مشروع مصر لتغذية مليون فدان بالكهرباء يوضح كيف تجعل خطط الشبكات أكثر دقة. تعرّف كيف يدعم الذكاء الاصطناعي التخطيط والتشغيل في الكويت.

الذكاء الاصطناعي وشبكات الكهرباء: درس من مصر للكويت
في 29/12/2025 أُعلن في مصر عن مشروع كهرباء ضخم بتكلفة تقديرية تقارب 25 مليار جنيه مصري (نحو 524 مليون دولار) لتغذية ما يقارب مليون فدان في سهل غرب المنيا، عبر محطات جهد فائق/عالٍ وخطوط مغذّيات تُنفَّذ على مرحلتين، مع قدرة إجمالية مستهدفة تقارب 500 MVA عند اكتمال التنفيذ.
هذه ليست “قصة كهرباء” فقط. هي قصة بنية تحتية تُفتح معها أبواب الزراعة الحديثة، جذب الاستثمار، وفرص العمل—وفي الوقت نفسه تكشف شيئاً كثيرون يتجاهلونه: المشكلة الكبرى في مشاريع الكهرباء ليست دائماً التمويل أو المعدات… بل القرار التشغيلي اليومي: أين تبني؟ متى توسّع؟ كيف تتوقع الأحمال؟ وكيف تمنع الأعطال قبل أن تصبح أزمة؟
وهنا يدخل موضوع سلسلتنا: كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت. لأن الكويت—مثل غيرها—ليست بحاجة إلى “تقنية للعرض”، بل إلى ذكاء اصطناعي يُترجم إلى خفض أعطال، تقليل هدر، تسريع تنفيذ، وتحسين جودة الخدمة في الشبكات، وفي مرافق النفط والغاز التي تعتمد عليها.
ماذا تقول لنا تجربة غرب المنيا عن “قواعد اللعبة” في الكهرباء؟
المغزى الأوضح من مشروع غرب المنيا أن الكهرباء أصبحت شرطاً مسبقاً للتنمية لا نتيجة لها. عندما تستهدف دولة استصلاح مليون فدان، فهي لا تستطيع الانتظار حتى تنمو الأحمال ثم تلاحقها. يجب أن تُنشئ الشبكة أولاً، وبمعايير عالية، وعلى مراحل.
في الإعلان المصري، هناك ثلاث نقاط عملية يمكن لأي صانع قرار طاقة في المنطقة أن يلتقطها فوراً:
- تنفيذ على مرحلتين: المرحلة الأولى بطاقة 100 MVA ثم توسّع لاحق للوصول إلى 500 MVA.
- تعاقد استشاري/رقابي مع جهة متخصصة لمراجعة التصاميم والإشراف على الطرح والتنفيذ.
- رؤية أشمل للبنية التحتية تشمل الطرق، الاتصالات، والتخطيط لمحطات طاقة متجددة لاحقاً.
هذه بالضبط هي “البيئة الطبيعية” التي يتألق فيها الذكاء الاصطناعي: مشاريع متعددة الأطراف، بيانات تتغير، أحمال غير مستقرة في بداياتها، وتوسّعات مرحلية تحتاج قرارات دقيقة لتجنب تضخيم الشبكة أو خنقها.
أين يضيف الذكاء الاصطناعي قيمة مباشرة في مشاريع كهربة المناطق الجديدة؟
الجواب المختصر: في ثلاث طبقات—التخطيط، التشغيل، والصيانة. والميزة أن كل طبقة تؤثر في التكاليف والموثوقية بسرعة.
1) التنبؤ بالأحمال قبل حدوثها (Load Forecasting)
في مناطق جديدة أو توسعات زراعية/صناعية، الأحمال ليست “ثابتة”. موسم الري، ساعات التشغيل، دخول مستثمرين جدد—كلها تغيّر المنحنى.
