تقرير يتوقع نمو وظائف الإمارات حتى 2030 يرفع الطلب على المواهب التقنية. إليك ما يعنيه ذلك للبنوك اللبنانية وخطة 90 يومًا لتبنّي الذكاء الاصطناعي.

سباق المواهب التقنية: ماذا يعني للبنوك اللبنانية 2030؟
في تقرير حديث لتوقّعات المهارات لعام 2025 (Workforce Skills Forecast 2025)، جرى تحليل 5,600 وظيفة عبر 10 دول لقياس أثر 34 تقنية ناشئة على الوظائف خلال السنوات الخمس المقبلة. الخلاصة التي تهمنا هنا واضحة: الإمارات تتجه لإضافة أكثر من مليون وظيفة بحلول 2030، ومعها سيرتفع الطلب على المواهب التقنية بوتيرة أسرع من كثير من القطاعات الأخرى.
هذا ليس خبرًا محليًا يخصّ الخليج فقط. بالنسبة للبنان—خصوصًا قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية—هو إنذار لطيف: السوق الإقليمي يشتعل طلبًا على المهارات الرقمية، ومن لا يجهّز نفسه اليوم سيجد نفسه غدًا يشتري المهارات بسعر أعلى… أو يخسرها لصالح أسواق أكثر جاهزية.
ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان”، هذا المقال يترجم معنى تقرير الوظائف حتى 2030 إلى قرارات عملية: كيف تستجيب البنوك اللبنانية وشركات الفنتك؟ ما هي الوظائف التي ستتغيّر فعلًا؟ وكيف يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتقليل فجوة المهارات بدل أن يكون عبئًا إضافيًا؟
تقرير 2030 ليس عن الإمارات فقط… بل عن المنافسة على الكفاءات
الجواب المباشر: عندما تنمو سوق مثل الإمارات بهذا الحجم حتى 2030، فهي لا تخلق وظائف “هناك” فقط، بل ترفع سقف الرواتب وتعيد ترتيب أولويات التوظيف في المنطقة كلها.
في منطقتنا، انتقال المواهب أسرع من انتقال رؤوس الأموال أحيانًا. مطوّر برمجيات في بيروت أو محلّل بيانات في طرابلس يستطيع العمل عن بُعد، أو الانتقال، أو الجمع بين أكثر من عقد. النتيجة؟ المصارف اللبنانية ستنافس على نفس الأشخاص الذين تطاردهم مصارف الخليج وشركاته التقنية.
لماذا يضغط ذلك على البنوك تحديدًا؟
القطاع المصرفي يعيش معادلة صعبة: مطالب أعلى من العملاء بخدمات رقمية، مع ميزانيات أكثر تحفظًا، وأنظمة قديمة (Legacy) يصعب تغييرها بسرعة. وهنا تصبح المعركة على المهارات حساسة:
- إن لم تمتلك البنك مهندسي بيانات وذكاء اصطناعي، لن يستطيع تحسين تجربة العميل رقميًا.
- إن لم يمتلك خبراء أمن سيبراني، فالتوسّع الرقمي يزيد المخاطر.
- إن لم يمتلك فرق أتمتة عمليات، ستبقى الكلفة التشغيلية مرتفعة مقارنة بالمنافسين.
الجملة التي أراها دقيقة هنا: المنافسة لم تعد على عدد الفروع، بل على سرعة تطوير منتج رقمي آمن خلال أسابيع، لا أشهر.
ما الذي يغيّره الذكاء الاصطناعي في وظائف المصارف والفنتك؟
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي لا “يلغي الوظائف” بقدر ما يعيد توزيع العمل—تقلّ الأعمال الروتينية، وتزداد الأعمال التحليلية والرقابية والتطويرية.
في لبنان، هذا مهم لأن كثيرًا من فرق البنوك تعمل تحت ضغط عملياتي كبير: مكالمات، شكاوى، مراجعات امتثال، إدخال بيانات، تسويات… هذه أعمال قابلة للأتمتة جزئيًا الآن، وليس بعد 5 سنوات.
