أخطاء أتمتة الذكاء الاصطناعي في بنوك لبنان وكيف تتفاداها

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنانBy 3L3C

تعرف على أخطاء أتمتة الذكاء الاصطناعي في البنوك اللبنانية: الجزر المنعزلة، حالات منخفضة الأثر، وغياب الحوكمة. خطوات عملية لROI واضح.

Agentic AIRPAحوكمةبنوك لبنانFinTechتحول رقمي
Share:

Featured image for أخطاء أتمتة الذكاء الاصطناعي في بنوك لبنان وكيف تتفاداها

أخطاء أتمتة الذكاء الاصطناعي في بنوك لبنان وكيف تتفاداها

في نهاية 2025، صار واضحاً أنّ معظم مبادرات الذكاء الاصطناعي في البنوك اللبنانية لا تفشل لأنّ التقنية “غير جاهزة”، بل لأنها تُدار كـ«مشروع صغير» بدل أن تُبنى كقدرة مؤسسية قابلة للتوسّع. كثير من الفرق تبدأ بتجربة سريعة في قسم خدمة العملاء أو الامتثال، ثم تتفاجأ بعد أشهر بأنّ العائد لم يظهر، وأنّ المشروع توقف عند حدّ “Pilot” أنيق.

هذا بالضبط ما حذّر منه دانيال داينز، الرئيس التنفيذي لشركة UiPath، عندما تحدث عن السبب الحقيقي الذي “يكسر” برامج الأتمتة على مستوى المؤسسات: العمل داخل جزر منعزلة، اختيار حالات استخدام منخفضة الأثر، وغياب التنسيق والحوكمة. في لبنان، هذه المشاكل تأخذ شكلاً أكثر حدّة بسبب تداخل الأنظمة القديمة، قيود المخاطر والامتثال، وتشتت البيانات بين القنوات.

ما أريد تقديمه هنا ليس إعادة سرد لما قيل في المقابلة، بل ترجمة الدروس إلى واقع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان: ما الذي ينجح فعلاً؟ ما الذي ينهار بسرعة؟ وكيف تبني برنامج أتمتة وذكاء اصطناعي يثبت نفسه أمام الإدارة، والرقابة، والميزانية؟

لماذا لا يصل الذكاء الاصطناعي في البنوك إلى عائد استثماري؟

الجواب المباشر: لأنّه يُطبَّق كحلّ موضعي بدل أن يُدار كـمنظومة أتمتة على مستوى المؤسسة.

عندما يطبّق قسم واحد روبوتات RPA أو “مساعداً ذكياً” من دون ربطه بسير العمل عبر الأقسام، يصبح الأثر محدوداً، والقياس صعباً، والتكرار مكلفاً. في المصارف تحديداً، نفس الخطوات تتكرر في أماكن متعددة:

  • التحقق من هوية العميل (KYC) بين الفروع والقنوات الرقمية
  • مراجعة المستندات بين الائتمان والعمليات والامتثال
  • تسوية المعاملات بين العمليات والمالية
  • معالجة الشكاوى بين خدمة العملاء وإدارة المخاطر

إذا أتمتّ جزءاً واحداً فقط، قد تُحسّن وقت خطوة واحدة، لكنك تترك “الزحام الحقيقي” كما هو: انتقال الملفات، الموافقات، الاستثناءات، والرجوع اليدوي للبيانات.

جملة تصلح كقاعدة: الأتمتة التي لا تعبر الأقسام تخلق سرعة داخل قسم واحد، وبطئاً أكبر بين الأقسام.

“الجزيرة التقنية” هي العدو الأول

في لبنان، يظهر هذا على شكل أدوات ذكاء اصطناعي منفصلة: chatbot هنا، نظام كشف احتيال هناك، OCR في قسم المستندات… لكن لا توجد طبقة تنسيق تدير من يفعل ماذا ومتى.

النتيجة المعتادة:

  • ازدواجية في قواعد البيانات ونماذج التقييم
  • تضارب في الصلاحيات والمسؤوليات
  • صعوبة في تتبع القرار الآلي أثناء التدقيق
  • ارتفاع تكلفة التشغيل لأنّ كل فريق يبني نفس الأشياء مجدداً

الخطأ القاتل: اختيار حالات استخدام “لطيفة” لكنها ضعيفة الأثر

الجواب المباشر: كثير من المؤسسات تختار حالات استخدام سهلة العرض في عرض تقديمي، لكن عائدها غير مستدام.

