أتمتة البنوك بالذكاء الاصطناعي في لبنان: من تجربة إلى أرباح

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنانBy 3L3C

دليل عملي للبنوك والـfintech في لبنان لتفادي أخطاء الأتمتة: التنسيق والحوكمة واختيار حالات استخدام بعائد قوي لانتقال ناجح إلى الذكاء الاصطناعي.

أتمتة مصرفيةذكاء اصطناعيRPAحوكمة البياناتتجربة العملاءCFOFintech لبنان
Share:

Featured image for أتمتة البنوك بالذكاء الاصطناعي في لبنان: من تجربة إلى أرباح

أتمتة البنوك بالذكاء الاصطناعي في لبنان: من تجربة إلى أرباح

في المصارف وشركات التكنولوجيا المالية في لبنان، أكثر شيء يضيّع الوقت ليس «نقص الأفكار»، بل تراكم أعمال صغيرة ومتكرّرة: تسويات يومية، مطابقة مستندات، متابعة شكاوى، تدقيق امتثال، رسائل خدمة عملاء… تفاصيل تستهلك فرقاً كاملة. كثيرون يجرّبون الأتمتة والذكاء الاصطناعي عبر مشروع تجريبي سريع، ثم يتعثرون عند السؤال الحقيقي: كيف نحول التجربة إلى عائد مستدام على مستوى المؤسسة؟

الخبر الذي يهمنا اليوم ليس عن منتج بعينه، بل عن سبب تعطل برامج الأتمتة داخل المؤسسات كما يراه دانيال داينز، مؤسس ومدير UiPath. فكرته الأساسية واضحة: المشكلة غالباً ليست في الطموح ولا في التقنية، بل في الحوكمة والتوسّع والتنسيق (Orchestration). وهذا الدرس مهم جداً للبنان لأن قطاع الخدمات المالية لدينا يعمل تحت ضغط: ميزانيات مشدودة، متطلبات امتثال عالية، أنظمة قديمة جنباً إلى جنب مع قنوات رقمية جديدة، وتوقعات عميل تغيّرت جذرياً.

في هذه المقالة ضمن سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان»، سأضع الدروس على الطاولة بصراحة: ما الذي “يكسر” برامج الأتمتة في البنوك؟ وما الذي يجعلها تتحول من إثبات فكرة إلى أرباح ووقت مُستعاد وثقة أعلى؟

لماذا تفشل مبادرات الأتمتة في المصارف؟ السبب ليس الذكاء الاصطناعي

الجواب المباشر: تفشل لأنها تُدار كمشاريع مجزأة داخل أقسام منفصلة، لا كبرنامج مؤسسي له قيادة وحوكمة وخارطة طريق.

من واقع ما نراه في المنطقة، قسم العمليات يطلق روبوتات لـKYC، قسم خدمة العملاء يجرب مساعداً ذكياً للرد، وقسم الامتثال يريد تدقيقاً تلقائياً… وكل فريق يعمل وحده. النتيجة؟ مكاسب محلية صغيرة، لكن لا يوجد “نظام تشغيل” مؤسسي يضمن:

  • توحيد المعايير (الأمان، السجلات، صلاحيات الوصول)
  • إعادة استخدام المكوّنات (نفس خطوات التحقق، نفس قوالب المستندات)
  • قياس العائد بشكل متّسق
  • التعامل مع المخاطر عندما يدخل الذكاء الاصطناعي في قرارات حساسة

وهنا تأتي فكرة داينز: الأتمتة ليست سلسلة «بوتات» متفرقة، بل تنسيق سير العمل بين البشر والروبوتات ووكلاء الذكاء الاصطناعي عبر المؤسسة.

أسطورة شائعة في البنوك اللبنانية: “لنبدأ بمشروع صغير”

المشاريع الصغيرة مفيدة، لكن الأسطورة هي الاعتقاد أن “المشروع الصغير” يمكن أن ينجح من دون تصميم قابل للتوسع. أنا مع البدء بخطوة صغيرة… بشرط أن تُبنى على أساس صحيح: نفس الحوكمة، نفس القياس، ونفس معايير البيانات.

