الذكاء الاصطناعي ومعضلة المعادن النادرة: درس للكويت

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويتBy 3L3C

قصة منجم نرويجي تعطل بسبب التنوع الحيوي تكشف معضلة المعادن النادرة. تعرف كيف يساعد الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة في الكويت على الموازنة بين الاستدامة والإمداد.

المعادن النادرةاستدامةذكاء اصطناعيسلاسل الإمدادالتحول الطاقيالنفط والغازإدارة المخاطر
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي ومعضلة المعادن النادرة: درس للكويت

الذكاء الاصطناعي ومعضلة المعادن النادرة: درس للكويت

98% من واردات أوروبا من “العناصر الأرضية النادرة” تأتي من بلد واحد. هذه ليست معلومة جيوسياسية عابرة؛ إنها نقطة اختناق لسلاسل توريد تدخل في كل شيء تقريبًا: من مغناطيسات السيارات الكهربائية إلى الإلكترونيات والدفاع. وفي 21/12/2025 ظهر مثال عملي على صعوبة “فكّ الاختناق”: مشروع أكبر مكمن للمعادن النادرة في أوروبا (Fensfeltet قرب أوليفوس في النرويج) تعثّر… بسبب خنافس مهددة بالانقراض وفطريات وطحالب وغابات قديمة.

القصة تبدو للوهلة الأولى أوروبية بحتة. لكنني أراها مرآة ممتازة لما يواجهه قطاع الطاقة عالميًا، وما يجب أن يستوعبه قطاع النفط والغاز في الكويت تحديدًا: التحول الطاقي يحتاج مواد خام حساسة بيئيًا، والضغط على الاستدامة لم يعد “بند علاقات عامة”. الحل الواقعي ليس “التعدين بأي ثمن” ولا “حماية الطبيعة بأي ثمن”، بل إدارة المفاضلات بذكاء—وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي كأداة قرار، لا كزينة تقنية.

لماذا أصبحت المعادن النادرة عقدة في التحول الطاقي؟

الجواب المباشر: لأن كثيرًا من تقنيات الطاقة النظيفة والرقمنة الصناعية تعتمد على مغناطيسات ومحركات ومكوّنات لا تعمل بالكفاءة المطلوبة من دون عناصر أرضية نادرة.

في الخبر النرويجي، نتحدث عن مكمن مُقدّر بنحو 8.8 مليون طن من المعادن النادرة في منطقة صغيرة عدد سكانها يقارب 2,000 نسمة. الاتحاد الأوروبي صنّف هذه العناصر ضمن “المواد الخام الحرجة”، ووضع هدفًا واضحًا: استخراج 10% على الأقل من الاحتياج داخل الاتحاد بحلول 2030. المشكلة؟ لا توجد حاليًا مناجم أرضية نادرة عاملة في أوروبا. أي أن كل مشروع جديد يصطدم فورًا بثلاثة جدران:

  1. الوقت: التحول الطاقي يتقدم، وسلاسل الإمداد لا تنتظر.
  2. البيئة: مشاريع التعدين تُفحص اليوم بتفاصيل لم تكن مطلوبة قبل عقد.
  3. المجتمع المحلي: القبول الاجتماعي أصبح شرطًا اقتصاديًا، لا خيارًا.

وهنا تظهر “المعضلة”: التكنولوجيا التي نحتاجها لتقليل الانبعاثات تتطلب مواد استخراجها قد يهدد التنوع الحيوي.

حكاية “المنجم غير المرئي” ولماذا لم تُقنع الجميع

شركة “Rare Earths Norway” حاولت تقليل الأثر البيئي عبر ما سمّته “المنجم غير المرئي”: استخراج تحت الأرض بدل الحفر السطحي، مع إعادة حقن جزء كبير من مخلفات التعدين. من حيث الفكرة، هذا اتجاه صحيح.

لكن العقدة لم تكن داخل النفق. كانت فوق الأرض: موقع “حديقة المعالجة” ومسار النقل الذي يخرج من تحت الأرض إلى منطقة مغطاة بغابات طبيعية قديمة. خبراء البيئة وجدوا في الموقع 78 نوعًا من الكائنات على “القائمة الحمراء” في النرويج، تشمل خنافس تعتمد على الخشب الميت، وأنواعًا من الفطريات والطحالب وأشجارًا حساسة. النتيجة: اعتراض رسمي من محافظ المقاطعة، وتأجيل زمني جديد للمشروع ليصبح هدف البدء في النصف الأول من ثلاثينيات هذا القرن.

الرسالة المختصرة: “حلول هندسية أنظف” لا تكفي وحدها إذا كانت بيانات التنوع الحيوي تقول إن الموقع خطِر.

أين يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يُغيّر قواعد المفاضلة؟

الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يجعل “الاستدامة” قابلة للقياس والتنبؤ والتحسين، بدل أن تبقى سجالًا بين طرفين.

