ذكاء اصطناعي يُنقذ مشاريع التعدين والطاقة من «عنق الزجاجة» البيئي

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويتBy 3L3C

تعطّل التعدين بسبب خنافس يوضح كيف يمنع الذكاء الاصطناعي عنق الزجاجة البيئي في مشاريع الطاقة بالكويت عبر نمذجة الأثر وتحسين التشغيل.

الذكاء الاصطناعيالاستدامةسلاسل التوريدالمعادن النادرةإدارة المشاريعالنفط والغاز
Share:

Featured image for ذكاء اصطناعي يُنقذ مشاريع التعدين والطاقة من «عنق الزجاجة» البيئي

ذكاء اصطناعي يُنقذ مشاريع التعدين والطاقة من «عنق الزجاجة» البيئي

في 21/12/2025 عند 07:03 م، تصدّر خبرٌ غريبٌ لكنه شديد الدلالة: خنافس مهددة بالانقراض عطّلت خطة استغلال أكبر ترسّب للمعادن النادرة في أوروبا، في بلدة نرويجية صغيرة اسمها أوليفوس. المشهد يبدو طريفًا للوهلة الأولى، لكنه يلخّص معضلة العصر: اقتصاد عالمي يريد معادن نادرة لتشغيل السيارات الكهربائية والهواتف وأنظمة الدفاع، وبيئة لا تقبل أن تُدفَع الفاتورة وحدها.

هذا ليس “خبرًا أوروبيًا بعيدًا” عن الكويت. الواقع أن المعادن النادرة تدخل في سلاسل توريد التقنيات التي يعتمد عليها قطاع الطاقة الحديث، بما فيها حلول الذكاء الاصطناعي والحوسبة ومعدات الشبكات. وعندما تتعطّل مشاريع استخراجها بسبب اعتبارات بيئية—مثل وجود 78 نوعًا على “القائمة الحمراء” في موقع واحد—تتحول الاستدامة من شعار إلى شرط تشغيل.

ضمن سلسلة مقالاتنا «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت»، هذه الحلقة تركّز على نقطة شديدة العملية: كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في تفادي التعطّل التنظيمي والبيئي قبل أن يبتلع الجداول الزمنية والتكاليف، وكيف يمكن للكويت تطبيق ذلك في مشاريع الطاقة والنفط والغاز، وحتى في أي توسع مرتبط بسلاسل المعادن والمواد.

لماذا تعطل مشروع المعادن النادرة في النرويج مهم للكويت؟

الإجابة المباشرة: لأن ما حدث هناك يوضح أن المخاطر البيئية أصبحت مخاطرة “تشغيلية” و“مالية” وليست مجرد سمعة أو علاقات عامة.

في حالة “فينسفيلدت” بالنرويج، الحديث عن ترسّب يُقدَّر بـ 8.8 مليون طن من العناصر الأرضية النادرة. أوروبا—بحسب التصريحات الواردة في الخبر—تستورد 98% من احتياجاتها من بلد واحد (الصين)، وتريد بحلول 2030 أن يكون 10% من الاستخراج داخل الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، مشروع بحجم قاري قد يتأخر إلى النصف الأول من ثلاثينيات القرن الحالي لأن الموقع المقترح لمعالجة الخام فوق الأرض يتداخل مع غابات قديمة ذات تنوع أحيائي حساس.

التشابه مع واقع الطاقة في الكويت

  • قطاع النفط والغاز في الكويت يعمل تحت ضغطين متوازيين: رفع الكفاءة وخفض الانبعاثات.
  • أي مشروع توسعة أو بنية تحتية (خطوط، محطات، مرافئ، مرافق معالجة) قد يواجه تعقيدات مرتبطة بالأثر البيئي والمائي والهوائي.
  • سلاسل توريد التحول الرقمي نفسها تعتمد على مواد حرجة (ومنها المعادن النادرة)؛ أي اضطراب فيها ينعكس على تكلفة “الرقمنة” ووقت تنفيذها.

الفكرة الجوهرية: البيئة لم تعد مرحلة لاحقة من المشروع؛ أصبحت جزءًا من هندسة القرار منذ اليوم الأول.

