كيف يربط الذكاء الاصطناعي بين عقود مواقع الآبار والنتائج التشغيلية؟ درس عملي للكويت في المشتريات واللوجستيات والصيانة التنبؤية.

الذكاء الاصطناعي يسرّع مشاريع الآبار: درس للكويت
في 29/12/2025، ظهر خبرٌ عابر للوهلة الأولى: شركة «باوان» السعودية أعلنت أن ذراعها «بتروناش العربية» حصلت على أمر شراء جديد ضمن اتفاقية طويلة الأجل لتوريد حزم مواقع آبار معيارية لآبار الغاز لدى أرامكو، على أن يبدأ التنفيذ من أكتوبر العام المقبل حتى منتصف 2027. خبرٌ “تعاقدات” تقليدي… لكنّي أراه علامة واضحة على اتجاه أكبر: الطاقة في الخليج لم تعد تُدار بالهاتف والإكسل فقط؛ بل بالبيانات والخوارزميات.
هذا يهم الكويت تحديدًا لأن مشاريع تطوير حقول النفط والغاز لدينا تمر عادةً بدورة حياة طويلة: تصميم، مشتريات، تصنيع، لوجستيات، تركيب، تشغيل، صيانة. وكل حلقة فيها قابلة لأن تُبطئ المشروع أو تُسرّعه. الذكاء الاصطناعي (AI) هنا ليس ترفًا تقنيًا؛ هو طريقة عملية لخفض التعطّل، تقليل الهدر، وتحسين جاهزية الأصول—خصوصًا في بيئات الحقول التي تتسم بالمخاطر العالية وتعدد المقاولين.
ضمن سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت»، نستخدم هذا الخبر كـ دراسة حالة لفهم كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم مشاريع مشابهة في الكويت عبر: إدارة الموردين والمشتريات، تحسين اللوجستيات، والصيانة التنبؤية لأصول مواقع الآبار.
لماذا “حزم مواقع الآبار المعيارية” مهمّة… ولماذا تزداد تعقيدًا؟
الفكرة الأساسية: الحزمة المعيارية (Modular Wellsite Package) تعني أجزاء مُسبقة التجهيز تُصنع وتُفحص في المصنع ثم تُنقل لموقع البئر لتُركّب بسرعة. هذا يقلّل أعمال الموقع، ويرفع الجودة، ويسهّل التوسّع.
لكن الواقع؟ كلما زادت المعيارية زادت معها متطلبات التنسيق:
- اختلاف مواصفات كل بئر (ضغط، حرارة، غاز رطب/جاف، ظروف السلامة).
- تزامن تصنيع وحدات متعددة مع جداول تسليم صارمة.
- سلسلة توريد طويلة تشمل صمامات، أجهزة قياس، أنظمة تحكم، لحام، طلاء، واختبارات.
- التزام دقيق بمعايير الجودة والتوثيق.
وهنا يظهر “الاحتكاك” اليومي الذي يلتهم وقت المشاريع: تأخر شحنة صغيرة يوقف تركيبًا كاملًا. تغيير مواصفة في آخر لحظة يُعيد اختبار FAT. مورد ثانوي يتأخر في شهادة المواد MTC فيتعطل الإغلاق المالي أو القبول.
الذكاء الاصطناعي يقلّل هذا الاحتكاك عندما يُستخدم كـ «طبقة قرار» فوق بيانات المشروع.
من أمر شراء إلى منصة قرار: أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟
المدخل العملي هو التعامل مع المشروع كسلسلة قرارات متتابعة: ماذا نشتري؟ من نشتري؟ متى نشحن؟ ماذا نركّب أولًا؟ ماذا قد يتعطل؟
أرى ثلاث نقاط “مكاسب سريعة” يمكن للكويت التركيز عليها إذا أرادت تسريع مشاريع مواقع الآبار وحزمها المعيارية.
1) إدارة المشتريات والموردين بالذكاء الاصطناعي (Vendor AI)
الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي يحوّل اختيار المورد وإدارة الأداء من “تقييم سنوي” إلى تقييم لحظي قائم على المخاطر.