القصة النرويجية تشرح احتياجًا واضحًا: قرار موقع التعدين والمعالجة والنقل ليس قرار خرائط فقط؛ إنه قرار “بيانات”. وعندما تكون البيانات كثيرة (نظم مائية محمية، أنواع مهددة، أنماط هجرة، رطوبة تربة، مواسم تكاثر)، يصبح الذكاء الاصطناعي مناسبًا جدًا—إذا استُخدم بعقلانية وبحوكمة قوية.

1) ذكاء اصطناعي لرسم “خرائط الحساسية البيئية” قبل التصميم

بدل أن تبدأ الشركة بتصميم موقع ثم تتلقى اعتراضًا بعد الاستشارات، يمكن بناء نموذج ملاءمة موقع منذ البداية يجمع:

  • صور أقمار صناعية عالية التواتر لمراقبة الغطاء النباتي
  • مسوحات ميدانية للتنوع الحيوي
  • بيانات المناخ المحلي (الأمطار، الرطوبة، موجات الحر/البرد)
  • خرائط المجاري المائية والمناطق المحمية

ثم يخرج النموذج بخرائط “مناطق ممنوعة/عالية الحساسية/متوسطة/منخفضة”. الفائدة هنا ليست تقنية فقط؛ إنها تقليل مخاطر التعطّل وتكاليف إعادة التصميم.

جملة قابلة للاقتباس: الذكاء الاصطناعي لا يختصر الطريق عبر الطبيعة، بل يختصر الطريق إلى قرارٍ أقل ضررًا.

2) التنبؤ بالأثر على الأنواع المهددة… بدل الاكتفاء بوصفه

وجود خنافس “سابرُوكسيليك” تعتمد على الأخشاب الميتة يعني أن قطع الغابات أو تغيير الرطوبة قد يضرب سلسلة غذائية صغيرة لكنها حساسة. هنا يمكن لنماذج تعلم الآلة أن تتنبأ بتغير “ملاءمة الموطن” مع سيناريوهات مختلفة:

  • موقع المعالجة A مقابل B
  • حجم منطقة الإزالة
  • توقيت العمل (مواسم تكاثر/نشاط)
  • مستوى الضجيج والاهتزاز والإضاءة الليلية

النتيجة: بدل “نخشى أن يتضرر النوع”، يصبح لديك تقدير: سيناريو A يزيد خطر فقدان الموطن بنسبة أعلى من سيناريو B، ما يجعل النقاش أكثر موضوعية.

3) تحسين عمليات التعدين والمعالجة لتقليل المخلفات والمياه

حتى لو حُسم موقع المشروع، يبقى السؤال: كيف نقلل الأثر داخل التشغيل؟ الذكاء الاصطناعي يمكنه تحسين:

  • استهلاك الطاقة في الطحن والسحق عبر التحكم التنبؤي
  • استهلاك المياه في فصل المعادن عبر نماذج ضبط آني
  • نوعية المخلفات عبر تحسين نسب الخلط والترشيح
  • الانبعاثات عبر مراقبة مستمرة وإجراءات تصحيحية فورية

وهذا بالضبط نوع “التحسين التشغيلي” الذي تعرفه شركات النفط والغاز في الكويت جيدًا، ويمكن توسيعه إلى ملفات الاستدامة والامتثال البيئي.

ماذا يعني هذا للكويت: من النفط والغاز إلى “سلاسل توريد الطاقة”

الجواب المباشر: الكويت ليست بعيدة عن معضلة المعادن النادرة، لأنها جزء من اقتصاد طاقة عالمي يعتمد على هذه المواد لتقنيات الكفاءة والرقمنة والتقليل من الانبعاثات.

ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت”، هذه القصة مهمة لسبب عملي: كثير من مبادرات الذكاء الاصطناعي في الطاقة (حساسات، روبوتات تفتيش، محركات عالية الكفاءة، مراكز بيانات) تعتمد على مكوّنات تحتوي على عناصر حرجة. أي اضطراب عالمي في الإمداد—بسبب بيئة أو سياسة—ينعكس على تكلفة المشاريع وتوقيت تنفيذها.

ثلاثة تطبيقات يمكن للكويت أن تتبناها الآن

  1. نمذجة مخاطر سلاسل التوريد: بناء نماذج ذكاء اصطناعي تتنبأ بتقلبات أسعار وتوافر المعادن الحرجة وتأثيرها على مشاريع الطاقة والرقمنة.
  2. حوكمة بيانات الاستدامة: توحيد بيانات الانبعاثات، المياه، التنوع الحيوي (حيث ينطبق)، والنفايات الصناعية في منصة واحدة قابلة للتدقيق.
  3. مشتريات مسؤولة مدعومة بالبيانات: إدخال “مؤشر أثر بيئي/اجتماعي” للموردين ضمن التقييم، مع سيناريوهات بدائل في حال تعثر مصدر.