1) خدمة العملاء: من مركز اتصالات إلى مركز قرارات
بدل أن يقضي الموظف يومه يجيب عن أسئلة متكررة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتولى:
- الرد على الأسئلة الشائعة عبر مساعد محادثة (Chatbot) بالعربية والإنجليزية
- تلخيص محادثة العميل وتحويلها إلى “تذكرة” جاهزة للمتابعة
- اقتراح أفضل إجراء (Next Best Action) لموظف الخدمة
هذا يغيّر مهارة الموظف المطلوبة من “رد سريع” إلى فهم حالة العميل، اتخاذ قرار، وتصعيد ذكي.
2) الامتثال ومكافحة غسل الأموال: ذكاء اصطناعي يقلّل الضجيج
في أنظمة الامتثال التقليدية، تظهر آلاف الإنذارات (Alerts) وكثير منها إنذارات كاذبة. نماذج الذكاء الاصطناعي قادرة على:
- تصنيف الإنذارات حسب المخاطر
- ربط أنماط معاملات تبدو منفصلة
- تسريع التحقيق عبر تلخيص السلوك المالي للعميل
الوظائف هنا تتحوّل نحو محقّق امتثال مدعوم بالبيانات بدل مُراجع يدوي.
3) التسويق المصرفي: من حملات عامة إلى تخصيص واقعي
بدل إرسال نفس الرسالة للجميع، يمكن للذكاء الاصطناعي دعم:
- تقسيم العملاء (Segmentation) حسب السلوك لا حسب العمر فقط
- توقّع احتمالية مغادرة العميل (Churn)
- تحسين توقيت الرسائل وقنواتها
وهنا تظهر مهارات جديدة: تحليل نموّ العملاء، إدارة البيانات، وقياس الأثر.
عبارة تصلح كقاعدة عمل: إذا لم تستطع قياس أثر الحملة خلال 7 أيام، فمشكلتك ليست في الإبداع بل في البيانات.
المهارات التي ستصبح “عملة صعبة” في لبنان حتى 2030
الجواب المباشر: ليست كل المهارات التقنية متساوية؛ المصارف والفنتك ستحتاج مزيجًا من مهارات الذكاء الاصطناعي + التشغيل + الحوكمة.
اعتمادًا على اتجاهات السوق الإقليمية ومعنى تقرير المهارات (تأثير التقنيات الناشئة)، هذه قائمة عملية بالمهارات الأكثر طلبًا في المؤسسات المالية خلال 2025–2030:
- هندسة البيانات (Data Engineering): بناء خطوط بيانات موثوقة، تنظيف، تكامل، جودة.
- تحليل البيانات وذكاء الأعمال (BI): لوحات قياس، مؤشرات أداء، قرارات قابلة للتنفيذ.
- تعلم الآلة وعلوم البيانات (ML/Data Science): نماذج تنبؤ، كشف احتيال، توصيات.
- MLOps وDevOps: نشر النماذج ومراقبتها وتحديثها بأمان.
- الأمن السيبراني (Cybersecurity): حماية القنوات الرقمية، إدارة الهويات، الاستجابة للحوادث.
- حوكمة الذكاء الاصطناعي (AI Governance): ضوابط، عدالة، قابلية تفسير، امتثال.
- تصميم تجربة المستخدم (UX) للمنتجات المالية: لأن أفضل نموذج ذكاء اصطناعي يفشل إن كانت التجربة مربكة.
مهارة “غير تقنية” ستصبح شرطًا للتقدم
قد تبدو مفاجأة، لكن فهم الأعمال المصرفية (Business Acumen) صار مهارة مرافقة لكل ما سبق. أنا أميل لهذا الرأي بقوة:
- محلّل بيانات لا يفهم هامش الربح والمخاطر الائتمانية سيبني تقارير جميلة… بلا قيمة.
- مهندس ذكاء اصطناعي لا يفهم دورة الامتثال سيصطدم بالجدار عند الإنتاج.
كيف تستجيب البنوك اللبنانية: خطة 90 يومًا بدل “تحوّل رقمي” بلا نهاية
الجواب المباشر: أفضل طريقة لمنافسة سباق المواهب ليست التوظيف فقط، بل رفع مهارات الفريق الحالي مع مشاريع صغيرة تُظهر عائدًا سريعًا.