بدل أن يكون ملف المورد عبارة عن خبرة شخصية أو تاريخ قديم، يصبح نموذجًا يقرأ:
- التزام المورد بمواعيد التسليم (On-time delivery)
- تكرار حالات عدم المطابقة NCR
- تغيّر الأسعار مقارنة بالسوق
- زمن الاعتماد الفني (Submittals) وتكرار الرفض
- مؤشرات مخاطر مالية وتشغيلية
ثم يخرج بنتائج قابلة للاستخدام: مورد A مناسب للصمامات القياسية لكنه ضعيف في الأنظمة المُخصّصة؛ مورد B أفضل في اللحام لكن لديه تقلبات في التوريد خلال مواسم الذروة.
النتيجة الواقعية للمشاريع: قرارات شراء أقل “مفاجآت”، وطلبات تغيير أقل، وإعادة عمل أقل.
جملة قابلة للاقتباس: إذا كانت المشتريات هي قلب المشروع، فالذكاء الاصطناعي هو جهاز الإنذار المبكر الذي يمنع توقّف هذا القلب.
2) الذكاء الاصطناعي في لوجستيات الحقول: الجدول ليس ملفًا… بل توقع متجدد
الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي يجعل اللوجستيات تتصرف كمنظومة تتوقع الاختناق قبل حدوثه.
في مشاريع الحقول، اللوجستيات ليست “شحن” فقط؛ هي:
- ترتيب الشحنات بحسب جاهزية الموقع
- إدارة المخزون المؤقت في الساحات
- تخطيط الرافعات والمعدات الثقيلة
- تصاريح الدخول، مسارات النقل، وإجراءات السلامة
باستخدام نماذج تنبؤية على بيانات المشروع (Progress, EVM)، وحالة الشحن، وسجل الموردين، يمكن للنظام أن يتوقع:
- احتمال التأخير خلال أسبوعين/شهر
- تأثير التأخير على مسار التنفيذ الحرج (Critical Path)
- أفضل إعادة ترتيب للشحنات بحيث لا تتوقف الفرق في الموقع
مثال قريب من الواقع: إذا كانت الحزمة المعيارية تحتاج 40 بندًا لتبدأ مرحلة تركيب معينة، فالذكاء الاصطناعي لا ينتظر حتى يتأخر بند واحد ويُوقفك؛ بل يُظهر لك قبلها أن بندين لديهم احتمال تأخير 60%، ويقترح بدائل: شحن جزئي، تبديل مورد ثانوي، أو تقديم أعمال مدنية/كهربائية لتفادي التعطل.
3) الصيانة التنبؤية في مواقع الآبار: تقليل التوقفات قبل أن تُكلّفك الملايين
الإجابة المباشرة: الصيانة التنبؤية تعتمد على بيانات حساسات التشغيل لتحديد الأعطال قبل وقوعها، بدل انتظار العطل ثم إصلاحه.
في بيئة آبار الغاز، أكثر الأصول “الحساسة” في مواقع الآبار تشمل عادة:
- المضخات، الضواغط، المحركات
- الصمامات عالية الاعتمادية
- أنظمة القياس والعدادات
- أنظمة التحكم ودوائر الطاقة
الذكاء الاصطناعي يتعامل مع بيانات مثل الاهتزازات، الضغط، الحرارة، التدفق، جودة الطاقة… ويبحث عن أنماط شاذة تشير لخلل آخذ بالتكوّن.
الفرق المهم للكويت: كثير من الأعطال ليست “انهيارًا مفاجئًا” بل تدهورًا تدريجيًا. عندما تلتقطه مبكرًا:
- تقلّ أعمال الطوارئ
- تتحسن السلامة (Safety)
- ترتفع جاهزية الأصل (Availability)
والأهم: يصير لديك قطع غيار تُطلب “على التوقيت الصحيح”، لا قبل كثير فتتكدس، ولا بعد فتعطل الإنتاج.
ما الذي يمكن للكويت تعلمه من نموذج التعاقدات طويل الأجل؟
الخبر يذكر أن أمر الشراء هو الرابع ضمن اتفاقية طويلة الأجل، وأن أثره المالي الإيجابي يظهر في 2026 و2027. المعنى الإداري هنا واضح: العمل أصبح برنامجًا ممتدًا، لا صفقة واحدة.