الفخ الأول: الأتمتة على شكل «جزر» بدل التنسيق عبر المؤسسة

الجواب المباشر: الأتمتة الجزرية تُنتج وفراً محدوداً وتزيد التعقيد مع الوقت.

في البنك، معظم العمليات ليست ملك قسم واحد. مثال لبناني واقعي جداً: “قرض صغير/تمويل” يمر عبر المبيعات، المخاطر، الامتثال، العمليات، ثم خدمة العملاء للتحصيل والاستفسارات. إذا أتمتَ كل قسم خطوة بمعزل عن الآخر، ستربح دقائق وتخسر الصورة الكبيرة.

ما هو “التنسيق” عملياً؟

التنسيق يعني وجود طبقة تتحكم في:

  1. من يفعل ماذا؟ (موظف، روبوت RPA، وكيل ذكاء اصطناعي)
  2. متى يتم التصعيد للبشر؟ (عند الشك، نقص بيانات، تعارض)
  3. كيف تُسجل القرارات وتُراجع؟ (سجلات تدقيق، تتبع)
  4. كيف يُدار التغيير؟ (عندما تتغير نماذج، سياسات، أو شاشات نظام قديم)

في لبنان، هذا مهم لأن كثيراً من البنوك تجمع بين أنظمة أساسية قديمة وقنوات رقمية حديثة. بدون تنسيق، ستتحول الأتمتة إلى “ترقيع”.

مثال سريع: أتمتة معالجة شكاوى العملاء

بدلاً من روبوت يلتقط بريد الشكوى فقط، يمكن بناء تدفق مؤسسي:

  • وكيل ذكاء اصطناعي يصنّف الشكوى ويستخرج البيانات الأساسية
  • روبوت يدخل البيانات إلى نظام التذاكر ويجمع معلومات من الأنظمة الداخلية
  • قواعد امتثال تتحقق من كلمات حساسة (احتيال، تسريب، شكوى رسمية)
  • موظف يتدخل عند حالات معقدة أو حساسة
  • لوحة تحكم تقيس زمن الحل، الأسباب، ونقاط الانقطاع

الفارق هنا ليس “ذكاء أعلى” فقط. الفارق هو أن العملية أصبحت من طرف إلى طرف.

الفخ الثاني: اختيار حالات استخدام “لطيفة” بعائد ضعيف

الجواب المباشر: عائد الاستثمار (ROI) يتبخر عندما تختار حالة استخدام سهلة لكنها غير مؤثرة.

داينز يحذّر من حالات استخدام منخفضة الأثر لأن برامج الأتمتة تصبح أول ضحية عند مراجعة الميزانيات. في لبنان، هذا يزداد حدة لأن أي مبادرة لا تُظهر وفراً واضحاً ستتوقف.

كيف تختار حالة استخدام مصرفية ذات عائد قوي؟

اختيار الحالة يجب أن يُبنى على 3 أرقام، لا على الانطباعات:

  1. الحجم (Volume): كم معاملة/طلب/مستند شهرياً؟
  2. زمن المعالجة (Time): كم دقيقة/ساعة تُستهلك لكل حالة؟
  3. المخاطر (Risk): ما تكلفة الخطأ أو التأخير؟ (امتثال، سمعة، غرامات)

إذا كان لديك حجم كبير + وقت كبير + مخاطرة عالية، فهذه “منجم ذهب” للأتمتة.

دراسة حالة مُلهِمة: الفواتير في Canon (ولماذا تهم CFO المصرف)

في المثال الذي يذكره داينز، واجهت Canon تدفقاً يصل إلى 5,000 فاتورة مورد شهرياً، الكثير منها ورقي ومعقد. بعد أقل من 9 أشهر من التطبيق، تمت معالجة نحو 40,000 فاتورة (حوالي 4,500 شهرياً) وبلغت المعالجة من دون تدخل بشري حوالي 90% بدل هدف 75%.

