طلب المواهب التقنية يرتفع: فرصة ذهبية لبنوك لبنان بالذكاء

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنانBy 3L3C

ارتفاع طلب المواهب التقنية حتى 2030 يضغط على بنوك لبنان للتحول بالذكاء الاصطناعي. خطوات عملية لحالات استخدام واقعية وحوكمة ومهارات مطلوبة.

ذكاء اصطناعيبنوك لبنانتكنولوجيا ماليةمواهب تقنيةتحول رقميحوكمة البيانات
Share:

Featured image for طلب المواهب التقنية يرتفع: فرصة ذهبية لبنوك لبنان بالذكاء

طلب المواهب التقنية يرتفع: فرصة ذهبية لبنوك لبنان بالذكاء

في تقرير حديث عن سوق العمل في المنطقة، جاءت رسالة واضحة: التكنولوجيا—وخاصة الذكاء الاصطناعي—لم تعد “قسم IT” في الخلفية، بل محرّك وظائف ونمو. التقرير الذي تناول توقعات المهارات لعام 2025 أشار إلى أن الإمارات مرشّحة لإضافة أكثر من مليون وظيفة بحلول 2030، مع ارتفاع متوقّع في الطلب على المهارات التقنية بفعل عشرات التقنيات الناشئة التي تعيد تشكيل سوق العمل.

هذا الرقم لا يخص الإمارات وحدها. أنا أقرأه كإشارة إقليمية: عندما تُعيد دولة بحجم الإمارات هيكلة سوق العمل حول التكنولوجيا، فهذا يرفع سقف التوقعات لدى العملاء والموظفين في المنطقة—ومن بينهم اللبنانيون. البنوك وشركات التكنولوجيا المالية في لبنان أمام لحظة مفصلية: إمّا أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة تحسين تدريجي، أو كخيار استراتيجي لإعادة بناء الخدمة المصرفية وتحديث المهارات واستقطاب المواهب.

الفكرة الأساسية في هذا المقال ضمن سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان»: التحوّل لا يبدأ بشراء منصة ذكاء اصطناعي، بل بتحديد الوظائف التي يجب أن تتغير، والمهارات التي يجب أن تُبنى، والمخاطر التي يجب أن تُدار.

ماذا يعني “مليون وظيفة جديدة” للبنوك في لبنان؟

الجواب المباشر: يعني منافسة أشد على الكفاءات التقنية، وتوقعات أعلى من العملاء، وضغطاً متزايداً على البنوك لتحديث عملياتها بسرعة.

التقرير (بحسب ملخصه) استند إلى تحليل 5,600 دور وظيفي عبر 10 دول وقياس أثر 34 تقنية ناشئة على الوظائف خلال خمس سنوات. عندما تُقاس الوظائف بهذا الشكل، فالموضوع لا يتعلق فقط بزيادة عدد المبرمجين. بل يتعلق بتغيّر طبيعة الوظيفة نفسها: موظف خدمة العملاء يصبح “موجّهاً” لروبوت محادثة، ومدير المخاطر يعمل مع نماذج تنبؤية، وفرق الامتثال تحتاج فهمًا عمليًا لبيانات النماذج.

في لبنان، التأثير مضاعف لسببين:

  1. هجرة الكفاءات تجعل استقطاب خبراء البيانات والبرمجيات أصعب وأغلى.
  2. العميل تغيّر: يتوقع تجربة رقمية سريعة ودقيقة، حتى لو كان واقع البنية التحتية والاقتصاد مختلفًا.

النتيجة؟ البنك الذي يستثمر في الذكاء الاصطناعي بشكل واقعي—محدّد الاستخدامات، مضبوط المخاطر—يستطيع تحسين الخدمة وتقليل التكاليف التشغيلية، ويصبح أكثر جاذبية للموهبة التي تبحث عن بيئة حديثة.

أين يدخل الذكاء الاصطناعي في المصارف اللبنانية فعلاً؟

الجواب المباشر: في نقاط الاحتكاك اليومية مع العميل، وفي العمليات التي تستهلك وقت الموظف دون قيمة عالية.

