كيف يكشف الذكاء الاصطناعي “الرسملة الوهمية” في مصارف لبنان، ويعزّز الشفافية وإدارة المخاطر لحماية المودعين وبناء الثقة.

الذكاء الاصطناعي ضد “رسملة وهمية” في مصارف لبنان
في 30/12/2025، يعود النقاش المصرفي في لبنان إلى أصل المشكلة: مصرف بلا رساميل فعلية ليس مصرفاً—هو واجهة تُشبه المصرف لكنها لا تملك القدرة على الوفاء بوعودها. الأخطر أن بعض مقاربات “إعادة الهيكلة” تتحوّل إلى ما يمكن تسميته رسملة وهمية: كلام كثير عن الإصلاح، وقرارات قليلة تغيّر الميزانيات فعلاً، والنتيجة أن الوقت نفسه يصبح أداة لتمرير الخسائر إلى المودعين.
هنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي بشكل عملي، وليس كشعار. لأن الأزمة ليست فقط نقص سيولة، بل نقص شفافية، وضعف في قياس المخاطر، وتأخر في الحسم. وإذا كان “الانتظار” هو الآلية التي تُحمّل الناس كلفة الانهيار، فالذكاء الاصطناعي قادر—عند تطبيقه بجدّية—على تقصير زمن الضبابية عبر كشف الفجوات، ورفع جودة التدقيق، وتحويل التواصل مع العملاء من وعود عامة إلى التزامات قابلة للقياس.
عبارة تصلح لتكون معياراً: أي خطة لا تُظهر من سيدفع الخسائر، ومتى، وبأي أداة، هي خطة تمديد لا خطة إنقاذ.
لماذا “الرسملة الوهمية” خطيرة على المودع والاقتصاد؟
الرسملة الوهمية تعني إطالة عمر المشكلة بدل حلّها. عندما تؤجَّل إعادة الرسملة الحقيقية، تتحول الخسائر إلى “استنزاف بطيء” يدفعه الناس عبر:
- تآكل قيمة الودائع بفعل تعدد أسعار الصرف والتضخم
- سقوف سحب لا تُبنى على قانون واضح بل على ممارسات متغيرة
- أدوات “سداد على الورق” تُخفي حسماً فعلياً في القيمة (haircut مقنّع)
المعادلة الاقتصادية واضحة: لا ائتمان طبيعي بلا مصارف سليمة. ومع انحسار الائتمان، يتراجع الاستثمار، وتتغذّى اقتصاديات الكاش، وتتسع اللامساواة (من يملك شبكة تحويلات خارجية ينجو، ومن يعتمد على دخل ثابت يُسحق).
اللافت أن النقاش العام ينشغل أحياناً بالصياغات: “استقرار”، “استعادة الثقة”، “إعادة هيكلة تدريجية”. لكن السؤال الذي يختصر كل ذلك هو: هل دخلت رساميل جديدة فعلية؟ وهل تغيّر التحكم والإدارة عند الحاجة؟ إن لم يحصل هذا، فالحديث يدور في دائرة مريحة للقطاع ومؤلمة للمجتمع.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ من “تجميل الأزمة” إلى قياسها وكشفها
الذكاء الاصطناعي لا يخلق رأسمالاً، لكنه يغيّر ميزان القوة عبر تقليل قدرة أي طرف على الاختباء خلف الغموض. في سياق المصارف اللبنانية، أهم قيمة للذكاء الاصطناعي هي: تحويل الأسئلة الكبيرة إلى مؤشرات قابلة للتدقيق اليومي.
1) كشف فجوات الميزانيات مبكراً عبر نماذج إنذار
بدل انتظار “تدقيق سنوي” أو “لجنة” تتأخر سنوات، يمكن بناء طبقة تحليلية تعتمد على:
- تتبع جودة الأصول (القروض، التعرض السيادي، التعثر)
- محاكاة سيناريوهات أسعار صرف وتضخم وفوائد
- قياس نسب كفاية رأس المال وفق سيناريوهات ضغط متعددة
عملياً، نماذج Early Warning Systems تُستخدم عالمياً لتحديد البنوك الضعيفة قبل انفجارها. في لبنان، تطبيقها يحدّ من لعبة “نشتري وقتاً” لأن الضعف يصبح مرئياً رقمياً وبشكل متكرر.
2) تدقيق أسرع وأعمق: الذكاء الاصطناعي كـ“مساعد تدقيق”
في أزمات إعادة الهيكلة، المشكلة ليست نقص أوراق بل فيض أوراق: عقود، مراسلات، قرارات ائتمانية، تحويلات، قيود محاسبية. أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على:
- قراءة الوثائق وتصنيفها واستخراج الأنماط غير الطبيعية
- رصد التعارض بين سياسات داخلية والقرارات الفعلية
- تتبع سلاسل المعاملات لاكتشاف التركيز المفرط أو المخاطر المجمّعة
هذا لا يستبدل المدقق البشري، لكنه يقلّص مساحة “الالتباس المتعمّد” ويجعل التهرب من المسؤولية أصعب.
