الذكاء الاصطناعي يستهلك كهرباء أكثر: فرص الكويت

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويتBy 3L3C

جوع الذكاء الاصطناعي للكهرباء صار عقبة عالمية. هذه قراءة عملية لكيف تستطيع الكويت دعم أحمال AI وتحسين كفاءة الطاقة والنفط والغاز.

الذكاء الاصطناعيالطاقة في الكويتالنفط والغازمراكز البياناتكفاءة الطاقةالشبكات الكهربائية
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي يستهلك كهرباء أكثر: فرص الكويت

الذكاء الاصطناعي يستهلك كهرباء أكثر: فرص الكويت

47 جيجاواط من طلبات مراكز البيانات في ولاية أمريكية واحدة (فرجينيا) رقم يكفي وحده لتفسير القصة: سباق الذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند الشرائح والمعالجات… بل يتعثر عند الكهرباء وخطوط النقل والتبريد. هذا ليس تفصيلاً تقنياً؛ إنه عامل حاسم قد يحدد من يربح اقتصاد الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس القادمة.

وهنا تحديداً تظهر قيمة الحديث عن الكويت. لأن المشكلة العالمية التي يقرّ بها قادة التقنية—نقص القدرة الكهربائية والبطء في توصيلها لمراكز البيانات—تضع قطاع الطاقة والنفط والغاز أمام سؤال عملي: كيف نُطعم الذكاء الاصطناعي كهرباءً بشكل موثوق، وبكلفة منضبطة، وبانبعاثات أقل؟

هذه التدوينة جزء من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت»، وسأربط بين “جوع الذكاء الاصطناعي للطاقة” وبين ما يمكن للكويت فعله الآن: ليس فقط لتلبية الطلب، بل لتحويله إلى فرص تشغيلية وتجارية—من تحسين كفاءة الشبكة، إلى رفع موثوقية الإمداد، إلى تشغيل أصول النفط والغاز بذكاء أكبر.

لماذا أصبحت الكهرباء عنق الزجاجة في سباق الذكاء الاصطناعي؟

السبب المباشر بسيط: القدرة الحاسوبية وحدها لا تكفي إذا لم تجد كهرباء قريبة وسريعة التوصيل. شركات التقنية الكبرى قد تشتري ملايين الشرائح، لكن من دون محطات، ومحولات، وخطوط نقل عالية الجهد، وبنية تبريد، تتحول الشرائح إلى مخزون لا يعمل.

في الولايات المتحدة، بناء مركز بيانات ضخم قد يستغرق نحو سنتين، بينما إدخال خطوط نقل عالية الجهد للخدمة قد يستغرق 5 إلى 10 سنوات. الفجوة الزمنية هذه هي المشكلة. ومن هنا جاء تصريح أحد التنفيذيين الكبار في القطاع التقني بأن الأزمة لم تعد “وفرة حوسبة” بل “وفرة شرائح بلا كهرباء كافية”.

وتحت ضغط الطلب، بدأت بعض شركات المرافق تؤخر إغلاق محطات الفحم رغم أثرها المناخي. كما عاد الغاز الطبيعي ليكون خياراً مفضلاً لأنه أسرع في التنفيذ. ووفق تقديرات دولية، الغاز يزوّد نحو 40% من مراكز البيانات عالمياً—وهذا رقم يفسر لماذا سيبقى الغاز لاعباً أساسياً حتى مع توسع الطاقة المتجددة.

أرقام تختصر المشهد (قابلة للاقتباس)

  • طلبات مراكز البيانات لدى مزود رئيسي في فرجينيا وصلت إلى 47 جيجاواط (تعادل تقريباً إنتاج 47 مفاعلاً نووياً).
  • استهلاك مراكز البيانات في الولايات المتحدة قد يصل إلى 7%–12% من إجمالي الاستهلاك بحلول 2030 (مقارنةً بنحو 4% حالياً وفق تقديرات متعددة).
  • في حال تحقق سيناريو نمو متشدد، قد يظهر عجز يصل إلى 45 جيجاواط بحلول 2028 بحسب تقديرات مصرف استثماري كبير.

هذه الأرقام لا تهم أمريكا فقط. هي إشارة مبكرة: أي دولة تريد أن تصبح موطناً لمراكز بيانات أو تطبيقات ذكاء اصطناعي كثيفة، ستصطدم بنفس المعادلة: كهرباء + شبكة + تبريد + زمن تنفيذ.

ماذا يعني ذلك للكويت ولقطاع النفط والغاز والطاقة؟

الإجابة المباشرة: الكويت أمام فرصة مزدوجة.

  1. فرصة دفاعية: ضمان أن توسع الذكاء الاصطناعي محلياً (في الحكومة، البنوك، الاتصالات، الطاقة) لا يصطدم بقيود القدرة والذروة.

  2. فرصة هجومية: تحويل قطاع الطاقة إلى شريك جاهز لتغذية اقتصاد البيانات في المنطقة عبر كهرباء موثوقة، وتحسين كفاءة التشغيل، وتقليل الهدر—مع قابلية استضافة أحمال رقمية كبيرة عندما تصبح السوق ناضجة.