هذا النوع من العمليات موجود حرفياً في عالم CFO المصرف: فواتير، مشتريات، مطالبات، تسويات، مطابقة، تقارير. الدرس هنا: عندما تضرب “المكان الصحيح”، تظهر النتائج بسرعة وبأرقام تُقنع الإدارة.

الانتقال إلى «الذكاء الاصطناعي الوكيلي»: المكاسب أكبر… والمخاطر أيضاً

الجواب المباشر: وكلاء الذكاء الاصطناعي يرفعون سقف الأتمتة من تنفيذ خطوات إلى اتخاذ قرارات داخل حدود واضحة، وهذا يحتاج حوكمة أقوى.

المصرف لا يحتاج فقط روبوت يضغط أزراراً. يحتاج أنظمة تفهم مستندات، تلخص مكالمات، تقترح ردوداً، وتساعد الموظف على اتخاذ القرار. لكن هنا خط أحمر: أي ذكاء اصطناعي يلمس بيانات مالية وشخصية يجب أن يعمل ضمن إطار صارم.

نموذج عملي لتوزيع العمل بين البشر والأنظمة

أفضل تصميم رأيته هو الذي يوزّع المهام كالتالي:

  • الإنسان: الحالات الاستثنائية، القرارات الحساسة، التواصل النهائي في الشكاوى المعقدة
  • RPA (روبوتات): إدخال بيانات، نقل بين أنظمة، مطابقة قواعد ثابتة
  • وكيل ذكاء اصطناعي: قراءة مستندات غير منظمة، تصنيف، تلخيص، اقتراحات، اكتشاف تناقضات

جملة مفيدة لتقييم أي مشروع: إذا لم يكن واضحاً “من المسؤول عن القرار”، فالمشروع غير جاهز للإطلاق.

حوكمة الذكاء الاصطناعي في البنوك اللبنانية: ماذا يعني ذلك عملياً؟

  • سياسات واضحة لخصوصية البيانات (من يرى ماذا؟ وأين تُخزّن البيانات؟)
  • سجلات تدقيق لكل قرار أو توصية ينتجها النظام
  • اختبارات تحيز وأخطاء (خصوصاً في الائتمان والشكاوى)
  • آلية إيقاف سريع (Kill switch) عند سلوك غير متوقع
  • تدريب الموظفين: كيف يستخدمون المخرجات، وكيف يرفضونها عندما يلزم

لماذا يقود CFO برامج الأتمتة الناجحة؟ لأن العائد لا يختبئ

الجواب المباشر: لأن CFO ينظر للنتيجة من طرف إلى طرف ويقيس الأثر على الربحية والسيولة والمخاطر، لا على “مهمة واحدة”.

عندما تصبح الأتمتة مبادرة تقنية فقط، تنحصر في أدوات وطلبات فرق. عندما تصبح مبادرة مالية تشغيلية يقودها CFO (مع CIO/CTO والامتثال طبعاً)، تتحول إلى برنامج له أهداف ملموسة.

لوحة قياس (Dashboard) بسيطة تفرض الانضباط

إذا كنت في بنك أو شركة fintech في لبنان، ضع هذه المؤشرات أسبوعياً أمام الإدارة:

  1. نسبة المعالجة دون تدخل بشري (Straight-through processing)
  2. زمن الدورة (Cycle time) قبل/بعد
  3. معدل الأخطاء وإعادة العمل (Rework)
  4. عدد الحالات التي صعّدها النظام للبشر ولماذا
  5. قيمة التوفير الشهرية (وقت + أخطاء أقل + شكاوى أقل)

هذه الأرقام تحمي المشروع عندما تبدأ الأسئلة الصعبة عن الميزانية.