3) تواصل أدق مع المودعين: من وعود عامة إلى خطط شخصية
إحدى أدوات “الانتظار” هي التواصل الضبابي: جملة مطاطة تصلح للجميع ولا تُلزم أحداً. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع المعايير عبر أنظمة تواصل تُظهر للمودع:
- جدولة واضحة للاستحقاقات الممكنة وفق سيناريوهات
- شرح الفروقات بين السحب النقدي، والتحويل، وأدوات السداد طويلة الأجل
- تنبيهات دقيقة عند تغيّر السياسات أو الشروط
عندما يصبح التواصل قابلاً للتتبع والقياس، تقلّ قدرة أي مؤسسة على نقل الخسارة عبر “الإرباك”.
أرقام الودائع: لماذا تُستخدم عتبة 100 ألف دولار سياسياً؟
الأرقام المتداولة في النقاش اللبناني خلال 2025 توضّح لعبة السردية:
- نحو 782 ألف حساب تحت 100,000 دولار بقيمة تقارب 14.8 مليار دولار
- ونحو 145 ألف حساب فوق 100,000 دولار بقيمة تقارب 67.4 مليار دولار
الرسالة السياسية السهلة: “سنحمي الأكثرية”. صحيح أن الأكثرية هنا بالعدد، لكنها ليست الأكثرية بالقيمة. وعندما تُبنى الخطط على “عتبات” دون تفصيل، تقع مشكلة كبيرة: الودائع المرتفعة ليست كلها ثروات شخصية؛ كثير منها سيولة شركات ورواتب وتشغيل. ضربها عشوائياً يعني ضرب الاقتصاد الحقيقي، ثم استخدام انهيار الاقتصاد حجة لتأجيل الإصلاح مجدداً.
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في نقطة حساسة هنا: التمييز بين أنواع الودائع (تشغيل شركات، حسابات رواتب، حسابات جمعيات، مدخرات أفراد...) عبر نمذجة سلوك الحسابات وتاريخ التدفقات—بما يسمح بسياسات حماية أكثر عدلاً ودقة من مجرد رقم جامد.
“سنعيد 100 ألف دولار خلال 4 سنوات”: اختبار صدق لا شعار
الفكرة تبدو مطمئنة لأنها محددة، لكن مصداقيتها تتوقف على سؤال واحد: من أين التمويل؟
إذا كان المطلوب إعادة نحو 14.8 مليار دولار خلال 4 سنوات، فهذا يعني وسطياً حوالي:
- 3.7 مليارات دولار سنوياً
- أي ما يزيد عن 300 مليون دولار شهرياً
هذه ليست “جملة سياسية”، بل التزام تمويلي ضخم. الذكاء الاصطناعي هنا لا يموّل، لكنه يفرض الانضباط عبر:
- نمذجة مصادر التمويل الممكنة (مساهمات المصارف، إيرادات أصول، استردادات، إدارة محفظة)
- تتبع التنفيذ شهرياً بمؤشرات أداء واضحة
- كشف الفجوة بين ما يُعلن وما يتحقق فعلياً
والأهم: أي خطة بلا “قفل قانوني” على مصادر التمويل ومواعيده تتحول بسهولة إلى 8 سنوات ثم 10 سنوات… بينما قيمة المال تتآكل يومياً.
أدوات السداد الطويلة: متى تصبح “حسماً مقنّعاً”؟
الأداة المالية ليست مشكلة بحد ذاتها. المشكلة حين تُستخدم لإخفاء خسارة.
عندما يُعطى المودع سنداً أو أداة سداد طويلة الأجل بقيمة اسمية كاملة، لكنه يكتشف أن بيعها في السوق يتم بخصم كبير، فهو خسر مرتين:
- خسر في القيمة (خصم/حسم)
- وخسر في الوقت (انتظار)
ولتقريب الصورة بالأرقام المتداولة (67.4 مليار دولار للودائع فوق 100 ألف):
- خصم ضمني 30% يعني خسارة تتجاوز 20 مليار دولار
- خصم 50% يعني خسارة تقارب 34 مليار دولار
الذكاء الاصطناعي مفيد هنا في جانبين:
- تسعير عادل وشفاف للأدوات عبر نماذج تقييم تأخذ المخاطر والسيولة بالحسبان، وتعرضها للمودع بلغة مفهومة.