عندما تصبح “الخنفساء” مؤشّرًا لمخاطر المشروع

الإجابة المباشرة: وجود أنواع مهددة بالانقراض في موقع التشغيل هو علامة على أن المشروع قد يدخل في دائرة اعتراضات، استشارات، وإعادة تصميم قد تستمر سنوات.

الخبر ذكر أن خبراء رصدوا في الموقع المقترح 78 نوعًا على القائمة الحمراء، من بينها خنافس تعتمد على الأخشاب الميتة، وأنواع من الفطريات والطحالب وأشجار الدردار والرماد. هذا النوع من الاكتشافات لا يوقف المشروع فقط؛ بل يجبره على:

  1. إعادة اختيار مواقع مرافق المعالجة والنقل والتخزين.
  2. تعديل تصميم العمليات (مثل التعدين تحت الأرض بدل الحفر المكشوف).
  3. إعادة تقييم المخلفات وتأثيرها على نظم المياه المحمية.

“المناجم غير المرئية” ليست كافية وحدها

الشركة هناك تتحدث عن “منجم غير مرئي” عبر التعدين تحت الأرض وإعادة حقن جزء كبير من المخلفات. هذا اتجاه جيد، لكنه لا يلغي حقيقة أن جزءًا فوق الأرض (معالجة/تهيئة خام/طرق/سيور) غالبًا هو نقطة الاحتكاك مع البيئة والمجتمع.

وهنا تحديدًا يظهر دور الذكاء الاصطناعي: ليس في “التجميل”، بل في إثبات أن هناك بدائل أقل ضررًا، وبأرقام وخرائط وسيناريوهات.

كيف يحل الذكاء الاصطناعي معضلة: تنمية اقتصادية بلا خسارة بيئية؟

الإجابة المباشرة: عبر تحويل قرارات البيئة من نقاش عام إلى نمذجة دقيقة قابلة للتحقق: أين نبني؟ كيف نشغّل؟ ما أثر كل خيار؟ وما التعويض الأنسب؟

في مشاريع الطاقة والنفط والغاز بالكويت، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدّم “حزمة” متكاملة لتقليل احتمالات التعطّل البيئي والتنظيمي.

1) ذكاء اصطناعي لرسم “خريطة حساسية بيئية” قبل التصميم

بدل انتظار تقارير متأخرة قد تفاجئ الفريق، يمكن بناء نموذج يجمع:

  • صور أقمار صناعية عالية الدقة
  • مسوحات ميدانية رقمية (GPS)
  • بيانات التنوع الأحيائي والنظم المائية
  • طبقات استخدامات الأراضي

ثم يخرج بنتيجة واضحة: مناطق حمراء/صفراء/خضراء مع تفسير السبب.

جملة قابلة للاقتباس: أفضل وقت لاكتشاف “الخنفساء” ليس بعد اختيار الموقع… بل قبل أن يصبح الموقع جزءًا من عقد المقاول.

2) التنبؤ بالمخاطر التنظيمية والاعتراضات المجتمعية

الذكاء الاصطناعي لا يقرأ المستقبل، لكنه يقرأ الأنماط. عبر تحليل بيانات مشاريع مشابهة (داخليًا وخارجيًا) يمكن تقدير:

  • احتمالية اعتراض جهة تنظيمية على موقع محدد
  • زمن دورة الموافقات في كل سيناريو
  • “نقاط الاحتكاك” المعتادة: مياه محمية، ضوضاء، غبار، حركة شاحنات

وهذا يخدم هدف إدارات المشاريع: الجدول الزمني الواقعي بدل التفاؤل الذي ينكسر عند أول اعتراض.

3) تحسين تصميم العمليات لتقليل البصمة البيئية

في النفط والغاز، الأمثلة عملية جدًا:

  • خوارزميات تحسين لاختيار مسارات الأنابيب الأقل تأثيرًا على الموائل الطبيعية
  • نماذج محاكاة لتقليل الحرق (Flaring) عبر تحسين التحكم والتنبؤ بالأحمال
  • تحسين استهلاك الطاقة في الضواغط والمضخات باستخدام نماذج تعلم آلي

النتيجة ليست “لطيفة” فقط؛ بل مالية: تخفيض وقود، أعطال أقل، وانبعاثات أقل، وتوافق أسهل مع اشتراطات الاستدامة.

