توسعة محطات النقل الذكية: درس دبي للكويت بالذكاء الاصطناعي

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويتBy 3L3C

توسع دبي 22 محطة نقل 132 ك.ف في 2025 يقدّم نموذجاً عملياً للكويت لبناء شبكات ذكية بالذكاء الاصطناعي. تعرّف على التطبيقات وخارطة طريق البدء.

ذكاء اصطناعيشبكات كهرباءمحطات تحويلتحول رقميصيانة تنبؤيةبنية تحتيةالكويت
Share:

Featured image for توسعة محطات النقل الذكية: درس دبي للكويت بالذكاء الاصطناعي

توسعة محطات النقل الذكية: درس دبي للكويت بالذكاء الاصطناعي

في 29/12/2025، أعلنت هيئة كهرباء ومياه دبي عن إطلاق 22 مشروع محطة نقل رئيسية بجهد 132 كيلوفولت خلال 2025، مع تشغيل 8 محطات ومدّ 250 كم من الكابلات الأرضية وخطوط النقل، وبكلفة تتجاوز 1.35 مليار درهم. الرقم وحده لافت، لكن الأهم منه هو الرسالة: توسعة الشبكات لم تعد “حديد ونحاس” فقط؛ أصبحت مشروع بيانات وتشغيل ذكي بقدر ما هي مشروع بنية تحتية.

وهنا بالضبط يظهر الرابط الذي يهم الكويت. لأن أي توسعة في شبكات النقل—خاصة في دول الخليج حيث يرتفع الطلب صيفاً وتتعقّد الأحمال—إما أن تُدار بالعقلية التقليدية (تكلفة أعلى، انقطاعات أصعب تفسيراً، وصيانة تفاعلية)، أو تُدار بعقلية الشبكة الذكية حيث الذكاء الاصطناعي يراقب ويحلّل ويتنبأ ويقترح قرارات تشغيل قبل أن تتحول المشكلة إلى انقطاع.

هذه المقالة جزء من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت»، وسأستخدم تجربة دبي كعدسة عملية: ما الذي تعلّمناه من توسعة محطات النقل؟ وكيف يمكن للكويت—بقطاع طاقة ونفط وغاز شديد الحساسية للموثوقية—أن تدمج الذكاء الاصطناعي في محطات النقل والشبكات لتحقيق كفاءة أعلى وموثوقية أقوى وتكاليف تشغيل أقل.

ماذا تعني أرقام دبي عملياً؟

الجواب المباشر: دبي تتعامل مع شبكة النقل كمنظومة نمو مستمر، وتُثبت أن الاستثمار الكبير في محطات 132 كيلوفولت ليس رفاهية، بل شرط لاستيعاب التمدد العمراني والاقتصادي.

وفق ما أُعلن، الشبكة بنهاية الربع الثالث من 2025 ضمّت 394 محطة (منها 27 محطة 400 كيلوفولت و367 محطة 132 كيلوفولت). كما توجد مشاريع قيد الإنشاء بقيمة تتجاوز 8.5 مليار درهم، وخطة لبناء 78 محطة مماثلة خلال الثلاث سنوات القادمة.

لماذا 132 كيلوفولت بالذات مهم؟

الجواب المباشر: لأن 132 كيلوفولت هو “عمود” تغذية المدن والمناطق السكنية والصناعية؛ أي خلل فيه ينعكس سريعاً على المستهلك النهائي.

محطات 132 كيلوفولت ليست مجرد نقطة تحويل جهد. هي مكان تتقاطع فيه:

  • قرارات إدارة الأحمال (Load Management)
  • جودة الطاقة (Power Quality)
  • منظومات الحماية (Protection)
  • بيانات القياس والتحكم (SCADA/EMS)
  • اشتراطات السلامة والاعتمادية

وعندما تقول جهة تشغيل إنها تستخدم “أحدث التقنيات الرقمية والأنظمة الذكية” في محطات النقل، فهذا يعني أن المحطة تتحول إلى منصة تشغيل رقمية، وليس منشأة كهربائية فقط.

أين يدخل الذكاء الاصطناعي في محطات النقل؟ (وليس كشعار)

الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يصبح مفيداً عندما يرتبط بثلاث وظائف تشغيلية واضحة: التنبؤ بالأعطال، تحسين التشغيل، وأتمتة الاستجابة.