- كشف الانحيازات: هل تُدفع فئات نحو أدوات أسوأ من غيرها؟ وهل هناك “انتقائية” في العروض؟ التحليل الآلي لتوزيع العروض ونتائجها يمكن أن يكشف ذلك بسرعة.
البنوك “الزومبي” والحل الذي لا تريد سماعه: الفرز ثم تغيير السيطرة
الحقيقة التي يتم الالتفاف حولها هي: إعادة هيكلة مصرفية فعلية تعني فرزاً.
- مصارف قابلة للاستمرار تُعاد رسملتها وفق جدول إلزامي
- مصارف غير قابلة للاستمرار تُدمج أو تُصفّى
- وفي الحالتين، قد يتطلب الأمر تغييراً في الملكية والإدارة
هذا بالضبط ما تقاومه “الرسملة الوهمية”: الحفاظ على نفس السيطرة مع نقل الخسائر إلى المجتمع.
هنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة “لا تُريح أحداً” لكنها ضرورية:
- تصنيف المصارف وفق مؤشرات موحدة ومقارنة عادلة
- كشف التركّزات الائتمانية ومخاطر الأطراف المرتبطة
- بناء لوحة متابعة عامة (حتى لو داخل الجهات الرقابية أولاً) تمنع تمييع القرار
إذا كان الإصلاح سياسياً بقدر ما هو مالي، فالتقنية تساعد على تقليل مساحة المناورة.
أسئلة يطرحها الناس… وإجابات عملية (بنَفَس واضح)
هل الذكاء الاصطناعي يمكنه إعادة الأموال للمودعين؟
لا. إعادة الأموال قرار سياسي-مالي وتمويلي. لكن الذكاء الاصطناعي يقلل فرص الخداع، ويُسرّع التدقيق، ويُحسّن الشفافية، وهذا يرفع احتمال حلول عادلة.
هل تطبيق الذكاء الاصطناعي يعني مشاركة بيانات العملاء بشكل خطر؟
إذا طُبق بشكل صحيح، لا. الشرط هو حوكمة بيانات واضحة: تقليل البيانات، تشفير، صلاحيات وصول، وتدقيق داخلي مستقل. وإلا، تتحول التقنية إلى خطر إضافي.
ما المؤشر الذي يكشف أن الخطة “وهمية”؟
المؤشر الأقوى: غياب التزامات رسملة قابلة للقياس ومُؤرَّخة، وغياب عقوبات تلقائية عند عدم الالتزام.
خطوات واقعية للبنوك وشركات الفينتك في لبنان (إذا كانوا جديين)
إذا كنت تعمل في بنك أو شركة تكنولوجيا مالية وتريد بناء ثقة فعلية في 2026، هذه الخطوات هي الأكثر منطقية:
- بناء نموذج مخاطر موحّد يربط سعر الصرف والتضخم والسيولة بكفاية رأس المال
- إنشاء “سجل قرار” رقمي للائتمان والتسعير والتعميمات الداخلية لتسهيل التدقيق
- إطلاق بوابة شفافية للمودع تُظهر سيناريوهات السداد بلغة بسيطة (لا وعود عامة)
- أتمتة مراقبة الامتثال لتقليل الاستثناءات غير المبررة
- تدريب فرق خدمة العملاء على استخدام أدوات شرح مدعومة بالبيانات لتقليل الإرباك
هذه ليست رفاهية تقنية؛ هي حد أدنى لإقناع الناس أن النظام يريد العودة إلى قواعد مصرفية طبيعية.
أين تقف هذه المقالة ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والفينتك في لبنان”؟
أنا أرى هذه الحلقة كـ“امتحان نوايا” للقطاع. لأن الحديث عن الذكاء الاصطناعي في التسويق أو الشات بوتات يبقى سطحياً إذا كان جوهر الأزمة هو انعدام العدالة المحاسبية. القيمة الأكبر للذكاء الاصطناعي في لبنان الآن ليست في الإبهار، بل في تقليص الضبابية التي تسمح بتدوير الخسائر على الناس.
إذا كان 2025 سنة إعادة فتح الملف بقوة، فـ2026 يجب أن تكون سنة تحويل النقاش من عناوين إلى أدوات: من يلتزم، وبكم، ومتى، وكيف نراقب التنفيذ شهراً بشهر.
الخطوة التالية لمن يريد قيادة هذا التحول: بناء خطة ذكاء اصطناعي “مُدقَّقة” وليست دعائية—خطة تُظهر كيف ستزيد الشفافية وتُحسّن إدارة المخاطر وتُسرّع الحسم، لا كيف ستضيف طبقة جديدة من الكلام.
هل نريد قطاعاً مصرفياً يشتري وقتاً… أم قطاعاً يُعيد بناء الثقة على أرقام لا على شعارات؟