4) مراقبة لحظية للتنوع الأحيائي والمياه والهواء

بدل قياسات متقطعة، يمكن دمج:

  • حساسات جودة الهواء والماء
  • كاميرات حرارية/طيفية
  • تحليل صوتي (Bioacoustics) لرصد وجود أنواع حساسة

ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن التغيرات. هذا يتيح إجراء تصحيح تشغيلي سريع قبل تضخم المشكلة.

تطبيق عملي للكويت: إطار عمل من 5 خطوات لمشاريع الطاقة

الإجابة المباشرة: إذا أردت تقليل “عنق الزجاجة” البيئي، ابدأ بنظام قرار يعتمد على البيانات، وليس على الحدس.

إليك إطارًا عمليًا رأيت أنه ينجح عندما تتداخل الهندسة مع البيئة والتصاريح:

  1. توحيد البيانات (Data Foundation)

    • أنشئ مستودع بيانات للمشروع يجمع بيانات البيئة، التشغيل، الخرائط، والتصاريح.
  2. نمذجة سيناريوهات الموقع والتصميم

    • لا تكتفِ بموقع واحد. ابنِ 3–5 سيناريوهات، وقارنها على نفس معايير القياس.
  3. مؤشر “تعطّل بيئي” Environmental Delay Index

    • مقياس داخلي يدمج حساسية الموائل + قرب المياه + حركة الشاحنات + ضوضاء + غبار.
    • الهدف: ترتيب الخيارات حسب “احتمال التعطّل” وليس فقط “تكلفة البناء”.
  4. مراقبة وتشغيل قائمين على الإنذار المبكر

    • ضع عتبات (Thresholds) واضحة: إذا ارتفع مؤشر عكارة المياه/الغبار/الضوضاء، يتغير التشغيل فورًا.
  5. حوكمة وتواصل مع أصحاب المصلحة

    • تقارير دورية قصيرة بلغة مفهومة، مدعومة بخرائط وقياسات—هذا يقلل النزاع ويزيد الثقة.

أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون (وإجابات مختصرة)

هل الذكاء الاصطناعي بديل عن دراسات الأثر البيئي؟

لا. لكنه يجعلها أسرع وأكثر دقة، ويقلل احتمالات أن تُفاجَأ بنتائج تُعيدك إلى نقطة الصفر.

أين يبدأ المشروع فعليًا: في التشغيل أم في البيئة؟

يبدأ في القرار: اختيار الموقع والتصميم. كل شيء بعد ذلك يصبح أصعب إذا كانت البداية خاطئة.

هل هذا مفيد فقط للتعدين؟

لا. نفس المنطق ينطبق على النفط والغاز: خطوط الأنابيب، مرافق المعالجة، المرافئ، ومحطات الطاقة—كلها مشاريع يمكن أن تتعطل بسبب متغير بيئي لم يُفهم مبكرًا.

ما الذي نتعلمه من قصة أوليفوس… وما الخطوة التالية في الكويت؟

تعطّل مشروع أوروبي ضخم بسبب خنافس وفطريات ليس نكتة. هو إشارة واضحة: الاقتصاد الأخضر لا يقبل حلولًا رمادية. إذا كانت أوروبا—وهي تحت ضغط تقليل الاعتماد على الصين وتأمين مواد حرجة—اضطرت إلى “التأني السريع”، فالكويت أيضًا بحاجة إلى أدوات تمنع الصدام المبكر بين التنمية والبيئة.

أنا منحاز لفكرة بسيطة: الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية في الطاقة؛ هو أداة إدارة مخاطر. عندما يُستخدم بشكل صحيح، يساعدك أن تختار موقعًا أذكى، وتصميمًا أقل أثرًا، وتشغيلًا أكثر التزامًا—قبل أن تصبح الاعتراضات عنوانًا في الأخبار.

إذا كنت تعمل في شركة نفط وغاز أو مقاول طاقة أو جهة تنظيمية في الكويت، اسأل فريقك سؤالًا واحدًا في اجتماع الأسبوع القادم: هل نملك نموذجًا رقميًا يشرح أثر كل خيار تصميم على البيئة والزمن والتكلفة؟ إذا كانت الإجابة “لا”، فهذه هي نقطة البداية.