بدلاً من الحديث العام، هذه أكثر حالات الاستخدام التي أراها منطقية وواقعية في لبنان خلال 6–18 شهرًا، حتى مع قيود البيانات والامتثال:

1) خدمة العملاء: من “الردود” إلى “حلّ المشكلات”

روبوتات المحادثة (chatbots) والـvoice bots ليست للرد على الأسئلة الشائعة فقط. القيمة الحقيقية تظهر عندما تُصمم لتقوم بثلاثة أشياء:

  • فهم نية العميل (استعلام، شكوى، طلب خدمة)
  • توجيه الطلب للمسار الصحيح (حل ذاتي أو تصعيد لموظف)
  • تلخيص المحادثة لموظف الخدمة لتقليل زمن المعالجة

هذا مهم في لبنان لأن مراكز الاتصال تعاني غالبًا من ضغط، وتفاوت في جودة الردود بين الموظفين، وتحدي توثيق المحادثات. الذكاء الاصطناعي هنا لا “يستبدل” الفريق؛ بل يخفف الضغط ويزيد الاتساق.

2) الامتثال ومكافحة الاحتيال: ذكاء أسرع، وليس عقوبات أكثر

الذكاء الاصطناعي يساعد في الكشف عن الأنماط غير المعتادة في المعاملات، وتجميع الإشارات المتفرقة التي يصعب على الإنسان التقاطها بسرعة.

لكن المعيار الذهبي هنا هو: تقليل الإيجابيات الكاذبة. لأن إنذارًا خاطئًا يعني وقتًا ضائعًا، وعميلًا منزعجًا، وربما تعطّل خدمة.

3) التسويق المصرفي: محتوى أدق وحملات أقرب للواقع

ضمن موضوع السلسلة، التسويق ليس ترفًا. في بيئة حساسة مثل لبنان، الرسائل يجب أن تكون دقيقة ومناسبة ثقافيًا ومتوافقة مع سياسات البنك.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في:

  • إنتاج مسودات رسائل حملات SMS وWhatsApp وبريد إلكتروني مع لغة واضحة وغير مبهمة
  • اختبار صيغ متعددة (A/B) بسرعة
  • بناء شرائح عملاء بناءً على السلوك (دون انتهاك الخصوصية)

جملة عملية أكررها: الذكاء الاصطناعي يسرّع الكتابة، لكنه لا يملك الحق في اتخاذ قرار النشر دون مراجعة بشرية وامتثال.

4) أتمتة العمليات الداخلية: وقت أقل للورقيات، وقت أكثر للعميل

البنوك مليئة بعمليات متكررة: نماذج، مراجعات، تدقيق، إدخال بيانات، مطابقة مستندات.

النهج الأكثر واقعية هو دمج الذكاء الاصطناعي مع RPA (أتمتة العمليات الروبوتية) لتحقيق:

  • قراءة المستندات (OCR) واستخراج البيانات
  • التحقق من اكتمال الطلبات
  • إنشاء ملخصات للملفات الائتمانية للموظفين

“المواهب التقنية ترتفع” — ما المهارات التي تحتاجها بنوك لبنان؟

الجواب المباشر: ليست “مهندس ذكاء اصطناعي” فقط. البنك يحتاج فريقًا مختلطًا: بيانات + أعمال + مخاطر + أمن + امتثال.

إذا قرر بنك لبناني أن يبدأ مشروع ذكاء اصطناعي خلال 2026، فهذه أهم المهارات التي يجب أن يبنيها داخليًا أو يستقطبها عبر شركاء:

مهارات تقنية أساسية

  • هندسة البيانات: تنظيف البيانات، بناء خطوط البيانات، جودة البيانات
  • تحليلات وعلوم البيانات: نماذج تنبؤية، كشف شذوذ، قياس الأداء
  • هندسة تعلم الآلة: نشر النماذج، مراقبتها، إدارة الانحراف (model drift)
  • أمن المعلومات: حماية البيانات، إدارة الوصول، اكتشاف التسريب

مهارات “بين التقنية والأعمال” (هي غالبًا نقطة الضعف)

  • تحليل أعمال متمرس بالذكاء الاصطناعي: تحويل حاجة العمل إلى حالة استخدام قابلة للقياس
  • إدارة منتجات رقمية: تحديد الأولويات وفق أثر واضح على العميل والتكلفة
  • كتابة سياسات استخدام: متى نستخدم النموذج؟ متى نوقفه؟ من يوافق؟

مهارات الامتثال والحوكمة

  • تقييم مخاطر الطرف الثالث (Vendor Risk)
  • خصوصية البيانات والاحتفاظ بها
  • توثيق القرارات الآلية وشرحها عند الحاجة

تجربتي تقول: أكثر البنوك تعثرًا هي التي تبدأ بالموديل قبل أن تضبط البيانات والحوكمة.