والأهم أن قطاع النفط والغاز ليس “خارج اللعبة”. الواقع أن الغاز المرن، ومحطات التوليد، وإدارة الشبكة، وحتى إدارة المياه للتبريد، كلها تقع داخل نطاق خبرات الطاقة التقليدية—لكن بأساليب تشغيل جديدة تعتمد على التحليلات والذكاء الاصطناعي.

“جوع الذكاء الاصطناعي للطاقة” يفتح ملفين حساسين

  • الكلفة: مراكز البيانات أحمال ثابتة وكبيرة. إذا لم تُدار بشكل ذكي، سترفع كلفة الذروة وتشوه تسعير الكهرباء للمستهلكين.
  • الاستدامة: أي توسع غير محسوب قد يرفع الانبعاثات أو يضغط على موارد التبريد.

ولهذا بالضبط، تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة الكويتي يجب أن تُبنى حول هدفين: رفع الكفاءة أولاً، ثم توسيع القدرة بذكاء.

كيف يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليل استهلاك الطاقة بدل زيادته؟

الفكرة المحورية: ليس مطلوباً دائماً إنتاج كهرباء أكثر؛ المطلوب غالباً إدارة أفضل للطلب وللأصول. وهذا المجال هو ملعب الذكاء الاصطناعي الحقيقي في الطاقة.

1) التنبؤ بالأحمال والذروة بدقة أعلى

التنبؤ التقليدي يعتمد على نماذج موسمية وبيانات تاريخية. الذكاء الاصطناعي يضيف طبقات جديدة:

  • حرارة ورطوبة لحظية وتوقعات دقيقة بالساعة
  • سلوك استهلاك حسب المناطق
  • أنماط تشغيل المصانع والمرافق
  • أحداث غير نمطية (عطلات، فعاليات، تغييرات تعرفة)

النتيجة العملية: قرارات تشغيل أفضل لمحطات التوليد، وتقليل تشغيل احتياطي مكلف، وتخفيض احتمالات انقطاع أو هبوط الجهد.

2) صيانة تنبؤية لمحطات التوليد والشبكات

الأصول الكهربائية (توربينات، محولات، قواطع، كابلات) تُظهر إشارات مبكرة قبل الأعطال. عبر نماذج تعلم آلي على بيانات الاهتزاز، والحرارة، والتيارات، يمكن:

  • اكتشاف الانحراف قبل حدوث عطل
  • جدولة الصيانة حسب الحالة الفعلية لا حسب “التقويم”
  • تقليل التوقفات غير المخطط لها

هذا النوع من المشاريع في الطاقة يعطي عائداً واضحاً لأنه يترجم إلى توفر أعلى للأصول وانخفاض في تكاليف الإصلاح الطارئ.

3) تحسين كفاءة محطات الغاز والبخار (Heat Rate Optimization)

في النفط والغاز تحديداً، هناك مكاسب كبيرة في تحسين كفاءة الاحتراق والتشغيل:

  • ضبط نسبة الهواء/الوقود
  • تحسين نقاط التشغيل حسب الحمل
  • تقليل الفواقد أثناء الإقلاع والتوقف

الذكاء الاصطناعي هنا لا يعمل كـ“طيّار آلي”، بل كمستشار لحظي يقترح إعدادات تشغيل تحقق نفس القدرة بكلفة وقود أقل.

4) إدارة الطاقة داخل المنشآت النفطية نفسها

منشآت النفط والغاز كثيفة الاستهلاك للطاقة: ضواغط، مضخات، وحدات فصل ومعالجة. كثير من الهدر يأتي من تشغيل زائد عن الحاجة أو تشغيل غير متوازن.

تطبيقات عملية شائعة:

  • كشف التسربات في شبكات الهواء المضغوط
  • تحسين جدول تشغيل المضخات والضواغط
  • مراقبة استهلاك الطاقة حسب الوحدة (Unit-level energy accounting)

جملة واضحة أستخدمها كثيراً مع فرق التشغيل: “الطاقة التي لا نستهلكها هي أرخص طاقة.”

ما البنية التحتية المطلوبة لدعم الذكاء الاصطناعي في الكويت؟

الجواب المختصر: لا يكفي إضافة قدرة توليد؛ يجب بناء “قابلية توصيل” سريعة ومرنة للأحمال الجديدة.

شبكة ونقل: السرعة أهم من السعة

أكبر درس من التجربة الأمريكية أن خطوط النقل ومحطات التحويل قد تتأخر سنوات. لذلك، أي خطة لدعم أحمال رقمية (مراكز بيانات، حوسبة عالية الأداء) تحتاج:

  • خرائط جاهزية للشبكة قرب المناطق الصناعية والرقمية
  • مسارات سريعة لترخيص وتنفيذ محطات تحويل جديدة
  • حلول مرحلية مثل التخزين بالبطاريات لتخفيف الذروة

التبريد والمياه: ملف لا يصح تجاهله

مراكز البيانات تستهلك ماءً في التبريد في كثير من التصاميم. في بيئة الخليج، الأفضلية تتجه نحو:

  • تبريد هوائي عالي الكفاءة حيثما أمكن
  • إعادة استخدام المياه المعالجة
  • تصميمات تبريد هجينة تقلل الاعتماد على المياه العذبة

هذه قرارات هندسية، لكنها أيضاً قرارات “سمعة” لأن المجتمع أصبح أكثر حساسية لموضوع الموارد.