سأختصرها في 6 تطبيقات عملية يمكن قياس أثرها:

1) الصيانة التنبؤية للمعدات الثقيلة

محولات القدرة، القواطع، العوازل، وأنظمة الحماية… هذه أصول باهظة، وأعطالها مكلفة ومحرجة. الذكاء الاصطناعي هنا يتعلم من:

  • بيانات الحرارة والاهتزاز
  • تحاليل الزيت للمحولات (عند توفرها)
  • سجل عمليات الفصل والإغلاق للقواطع
  • قراءات الأحمال والتوافقيات

النتيجة التي أراها واقعية في المشاريع المشابهة: الانتقال من صيانة “دورية ثابتة” إلى صيانة “حسب حالة الأصل”، ما يقلل التوقفات المخططة ويمنع أعطالاً مفاجئة.

2) كشف الشذوذ في الشبكة قبل وقوع الانقطاع

الشبكات الحديثة تفرز ملايين القراءات. التحدي ليس نقص البيانات، بل ضياع المؤشرات وسط الضجيج. نماذج كشف الشذوذ (Anomaly Detection) تلتقط مبكراً:

  • تغيّر نمط التيار/الجهد بشكل غير معتاد
  • تدهور تدريجي في الأداء
  • إشارات إنذار تتكرر دون تفسير واضح

جملة واحدة قابلة للاقتباس: الذكاء الاصطناعي الجيد لا “يتنبأ بالمستقبل”، بل يلاحظ الحاضر بدقة أعلى من البشر.

3) تحسين الفاقد وتقليل الاختناقات

الجواب المباشر: تحسين تدفق الطاقة (Power Flow) باستخدام نماذج تحسين مدعومة بالذكاء الاصطناعي يقلل الفاقد ويحد من التحميل الزائد.

في شبكات النقل، القرارات حول إعادة توزيع الأحمال ليست سهلة، خصوصاً مع توسع الأحمال وتداخل المناطق. هنا يفيد الذكاء الاصطناعي في اقتراح سيناريوهات تشغيل تُقلل:

  • الاختناقات على مسارات محددة
  • فاقد النقل
  • الحاجة لتشغيل احتياطي أعلى من اللازم

4) أتمتة تقارير الاعتمادية والمؤشرات

هذا جزء غالباً ما يُستهان به. فرق التشغيل تُقضي وقتاً كبيراً في:

  • تقارير الأعطال
  • تحليل الأسباب الجذرية (RCA)
  • تقارير الانقطاعات ومؤشرات SAIDI/SAIFI (حيث تُستخدم)

أتمتة التقارير عبر نماذج لغوية مع ضوابط حوكمة صارمة تختصر وقتاً حقيقياً—لكن بشرط أن تكون البيانات منظمة وأن يكون هناك تدقيق بشري نهائي.

5) الأمن السيبراني التشغيلي (OT) كجزء من التصميم

الجواب المباشر: كلما زادت “رقمنة المحطة”، زادت أهمية مراقبة سلوك الشبكة التشغيلية نفسها ضد الهجمات.

الذكاء الاصطناعي يضيف قيمة عبر:

  • كشف سلوكيات غير اعتيادية في شبكات OT
  • تحليل سجلات الأحداث بسرعة
  • الربط بين إنذار تقني وتغيرات تشغيلية على الأرض

6) “التوأم الرقمي” لمحطة النقل والشبكة

التوأم الرقمي ليس نموذجاً للتزيين. هو بيئة محاكاة تساعد فريق الشبكة على تجربة:

  • ماذا يحدث لو خرج خط عن الخدمة؟
  • كيف تتوزع الأحمال عند ربط منطقة جديدة؟
  • ما أثر رفع الاعتماد على مصادر متجددة؟

ومن واقع التجارب، التوأم الرقمي يكون أكثر فائدة عندما يرتبط بقرارات محددة: توسعة، صيانة، أو تشغيل وقت الذروة.

لماذا هذا مهم للكويت الآن؟

الجواب المباشر: لأن الكويت تتعامل مع ثلاثة ضغوط متزامنة: ذروة صيفية حادة، توسعات عمرانية وخدمية، وحاجة متزايدة لرفع كفاءة التشغيل وتقليل المخاطر.

ومع أن موضوعنا في السلسلة يشمل النفط والغاز أيضاً، إلا أن الكهرباء هي “العمود الفقري” لكل شيء: من المصافي إلى محطات الضخ إلى المرافق الحكومية. أي انقطاع أو تذبذب كبير ينعكس على الإنتاج والخدمات وتكاليف الصيانة وحتى السلامة.

ما الذي يمكن للكويت أن تستعيره من نموذج دبي؟

ليس بالضرورة نسخ الأرقام، بل تبني المنطق:

  1. التوسع المخطط في محطات النقل ليس رد فعل، بل سياسة لتقليل المخاطر.
  2. الاستثمار في البنية التحتية يجب أن يأتي معه الاستثمار في الطبقة الرقمية.
  3. قياس النجاح يكون بمؤشرات الاعتمادية والكفاءة، لا بعدد المشاريع فقط.