خطة 90 يوماً للبنوك وشركات fintech في لبنان: من تجربة إلى توسّع

الجواب المباشر: ابدأ بعملية واحدة عالية العائد، لكن صمّمها منذ اليوم الأول لتصبح قابلة للنسخ والتوسع مع حوكمة واضحة.

الأسبوع 1-2: اختيار العملية الصحيحة

  • اختر عملية ذات حجم كبير (آلاف الحالات/شهرياً) واحتكاك واضح مع العملاء أو الامتثال
  • عرّف “مالك العملية” Business Owner (ليس فقط مدير مشروع تقني)
  • حدد خط أساس للأرقام: وقت، تكلفة، أخطاء

الأسبوع 3-6: بناء نموذج تنسيق بسيط

  • حدد أين يدخل الإنسان وأين يخرج
  • صمم مسار تصعيد واضح للحالات الاستثنائية
  • جهّز سجلات تدقيق واختبارات قبول (UAT) بإشراف الامتثال

الأسبوع 7-10: إطلاق مضبوط وقياس يومي

  • ابدأ بإطلاق محدود (قسم/فرع/نوع معاملات)
  • راقب الأخطاء وأسباب التصعيد
  • حسّن القواعد قبل توسيع النطاق

الأسبوع 11-13: توسيع بنَفَس مؤسسي

  • انسخ نفس النمط على عملية ثانية قريبة (مثلاً من “شكاوى” إلى “نزاعات بطاقات”)
  • أنشئ “مكتبة مكوّنات” قابلة لإعادة الاستخدام: قوالب، قواعد، موصلات، سياسات
  • وثّق الدروس، ودرّب فريقاً داخلياً لا يعتمد على مورد خارجي في كل تعديل

أين يدخل الذكاء الاصطناعي في التسويق والتواصل؟ في المكان الذي يراه العميل

الجواب المباشر: النجاح لا يقتصر على العمليات الخلفية؛ الربح الأكبر يأتي عندما يتحسن تواصل البنك مع العميل بسرعة ودقة وبنبرة موحّدة.

ضمن موضوع سلسلتنا، البنوك اللبنانية التي تربح أسرع عادةً تربط الأتمتة بـ3 نقاط مواجهة مع العميل:

  • ردود خدمة العملاء (زمن أقل، جودة أعلى، تصعيد صحيح)
  • محتوى توعوي مالي مخصص (حسب شريحة العميل وسلوكه)
  • حملات إعادة تفعيل العملاء (رسائل دقيقة بدل إغراق عام)

لكن حتى هنا، نفس القاعدة: تنسيق + حوكمة + قياس. لا أحد يريد مساعداً ذكياً يرسل رسالة خاطئة في وقت حساس.

الخطوة التالية: ما الذي أطلبه منك قبل أي “منصة” أو “أداة”؟

إذا كنت مسؤولاً في بنك أو شركة fintech في لبنان وتفكر في أتمتة بالذكاء الاصطناعي، لا تبدأ بقائمة أدوات. ابدأ بثلاثة أسئلة تشغيلية:

  1. ما العملية التي تستهلك أكبر وقت وتسبب أكبر شكوى أو مخاطرة؟
  2. من يملك القرار عندما يخطئ النظام أو يلتبس عليه الأمر؟
  3. ما المؤشرات الرقمية التي ستثبت العائد خلال 30/60/90 يوماً؟

إذا كانت إجاباتك واضحة، ستعرف بالضبط لماذا بعض البرامج “تتوقف بعد التجربة”، ولماذا برامج أخرى تتحول إلى أرباح وثقة وتحسّن فعلي في تجربة العميل.

والسؤال الذي يحدد 2026 للبنوك اللبنانية: هل سنبقى نعامل الذكاء الاصطناعي كأداة تجريبية… أم كنظام عمل مؤسسي يرفع الإنتاجية ويحمي الامتثال ويُحسّن الخدمة في آن واحد؟