الطاقة المتجددة + التخزين: ليست رفاهية

التوسع في الشمس والبطاريات يساعد بطريقتين:

  1. تغطية جزء من أحمال النهار وخفض الوقود
  2. تخفيف الضغط على الشبكة وقت الذروة عبر التخزين

والنقطة العملية: مراكز البيانات يمكن التفاوض معها لتكون “مرنة” جزئياً عبر إدارة الحمل، خصوصاً للأعمال غير الحساسة للزمن (Batch jobs) مثل تدريب بعض النماذج أو المعالجة غير الفورية.

خطة عملية من 6 خطوات لشركات الطاقة والنفط والغاز في الكويت

هذه ليست قائمة مثالية على الورق. هي خطوات تبدأ عادةً بعائد سريع ثم تتوسع:

  1. تدقيق بيانات الطاقة (Energy Data Audit): أين البيانات؟ من يملكها؟ هل هي موثوقة؟
  2. لوحة قيادة للطاقة والانبعاثات: مؤشرات يومية/أسبوعية على مستوى الوحدة والمنشأة.
  3. مشروع واحد عالي العائد خلال 90 يوماً: مثل الصيانة التنبؤية لمحول حرج أو تحسين تشغيل ضاغط.
  4. نموذج تنبؤ للذروة والطلب: وربطه بقرارات تشغيل فعلية (وليس تقريراً فقط).
  5. حوكمة نموذج الذكاء الاصطناعي: من يعتمد النتائج؟ كيف نمنع “وصفة خاطئة” من أن تصبح قراراً تشغيلياً؟
  6. خارطة طريق لمراكز بيانات/أحمال رقمية: مواقع جاهزة كهربائياً، وخيارات تبريد، وخطة توسعة.

إذا طلبت مني اختيار خطوة واحدة لا يتجاوزها أحد: ابدأوا بالبيانات التشغيلية وجودتها. أغلب مشاريع الذكاء الاصطناعي في الطاقة تفشل لأن البيانات غير مكتملة أو غير موحدة، لا لأن النموذج “غير ذكي”.

أسئلة يكررها التنفيذيون (وإجابات مباشرة)

هل سيجعل الذكاء الاصطناعي فاتورة الكهرباء أعلى في الكويت؟

نعم إذا توسعت الأحمال الرقمية بلا إدارة ذكية للذروة، وبلا تحسين للكفاءة. لكنه قد يخفض الكلفة إذا استُخدم لتقليل الهدر ورفع كفاءة محطات التوليد والشبكة.

هل الغاز الطبيعي سيبقى مهماً رغم الطاقة المتجددة؟

سيبقى مهماً على الأقل في المدى المتوسط لأنه أسرع خيار لتوفير قدرة مرنة، خصوصاً عندما تتسارع الأحمال. التحدي هو تشغيله بكفاءة أعلى وربطه بحلول تخزين ومتجددة.

ما أسرع استخدام للذكاء الاصطناعي يعطي نتيجة؟

الصيانة التنبؤية وتحسين تشغيل الأصول (محطات، ضواغط، مضخات) عادةً تعطي نتائج أسرع من مشاريع التحول الضخمة، لأنها تقلل أعطالاً مكلفة فوراً.

أين تتجه الصورة في 2026؟ وما الذي يجب أن تفعله الكويت الآن؟

نهاية 2025 وبداية 2026 تحملان إشارة واضحة: شركات التقنية عالمياً تتحرك نحو حلول متعددة—غاز سريع، استثمارات شمس وبطاريات، ومحاولات طويلة المدى مثل المفاعلات الصغيرة—لأن الطلب على الكهرباء أصبح “جزءاً من استراتيجية الذكاء الاصطناعي”، وليس بنداً تشغيلياً.

بالنسبة للكويت، هذا هو الوقت المناسب لقرارات واقعية: رفع كفاءة الأصول الحالية أولاً، ثم بناء مرونة للشبكة والتبريد، ثم فتح الباب تدريجياً لأحمال رقمية أكبر. الذكاء الاصطناعي هنا ليس قصة “تقنية معلومات” فقط؛ هو مشروع طاقة بامتياز.

إذا أردنا عبارة واحدة تلخص موقف الكويت في هذه السلسلة: الذكاء الاصطناعي يستهلك طاقة أكثر… لكن يمكننا جعل كل ميجاواط يعمل بذكاء أكبر.

والسؤال الذي يستحق أن يُطرح داخل كل شركة طاقة ونفط وغاز في 2026: هل نريد أن نكون مجرد مزود كهرباء للأحمال الجديدة، أم شريكاً يصممها ويشغلها بكفاءة واستدامة؟