هذه ليست أفكارًا نظرية. هي أدوات تقلل المخاطر التشغيلية والسمعة وتزيد قدرة القطاع على تنفيذ مشاريع كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات ضمن جداول زمنية واقعية.

كيف تبدو “الموازنة الذكية” بين الاقتصاد والطبيعة؟

الجواب المباشر: الموازنة الذكية تعني اختيارًا معلنًا بين بدائل، مع أرقام واضحة وخطة تعويض بيئي، لا قرارًا ضبابيًا.

في النرويج، البلدية تريد وظائف وإنعاشًا لمدينة شهدت هجرة وظائف وشباب لعقود. والعلماء يريدون حماية غابة قديمة تضم أنواعًا مهددة. هذا النوع من الصدام سيتكرر عالميًا.

عمليًا، هناك إطار عمل أراه منطقيًا لأي مشروع استخراج أو طاقة عالي الأثر:

1) “تسلسل التخفيف” كقاعدة قرار

  • تجنب: استبعد المناطق الأعلى حساسية من البداية.
  • تقليل: صمّم عمليات تقلل البصمة (تحت الأرض، تقليل إضاءة الليل، تخفيض الضجيج).
  • استعادة: خطط لاستعادة الموائل المتأثرة.
  • تعويض: عند الضرورة، تعويض بيئي قابل للقياس.

2) لوحة مؤشرات مشتركة بين الشركة والجهات الرقابية والمجتمع

أفضل طريقة لتخفيف التوتر هي تحويله إلى شفافية قابلة للمتابعة. لوحة مؤشرات شهرية يمكن أن تشمل:

  • مؤشرات جودة المياه في النظام المائي القريب
  • رصد أنواع حساسة (بمستشعرات/مصائد تصوير/مسوحات)
  • حجم المخلفات وإعادة الحقن
  • التزام بمواسم عمل محددة لحماية فترات التكاثر

هنا يصبح الذكاء الاصطناعي “محرك متابعة” لا مجرد محرك إنتاج.

أسئلة شائعة تُطرح بعد قصة النرويج (وإجابات مباشرة)

هل الذكاء الاصطناعي يحل مشكلة المعارضة البيئية؟

لا. لكنه يجعل الخيارات أوضح ويقلل المفاجآت، ويحوّل الحوار من “انطباعات” إلى “سيناريوهات قابلة للقياس”.

هل التعدين تحت الأرض دائمًا أفضل من التعدين السطحي؟

غالبًا يقلل التشويه البصري وقطع الغطاء النباتي، لكن أثره على المياه الجوفية والمخلفات قد يبقى حساسًا. الأفضلية تتحدد بالبيانات والموقع.

لماذا يهم هذا لقطاع النفط والغاز في الكويت؟

لأن التحول الطاقي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الصناعية تعتمد على سلاسل توريد عالمية لمواد حرجة. إدارة المخاطر هنا جزء من إدارة الطاقة نفسها.

ماذا نفعل من الغد؟ خطوات عملية لشركات الطاقة في الكويت

الجواب المباشر: ابدأوا من البيانات، ثم النماذج، ثم القرار.

إذا كنت تعمل في شركة طاقة أو مزود خدمات للنفط والغاز في الكويت، هذه ثلاث خطوات “واقعية” خلال 90 يومًا:

  1. جرد بيانات الاستدامة والتشغيل: ما الذي نملكه (انبعاثات، مياه، مخلفات، صيانة، مشتريات)؟ وما الذي ينقص؟
  2. حالة استخدام واحدة عالية العائد: مثل تحسين استهلاك الطاقة في وحدة صناعية، أو نموذج مخاطر توريد لمكوّنات رقمية حساسة.
  3. حوكمة واضحة: من يملك البيانات؟ من يراجع النماذج؟ وكيف يتم توثيق القرارات؟

بعدها يصبح الانتقال إلى حالات أعقد—مثل نمذجة أثر بيئي أو تحسين إدارة المياه—أسرع وأقل مقاومة داخل المؤسسة.

الدرس القادم من النرويج ليس عن الخنافس فقط. الدرس عن أن “التحول” يتعطل عندما نؤجل التفكير في الطبيعة والبيانات إلى آخر لحظة. وفي سلسلة مقالاتنا حول كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت، هذا بالضبط هو جوهر الموضوع: الذكاء الاصطناعي ليس ترفًا؛ هو طريقة لإدارة مفاضلات صعبة بقرارات أفضل.

إذا كان مشروع بحجم قارة يمكن أن يتوقف عند 78 نوعًا في غابة قديمة، فالسؤال الذي يستحق أن نختم به هو: كيف نُصمم مشاريع الطاقة في الكويت بحيث تكون “قابلة للتنفيذ” منذ اليوم الأول—اقتصاديًا وبيئيًا وتشغيليًا؟