الرئيس التنفيذي لـUiPath وصف ذلك بدقة: اختيار حالة استخدام منخفضة التأثير يجعل البرنامج هشاً عند أول مراجعة ميزانية أو ظرف اقتصادي ضاغط. هذا ينطبق على لبنان حرفياً: أي مبادرة لا تُظهر أثراً على الإيرادات/التكاليف/المخاطر بسرعة ستُصنّف “تجربة” وتُركن.

كيف تختار حالات استخدام ذات ROI واضح في البنوك اللبنانية؟

بدلاً من “تجربة لطيفة”، اختر مسارات تُنتج رقماً واضحاً خلال 8–12 أسبوعاً. أمثلة عملية في السياق المصرفي والـFinTech:

  1. أتمتة معالجة المستندات في القروض

    • قراءة المستندات (OCR + فهم نص)
    • استخراج الحقول (الراتب، جهة العمل، تاريخ التوظيف)
    • إدخال البيانات تلقائياً في الأنظمة الأساسية
    • تقليل الأخطاء وإعادة العمل
  2. تسريع KYC وتجديد بيانات العملاء

    • تنبيه ذكي للوثائق المنتهية
    • مطابقة تلقائية مع قواعد داخلية
    • مسار استثناءات واضح للحالات المعقدة
  3. أتمتة الاعتراضات والنزاعات (Disputes)

    • فرز الطلبات بحسب النوع والاحتمالية
    • توليد مسودة ردّ مدعّمة بالأدلة
    • تتبع الزمن حتى الإغلاق
  4. مركزية معالجة الفواتير والمشتريات (Procure-to-Pay)

    • وهذا قريب جداً من مثال Canon الذي حقق 90% معالجة دون تدخل بشري عند هدف أولي 75%—المغزى: العمليات “الورقية” ذات الحجم العالي هي منجم ROI.

قاعدة قرار سريعة (أستخدمها كثيراً)

إذا كانت الحالة:

  • عالية الحجم (Hundreds/Thousands شهرياً)
  • قليلة الاستثناءات
  • مرتبطة بمخاطر/امتثال
  • فيها وقت ضائع بين الأقسام

فهي مرشحة ممتازة لأتمتة قابلة للتوسع.

التوسّع لا يحدث بلا “تنسيق” (Orchestration) وحوكمة

الجواب المباشر: الانتقال من RPA إلى الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI) يضاعف الحاجة للتنسيق والحوكمة، لا يقللها.

عندما تبدأ بإدخال وكلاء ذكاء اصطناعي يتخذون خطوات (اقتراح، تصنيف، إنشاء ردّ، فتح تذكرة، طلب موافقة)، ستحتاج جواباً واحداً عن سؤال بسيط: من المسؤول عن القرار النهائي؟

ما معنى “التنسيق” في بنك لبناني؟

هو أن تملك طبقة تشغيل تُدير التعاون بين:

  • الموظف (حالات الاستثناء، القرار النهائي)
  • الروبوت (خطوات إدخال/نقل/تسوية)
  • وكيل الذكاء الاصطناعي (تصنيف، اقتراح، توليد نص، كشف نمط)

والأهم: أن تكون كل خطوة قابلة للتدقيق (Audit trail)، مع صلاحيات واضحة.

حوكمة عملية بدل وثائق طويلة

أفضل حوكمة رأيتها ليست “سياسة من 40 صفحة”. هي 6 عناصر تُطبق يومياً:

  • كتالوج حالات استخدام مع مالك عمل (Business Owner) لكل حالة
  • معايير بيانات (من أين تأتي الحقيقة؟ من يملكها؟)
  • ضوابط امتثال: ما الذي يُسمح بتوليده، وما الذي يُمنع
  • سجل قرار آلي: لماذا اتخذ النظام هذا التصنيف/الاقتراح
  • قياس أداء شهري: زمن دورة العملية، نسبة الاستثناءات، نسبة المعالجة دون تدخل
  • خطة إدارة تغيير: تدريب، تواصل، وإعادة توزيع أدوار (لا ترك الموظف وحيداً أمام “روبوت”)

جملة تلخصها: إذا لم تستطع شرح مسار القرار الآلي لمدقق خلال 60 ثانية، فالمشكلة ليست في المدقق—المشكلة في تصميم النظام.

ملكية الـCFO: لماذا المالية هي المكان الصحيح لقيادة الأتمتة؟

الجواب المباشر: لأنّ الـCFO ينظر إلى العملية من البداية للنهاية، لا كمهمة معزولة.

في حديث UiPath، ظهرت فكرة مهمة: الـCFO غالباً يصبح راعياً مركزياً للأتمتة لأنه يقيس الأثر على الربحية، ويعيش يومياً مع العمليات ذات الحجم العالي (فواتير، تسويات، مدفوعات، مطالبات). في لبنان، هذا الخيار عملي أيضاً لسبب إضافي: المالية عادة تملك لغة مشتركة مع المخاطر والامتثال، وبالتالي تستطيع فرض الحوكمة.

