكاء الاصطناعي يمكن أن يضغط على هذه النقاط تحديدًا عبر 4 مسارات عملية.
1) شفافية الأرقام عبر «لوحات تدقيق» عامة ومقروءة
أول خطوة لاستعادة الثقة هي جعل الأرقام قابلة للفهم والمتابعة. الحل ليس وثيقة PDF من 200 صفحة.
ما أقترحه (ورأي شخصي) هو إنشاء لوحات مؤشرات عامة (Public Dashboards) مدعومة بنماذج تحليل—تعرض بوضوح:
- حجم الفجوة المالية وفق سيناريوهات مختلفة (محافظ/متوسط/متشدد)
- توزيع الودائع حسب الشرائح (أقل من 10,000 / أقل من 100,000 / أعلى)
- تقدير التدفقات اللازمة لإعادة الودائع على 3–5–7 سنوات
- أثر كل خيار على الموازنة العامة والتضخم والقطاع الائتماني
الذكاء الاصطناعي هنا لا “يخترع” الحقيقة. وظيفته: تنظيف البيانات، اكتشاف التناقضات، وتقديمها بشكل مفهوم.
2) كشف الاستنسابية: من حصل على “معاملة خاصة” ولماذا؟
من أكبر أسباب الغضب الشعبي الاعتقاد بأن جزءًا من الأموال خرج قبل القيود أو عبر ترتيبات غير متاحة للجميع. هنا يمكن للذكاء الاصطناعي (خصوصًا نماذج كشف الشذوذ Anomaly Detection) أن يساعد الجهات الرقابية في:
- اكتشاف التحويلات غير الطبيعية زمنًا أو حجمًا أو نمطًا
- رصد الحسابات المرتبطة (شبكات علاقات)
- تحديد فترات «سلوك غير اعتيادي» حول قرارات مفصلية
هذا لا يساوي إدانة قانونية، لكنه يبني ملفًا رقابيًا ذكيًا يسهّل التحقيقات ويقلّل “العمى المتعمد”.
3) أتمتة خدمة المودعين… لتقليل التعسّف لا لتقليل الموظفين
البنوك اللبنانية تحتاج أن تعيد بناء علاقتها مع العملاء خطوة خطوة. واحدة من أسرع الطرق هي توحيد التجربة.
تطبيقات الذكاء الاصطناعي المفيدة هنا تشمل:
- مساعدات محادثة (Chatbots) تشرح السياسات بلغة بسيطة وبلهجة محترمة، وتوثّق كل تفاعل
- أنظمة “Case Management” تصنّف طلبات السحب/التسويات وتحدّد أسباب الرفض بشكل موحّد
- رسائل تنبيه تلقائية حول أي تغيير في السياسات أو المستندات المطلوبة
الفكرة ليست «روبوت يرد بدل الموظف». الفكرة: أي قرار يؤثر على أموال الناس يجب أن يكون قابلاً للتتبع.
4) حوكمة مصرف لبنان والرقابة: فصل الأدوار يحتاج أدوات
النقاش اللبناني يكرر فكرة أساسية: لا يمكن استعادة الثقة بلا إصلاح المصرف المركزي والرقابة على المصارف.
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم هذا عبر:
- اختبارات ضغط ذكية (AI-assisted Stress Testing) مبنية على بيانات محلية (وليس قوالب جاهزة)
- رصد مخاطر السيولة يوميًا بدل تقارير متأخرة
- أنظمة امتثال AML/KYC أكثر دقة لتقليل المخاطر الدولية على النظام اللبناني
في بلد يعيش تحت ضغط المراسلين المصرفيين والامتثال الدولي، تحسين الامتثال ليس رفاهية—هو شرط بقاء.
مثال عملي: كيف يبدو “ردّ الودائع” عندما يصبح قابلاً للتدقيق؟
تخيّل سيناريو بسيط لمودع لديه حساب ضمن الشريحة المحمية (مثلاً تحت عتبة 100,000 دولار وفق ما يُتداول).