ومن زاوية الذكاء الاصطناعي تحديداً، هناك درس مهم: التوسع يخلق بيانات أكثر، والبيانات أكثر تخلق فرصة أكبر للذكاء الاصطناعي—إذا تم تنظيمها وربطها بأهداف تشغيلية.

خارطة طريق عملية: كيف تبدأ جهة كويتية “محطات نقل ذكية” خلال 90 يوماً؟

الجواب المباشر: ابدأ بمشروعين صغيرين قابلين للقياس، ثم وسّع تدريجياً.

أنا لا أؤمن بمشاريع الذكاء الاصطناعي الضخمة منذ اليوم الأول في قطاع حساس. الأفضل هو مسار مرحلي واضح:

الخطوة 1: تحديد حالتين استخدام عاليتي القيمة

اختَر حالتين تُقاس نتائجهما بسرعة، مثل:

  • الصيانة التنبؤية لقواطع محددة أو محولات في محطة حرجة
  • كشف الشذوذ في بيانات SCADA لمنطقة محددة

الخطوة 2: تدقيق البيانات والقياسات

قبل أي نموذج، تحتاج إلى:

  • توحيد أسماء الأصول (Asset Naming)
  • تنظيف السجلات التاريخية للأعطال والصيانة
  • ضبط جودة القياسات (الوقت، الدقة، التكرار)

الخطوة 3: نموذج أولي مع “مسار قرار” واضح

لا يكفي أن يقول النموذج “هناك خطر”. لازم يُترجم إلى إجراء:

  • فتح تذكرة صيانة تلقائياً
  • توصية بتفتيش ميداني
  • اقتراح تخفيف أحمال/إعادة توزيع

الخطوة 4: حوكمة وامتثال وأمن

  • من يملك البيانات؟
  • من يعتمد القرار؟
  • كيف نمنع تسرب بيانات تشغيلية حساسة؟

الخطوة 5: قياس أثر مالي وتشغيلي

ضع مؤشرات بسيطة ومباشرة مثل:

  • تقليل الأعطال غير المخططة في أصل محدد
  • تقليل زمن التشخيص
  • تقليل إنذارات كاذبة

قاعدة تشغيلية أحبها: إن لم تستطع قياس الأثر خلال 3 أشهر، فالغالب أنك تبني نموذجاً لطيفاً وليس أداة تشغيل.

أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون (وإجابات مباشرة)

هل الذكاء الاصطناعي سيقلل الانقطاعات وحده؟

لا. هو يقلل الانقطاعات عندما يكون جزءاً من منظومة: بيانات سليمة + إجراءات تشغيل + صيانة + تدريب. بدون هذا، يصير مجرد لوحة تحكم جميلة.

هل الأفضل بناء حلول داخلية أم شراء منصات جاهزة؟

الأصح هو “هجين”: منصة جاهزة لإدارة البيانات والمراقبة، مع تطوير نماذج مخصصة للحالات الأكثر حساسية محلياً.

هل الرقمنة تزيد المخاطر السيبرانية؟

نعم إذا كانت بدون تصميم أمني. لكن مع التصميم الصحيح، الرقمنة أيضاً تعني قدرة أعلى على الرصد والاستجابة.

ماذا بعد توسعة دبي؟ الفكرة الأهم للكويت

الجواب المباشر: توسعة محطات النقل هي فرصة ذهبية لإدخال الذكاء الاصطناعي من البداية بدلاً من ترقيعه لاحقاً.

إذا كانت دبي تعمل على بناء عشرات المحطات وتستخدم أنظمة رقمية وذكية لضمان موثوقية “قريبة من 100%” كما ذُكر، فهذا يضع معياراً إقليمياً جديداً. والكويت تستطيع أن تستفيد من هذا المعيار في مسارين متوازيين:

  • شبكات نقل أكثر مرونة تستوعب النمو وتوزيع الأحمال وقت الذروة.
  • تشغيل أذكى يجعل الأعطال أقل، والتشخيص أسرع، والقرارات أوضح.

لو أردت أن ألخصها بجملة واحدة تناسب مجلس إدارة: المحطة الجديدة التي لا تُبنى ببياناتها منذ اليوم الأول ستدفع “ضريبة ترقية” مضاعفة لاحقاً.

والسؤال الذي أحب أن أختم به ضمن هذه السلسلة: عندما تنظر الكويت إلى توسعاتها القادمة في الكهرباء والطاقة، هل ستتعامل معها كمشاريع هندسية فقط… أم كمشاريع تشغيل ذكي حيث الذكاء الاصطناعي جزء من التصميم؟