أقترح مقاربة عملية على 90 يومًا، مناسبة لواقع المؤسسات اللبنانية حيث الوقت والميزانية محدودان:
الأسبوع 1–2: جرد المهارات والبيانات
- حدّد 10–15 دورًا وظيفيًا أساسيًا في البنك (خدمة، امتثال، عمليات، تسويق، IT)
- قيّم المهارات الحالية بمصفوفة بسيطة: مبتدئ/متوسط/متقدم
- راجع مصادر البيانات المتاحة: معاملات، CRM، مركز الاتصال، القنوات الرقمية
الأسبوع 3–6: مشروعان صغيران بذكاء اصطناعي “قابلان للقياس”
اختر مشروعين فقط، لكن بشروط واضحة: أثر قابل للقياس خلال شهر، ومخاطر منخفضة.
أمثلة واقعية للبنوك والفنتك:
- مساعد داخلي لموظفي خدمة العملاء: تلخيص المحادثات واقتراح ردود وسياسات.
- تصنيف شكاوى العملاء تلقائيًا: توجيه أسرع وتقليل وقت المعالجة.
مؤشرات قياس مباشرة:
- تقليل متوسط زمن الاستجابة
- زيادة الحل من أول تواصل (First Contact Resolution)
- تقليل عدد التذاكر المعاد فتحها
الأسبوع 7–10: تدريب موجّه حسب الدور (Role-Based Upskilling)
بدل دورات عامة، استخدم تدريبًا حسب الوظيفة:
- موظفو الخدمة: كتابة مطالبات فعالة، سياسات الخصوصية، التعامل مع “هلوسة” المخرجات
- فرق الامتثال: قراءة مخرجات النموذج، التحقق، متطلبات التدقيق
- فرق IT: أساسيات MLOps، مراقبة الجودة، إدارة الصلاحيات
الأسبوع 11–13: حوكمة سريعة قبل التوسع
- قواعد واضحة لاستخدام الأدوات: ما الذي يُسمح إدخاله كنص؟ وما الذي يُمنع؟
- مراجعة بشرية إلزامية في حالات حساسة (قرارات ائتمان/امتثال)
- سجلّ قرارات (Decision Log) للمخرجات المهمة
هذه ليست بيروقراطية. هذه طريقة لتجنّب فضيحة صغيرة قد تُكلّف ثقة كبيرة.
أسئلة شائعة يطرحها المدراء في لبنان (وإجابات مباشرة)
هل الأفضل التوظيف أم تدريب الفريق؟
التدريب أولًا. التوظيف وحده مكلف وبطيء، خصوصًا مع ارتفاع الطلب الإقليمي. ابدأ بتدريب 20–30% من الفريق على مهارات “الأساسيات”، ثم وظّف للأدوار النادرة.
هل الذكاء الاصطناعي مناسب في بيئة تنظيمية حسّاسة مثل المصارف؟
نعم إذا بدأت بحالات استخدام داخلية منخفضة المخاطر، ومع ضوابط واضحة للبيانات والخصوصية والمراجعة البشرية.
ما أسرع مجال يعطي عائدًا؟
خدمة العملاء والعمليات. لأن حجم العمل الروتيني كبير، وأي تقليل لدقائق المعالجة يظهر سريعًا في الكلفة والرضا.
ماذا يعني نمو وظائف الإمارات للبنان: فرصة لا تهديد
الجواب المباشر: نمو الوظائف حتى 2030 في الإمارات يفتح بابين للبنان—إما تصدير المواهب فقط، أو بناء منتجات وخدمات مالية رقمية تنافس إقليميًا.
أنا أميل للسيناريو الثاني، لكنه يتطلب قرارًا إداريًا واضحًا: الذكاء الاصطناعي ليس مشروعًا تقنيًا، بل مشروع إنتاجية وثقة. البنوك اللبنانية التي تبدأ الآن بتحديث مهارات فرقها، وأتمتة نقاط الألم، وبناء حوكمة سليمة، ستكسب ميزة لا تُشترى بسهولة لاحقًا.
إذا كان هذا المقال جزءًا من سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان”، فالسؤال الذي يستحق أن نختم به هو: هل نريد أن نكون سوقًا يستهلك حلول الذكاء الاصطناعي… أم سوقًا يطوّرها ويصدّر خبرته؟
خطوة عملية أخيرة: اختر عملية واحدة تُرهق فريقك اليوم، واجعلها “أول حالة استخدام” للذكاء الاصطناعي خلال 30 يومًا—ثم قِس الأثر بالأرقام، وكرّر.