بدل أن يسمع وعودًا عامة، يحصل على:
- صفحة شخصية في تطبيق البنك توضّح “خطة الاسترداد” (الجدول الزمني، المبالغ، العملة، سعر الصرف المستخدم)
- تفسير آلي واضح لأي خصم أو تأخير مع مرجعية تنظيمية
- تحديثات شهرية تلقائية تربط ما يحدث بمؤشرات عامة (سيولة، تدفقات، قرارات تنظيمية)
هذا النوع من الشفافية لا يلغي الألم، لكنه يقتل الإشاعة. ومع الوقت، قتل الإشاعة هو بداية عودة الثقة.
أسئلة شائعة يسمعها أي بنك لبناني الآن (وأجوبة مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي قادر على “حل” أزمة الودائع؟
لا. الحل سياسي-مالي-قانوني أولًا. لكن الذكاء الاصطناعي قادر على جعل الحل قابلًا للتطبيق والرقابة، وعلى تقليل المساحات التي تُنتج الظلم والاستنسابية.
ما الذي يمنع استخدامه فورًا؟
3 عوائق واضحة:
- جودة البيانات وتشتتها بين المصارف والجهات الرسمية
- غياب إطار حوكمة واضح (من يقرر؟ من يدقق؟ من يُحاسب؟)
- خوف بعض الأطراف من الشفافية لأنها تكشف تاريخ القرارات
هل سيؤدي ذلك إلى مخاطر على الخصوصية؟
إذا طُبق بشكل عشوائي نعم. لذلك أي مشروع ذكاء اصطناعي مصرفي في لبنان يجب أن يبدأ بـ سيادة البيانات، تقليل جمع البيانات، وتدقيق مستقل.
ما الذي أنصح به البنوك وشركات الفنتك في لبنان في الربع الأول من 2026؟
إذا كنتُ مكان فريق تنفيذي في بنك أو شركة تكنولوجيا مالية اليوم، سأبدأ بـ 6 خطوات صغيرة لكنها “تراكمية”:
- توحيد تعريفات البيانات: ما هو “الرصيد القابل للسحب”؟ ما هو “الرصيد الدفتري”؟ توحيد المصطلحات قبل النماذج.
- بناء سجل قرارات (Decision Log): أي تغيير سياسة يجب أن يُوثّق ويُربط بالأنظمة.
- لوحة شفافية داخلية أولًا: قبل النشر العام، يجب أن ترى الإدارة التناقضات.
- مساعد محادثة مقيّد: يبدأ بالأسئلة الأكثر تكرارًا حول السحوبات والتسويات—مع مراجعة بشرية.
- كشف شذوذ للعمليات الحساسة: تحويلات كبيرة، تسويات استثنائية، استثناءات متكررة.
- تجربة عميل موحّدة: نفس الإجابة لنفس الحالة، بغض النظر عن الفرع أو الموظف.
هذه خطوات لا تحتاج معجزات. تحتاج قرارًا: أن الثقة تُبنى بالأنظمة لا بالوعود.
أين يقف نواف سلام داخل هذا المشهد التقني؟
الملف الذي أعاده إلى الواجهة في 2025 هو ملف “قواعد الخروج من الأزمة”. لكن القواعد وحدها لا تكفي. التطبيق هو ساحة الثقة الحقيقية: كيف تُحسب الخسائر، كيف تُراقَب، وكيف تُشرح للناس.
وهذا هو المكان الذي يمكن أن يجعل فيه الذكاء الاصطناعي فرقًا ملموسًا:
- تقليل الضبابية حول الأرقام
- تسريع التدقيق وكشف التناقضات
- حماية القرارات من الاستنسابية عبر أتمتة قابلة للتتبع
إذا كان 2025 هو عام إعادة فتح النقاش حول المصارف، فأنا أرى أن 2026 يجب أن يكون عام ترجمة النقاش إلى بنية رقمية شفافة—وإلا سنعيد الحلقة نفسها مع عناوين جديدة.
الخطوة التالية لأي مؤسسة مالية في لبنان ليست سؤال “هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟” بل: أي جزء من رحلة المودع سنجعله قابلًا للتدقيق أولًا؟