نموذج تشغيل مناسب للبنوك اللبنانية

بدلاً من أن يعمل كل قسم وحده، جرّب هذا النموذج:

  • لجنة أتمتة يقودها CFO/COO (شهرياً)
  • مكتب أتمتة مركزي (Automation CoE) صغير وفعّال
  • أبطال أعمال داخل الأقسام (SMEs) يعرّفون الحالات ويستلمون النتائج

هكذا تقلل “سياسة الجزر”، وتمنع تضارب الأدوات، وتبني خارطة طريق مؤسسة.

من التجربة إلى التوسع خلال 90 يوماً: خطة تنفيذ واقعية

الجواب المباشر: لا تحتاج سنوات؛ تحتاج انضباطاً في الاختيار والقياس والتدرج.

الأسبوع 1–2: تشخيص سريع يركز على الأثر

  • اختر 10 عمليات مرشحة عبر الأقسام
  • قيّم: الحجم الشهري، زمن الدورة، نسبة الأخطاء، نقاط الاختناق
  • حدّد 2 حالات “سريعة العائد” + 1 حالة “استراتيجية” طويلة المدى

الأسبوع 3–6: بناء مسار من البداية للنهاية

  • اربط الإدخال (مستندات/قنوات) بالتحقق (قواعد/نماذج) بالقرار (موافقة/استثناء)
  • صمّم مسار استثناءات واضح (Human-in-the-loop)
  • جهّز لوحة قياس KPI قبل الإطلاق، لا بعده

الأسبوع 7–12: توسعة محسوبة + حوكمة

  • كرر نفس النمط على عملية مشابهة في قسم آخر (لتثبت قابلية التوسع)
  • فعّل سياسات الصلاحيات والتدقيق
  • وثّق “كتاب تشغيل” قصير لكل عملية: ماذا يفعل الوكيل؟ متى يتوقف؟ لمن يرسل الاستثناء؟

مؤشرات قياس لا تُجادل

إذا أردت دفاعاً قوياً عن ROI أمام الإدارة:

  • زمن دورة العملية (Cycle time)
  • تكلفة المعاملة الواحدة
  • نسبة المعالجة دون تدخل بشري (Straight-through processing)
  • نسبة الاستثناءات وأسبابها
  • أثر الامتثال: عدد الحالات التي تمت معالجتها ضمن SLA

أسئلة شائعة يطرحها مديرو البنوك والـFinTech في لبنان

هل نبدأ بـRPA أم بالذكاء الاصطناعي التوليدي؟

ابدأ بالعملية لا بالأداة. غالباً ستحتاج الاثنين: RPA لتثبيت التنفيذ في الأنظمة القديمة، وذكاء اصطناعي (توليدي/تصنيفي) لفهم النصوص واتخاذ قرارات مساعدة.

ماذا عن الخصوصية والبيانات الحساسة؟

ضع حدوداً واضحة: أين تُعالج البيانات؟ من يطلع عليها؟ ما الذي يُسمح للنموذج بتوليده؟ الأمان ليس “إضافة”؛ هو شرط تشغيل في المصارف.

كيف نقنع الفرق التي تخاف من فقدان وظائفها؟

لا تقنعها بالشعارات. اربط الأتمتة بتخفيف الأعمال الروتينية، وامنح الفريق دوراً واضحاً في الاستثناءات والجودة والمراجعة. عندما يرى الموظف أنّ عمله صار “قراراً” بدل “نسخ ولصق”، المقاومة تنخفض.

خطوة عملية أخيرة: لا تبنِ ذكاءً اصطناعياً بلا خريطة مؤسسة

المغزى من دروس UiPath بسيط لكنه حاد: التقنية ليست ما يعرقل التوسع—طريقة الإدارة هي المشكلة. في لبنان، حيث الضغط على التكاليف، والتدقيق، وتجربة العميل أعلى من أي وقت، الأتمتة التي تنجح هي التي تُدار كمنظومة: تنسيق، حوكمة، وحالات استخدام ذات أثر مالي واضح.

إذا كنت تعمل في بنك أو شركة تكنولوجيا مالية ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع البنوك والتكنولوجيا المالية في لبنان”، جرّب أن تسأل فريقك سؤالاً واحداً هذا الأسبوع: هل نُتمت عملية كاملة من البداية للنهاية… أم نُحسن خطوة داخلها فقط؟ إجابتك ستحدد إن كنت على طريق ROI فعلي، أو مجرد تجربة أخرى تتوقف عند أول مراجعة ميزانية.