خطة عملية من 90 يومًا لبدء الذكاء الاصطناعي في بنك لبناني

الجواب المباشر: ابدأ بثلاث حالات استخدام صغيرة، ضع ضوابط واضحة، واثبت قيمة قابلة للقياس قبل التوسع.

هذه خطة مختصرة قابلة للتنفيذ دون “مشروع عملاق”:

(1) الأسبوع 1–3: اختيار حالات استخدام ذات أثر سريع

اختر 2–3 حالات استخدام وفق هذه المعايير:

  • بيانات متاحة نسبيًا
  • مخاطرة قانونية/امتثال قابلة للإدارة
  • أثر واضح خلال 8–12 أسبوعًا

أمثلة مناسبة كبداية:

  • تلخيص مكالمات/دردشات خدمة العملاء لموظفي المركز
  • تصنيف الشكاوى وتوجيهها آليًا
  • استخراج بيانات من مستندات الطلبات (مع مراجعة بشرية)

(2) الأسبوع 4–6: “ضبط الملعب” قبل اللعب

  • تحديد مصادر البيانات المسموحة
  • وضع سياسة: ما الذي يُمنع إدخاله في أدوات الذكاء الاصطناعي؟
  • اعتماد آلية Human-in-the-loop (لا قرار نهائي دون إنسان في البداية)

(3) الأسبوع 7–10: بناء نموذج تشغيل وقياس واضح

حدّد مقاييس نجاح بسيطة ومباشرة:

  • زمن الاستجابة في خدمة العملاء (قبل/بعد)
  • نسبة التصعيد لموظف بشري
  • عدد الأخطاء أو الحالات التي فشل فيها النموذج
  • رضا العملاء على تفاعل الدعم

(4) الأسبوع 11–13: توسيع مدروس أو إيقاف شجاع

إذا لم تتحقق النتائج، أوقف أو عدّل. الذكاء الاصطناعي ليس مشروع “سمعة”؛ هو مشروع “نتائج”.

أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون في لبنان (وأجوبتها بلا تجميل)

الجواب المباشر: التردد مفهوم، لكن الانتظار الكامل مكلف—خصوصًا مع اشتداد المنافسة الإقليمية على المواهب.

هل الذكاء الاصطناعي يعني تقليص الموظفين؟

أحيانًا يقلّ العمل المتكرر، نعم. لكن الأكثر واقعية هو إعادة توزيع الوقت: موظف خدمة العملاء يصبح أقرب للاستشارة، وموظف العمليات يتحول لمراقبة الجودة والاستثناءات.

ماذا عن خصوصية البيانات؟

القاعدة العملية: ابدأ بحالات استخدام لا تحتاج بيانات حساسة، ثم ارتقِ تدريجيًا مع ضوابط صارمة. لا تُدخل بيانات تعريف شخصية في أدوات غير معتمدة، ولا تتعامل مع النماذج كصندوق أسود.

هل نحتاج ميزانية ضخمة؟

ليس بالضرورة. لكن تحتاج ميزانية واضحة لحوكمة البيانات، وأمن المعلومات، وتدريب الموظفين. كثيرون يركزون على شراء الأداة وينسون تكلفة التشغيل الآمن.

لماذا هذا مهم الآن تحديدًا (نهاية 2025)؟

الجواب المباشر: لأن موجة الطلب على المهارات التقنية إقليميًا سترفع كلفة الانتظار في لبنان.

عندما تشير تقارير سوق العمل إلى نمو كبير في وظائف التقنية حتى 2030، فذلك يعني أن المواهب ستذهب إلى أماكن لديها مشاريع حقيقية ومسارات مهنية واضحة. البنوك اللبنانية التي تبدأ الآن—بشكل متدرّج ومسؤول—لن تحسن الخدمة فقط، بل ستبني بيئة عمل تجذب الموهوبين بدل أن تخسرهم.

الخطوة التالية التي أنصح بها: اختَر حالة استخدام واحدة تمس العميل مباشرة، وحالة استخدام داخلية تقلل وقت الموظف، ثم ابنِ “مكتب حوكمة ذكاء اصطناعي” صغيرًا يجمع التقنية والامتثال والأمن.

إذا كان تقرير الوظائف في الإمارات يتحدث عن مليون فرصة، فالسؤال الذي يهمنا في لبنان هو: هل ستصبح مصارفنا مكانًا يخلق فرصًا رقمية جديدة، أم مجرد سوق يستهلك حلولًا جاهزة دون بناء قدرات؟