في البرامج الممتدة، الذكاء الاصطناعي يعطي قيمة أكبر لأنك تتعلم من دورة إلى دورة:
- أخطاء التصميم المتكررة تُلتقط وتُمنع مبكرًا
- أداء الموردين يُقاس ويُحسّن مع كل أمر شراء
- “التقييس” لا يبقى شعارًا؛ يصير مكتبة مكوّنات (Bill of Materials) ذكية
أنا شخصيًا أميل لنهج محدد للكويت: لا تبدأ بمشروع AI كبير ومتشعب. ابدأ حيث توجد قرارات كثيرة ومتكررة: المشتريات، اللوجستيات، وجدولة الصيانة.
خطة تطبيق عملية لشركات النفط والغاز في الكويت خلال 90 يومًا
الإجابة المباشرة: خلال 90 يومًا يمكن إطلاق نموذج أولي واقعي يثبت العائد من الذكاء الاصطناعي دون تغيير جذري للبنية التقنية.
الأسبوع 1–3: توحيد بيانات المشروع (Data Baseline)
- حصر مصادر البيانات: ERP، نظام المشتريات، تقارير تقدم الأعمال، سجلات الصيانة، بيانات الحساسات.
- تعريف “قائمة موحدة” للأصول والموردين (Master Data).
- اختيار 10–15 مؤشرًا تشغيليًا واضحًا (KPI).
الأسبوع 4–7: حالة استخدام واحدة واضحة (Use Case)
اختر واحدة فقط:
- تنبؤ تأخر الشحنات على مستوى البنود الحرجة.
- تصنيف مخاطر الموردين وفق الأداء والجودة.
- تنبؤ أعطال أصل واحد (مثل مضخة/ضاغط) في موقعين.
الأسبوع 8–12: تشغيل تجريبي وقياس أثر
- مقارنة التوقعات بالواقع أسبوعيًا.
- تحويل التوصيات إلى “قرار” داخل فريق المشروع (وليس لوحة للعرض فقط).
- توثيق نتائج رقمية: أيام تعطّل تم تجنبها، أو تخفيض طلبات التغيير، أو تقليل الشحن المستعجل.
مبدأ حاسم: إذا لم يُغيّر الـAI قرارًا واحدًا على الأقل في الأسبوع، فهو مجرد لوحة جميلة.
أسئلة شائعة يسمعها فريق الطاقة في الكويت (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي يعني استبدال الأنظمة الحالية؟
لا. الأكثر نجاحًا هو إضافة طبقة تحليل فوق الأنظمة الموجودة (ERP/CMMS/SCADA) عبر تكاملات محددة.
ما أكبر عائق فعلي؟
البيانات غير الموحدة: أسماء الموردين المختلفة، أرقام قطع الغيار غير المتسقة، وتوثيق الصيانة غير المنظم. الحل يبدأ من حوكمة البيانات قبل النماذج.
هل نحتاج بيانات حساسات ضخمة للصيانة التنبؤية؟
للوصول لأفضل دقة نعم، لكن البداية يمكن أن تكون ببيانات محدودة مع قواعد كشف الشذوذ، ثم تتوسع تدريجيًا.
أين تتقاطع هذه القصة مع “تحوّل الطاقة” في الكويت؟
الكويت تتجه لتطوير الكفاءة ورفع الاعتمادية وتقليل الهدر—وهذه أهداف تتسق مع التحول الرقمي في قطاع الطاقة. وفي نهاية 2025، لا يوجد سبب عملي يجعل مشاريع الحقول تُدار بعقلية “المتابعة اليدوية” بينما المنافسون في المنطقة يراكمون خبرة تشغيل برامج توريد طويلة الأجل ويزيدون مستويات التقييس.
إذا كان خبر أمر الشراء في السعودية يلمّح لشيء، فهو هذا: القدرة على التوسع في مشاريع الحقول خلال 2026–2027 ستعتمد بقدر كبير على جودة القرار اليومي—قرار المورد، قرار الشحن، قرار الصيانة، وقرار ترتيب الأولويات في الموقع.
الخطوة التالية واضحة: حدّد مشروعًا واحدًا في الكويت (حزمة معيارية، توسعة موقع بئر، أو برنامج صيانة لأصول حساسة)، واجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من غرفة القرار، لا مجرد مبادرة جانبية.
الواقع؟ الموضوع أبسط مما يبدو… لكنه يحتاج انضباطًا. هل فريقك جاهز أن يقيس أثر الذكاء الاصطناعي بالأيام والساعات—وليس بالشعارات؟