الذكاء الاصطناعي ينجح هنا عندما يدمج:
- بيانات العدادات الذكية (إن وُجدت) أو قراءات المحطات
- بيانات الطقس (الحرارة تؤثر على الضخ والتبريد)
- أنماط المواسم الزراعية
- مؤشرات اقتصادية محلية (تشغيل مشاريع، توسع مزارع، مصانع تعبئة)
نتيجة عملية: تقليل قرارات “الزيادة الاحتياطية” المكلفة، وتحسين اختيار مقاطع الكابلات، سعات المحولات، وجدولة التوسعات.
2) إدارة الشبكة لحظياً وتقليل الفاقد
في شبكات الجهد العالي والمغذيات الطويلة، الفاقد الفني (Technical Losses) قد يرتفع إذا لم تتم إدارة الأحمال والقدرة الردّية بشكل ذكي.
نماذج الذكاء الاصطناعي يمكن أن تدعم:
- تحسين إعدادات
Volt/VARتلقائياً - اكتشاف أنماط فاقد غير طبيعي في مغذيات معينة
- توصية بإعادة توزيع الأحمال بين محطات/مغذيات لتخفيف الاختناق
رسالة واحدة قابلة للاقتباس:
“كل ميغاواط لا يضيع في الفاقد هو ميغاواط لا تحتاج أن تولّده أو تنقله.”
وهذه الرسالة مهمة للكويت أيضاً، لأن تحسين كفاءة الشبكة يعني ضغطاً أقل على منظومة التوليد، خصوصاً في فترات الذروة.
3) الصيانة التنبؤية للمحطات وخطوط النقل
المحطات ليست مجرد خرسانة ومفاتيح. هي سلسلة مكونات إذا تعطل أحدها توقف خط كامل. الصيانة التقليدية تعتمد على الجداول الدورية أو البلاغات بعد العطل.
الذكاء الاصطناعي يغيّر المعادلة عبر:
- تحليل حرارة المعدات، الاهتزازات، الضوضاء (عبر حساسات)
- مقارنة سلوك القواطع والمحولات بأنماط الأعطال السابقة
- التنبؤ باحتمال العطل خلال “نافذة زمنية” وتحديد أولوية التدخل
الأثر المباشر: تقليل الانقطاعات، وتقليل قطع الغيار الطارئة، ورفع السلامة.
لماذا هذا مهم للكويت تحديداً—حتى قبل أن نتكلم عن النفط والغاز؟
لأن الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز يبدأ عملياً من الكهرباء. حقول الإنتاج، محطات الضخ، أنظمة التحكم، المصافي—كلها تعتمد على كهرباء موثوقة، وعلى قدرة تشغيلية تتعامل مع الذروة والهبوط دون مفاجآت.
والواقع أن الكويت تواجه تحديات معروفة في المنطقة: ارتفاع الطلب صيفاً، حساسية الشبكة لأي اختناق، وتوسع مستمر في الأحمال. لذلك، تطبيقات مثل التنبؤ بالأحمال والتحكم المتقدم بالشبكة ليست رفاهية.
الأهم: عندما تستثمر الحكومة في مشاريع بنية تحتية (كما في الخبر المصري)، فإن قيمة المشروع لا تُقاس فقط بسعة المحطة، بل بقدرتها على الاستمرار بموثوقية وتكلفة تشغيل معقولة لعشرين سنة قادمة.
نموذج عملي: كيف نُصمم “مشروع كهرباء ذكي” من اليوم الأول؟
إذا كنت مسؤولاً في جهة حكومية، أو شركة طاقة، أو حتى مقاول EPC يعمل في مشاريع محطات وخطوط، فهذه خطوات عملية رأيت أنها تقلل المخاطر وتزيد العائد التشغيلي:
1) اجعل البيانات جزءاً من نطاق المشروع (Project Scope)
بدلاً من اعتبار أنظمة القياس والتحليلات “إضافات لاحقة”، ضمّن من البداية:
- نقاط قياس واضحة على المغذيات
- منصة تجميع بيانات (SCADA/EMS/DMS بحسب النطاق)
- سياسة جودة بيانات (من المسؤول؟ ما التواتر؟ كيف تُنقّح؟)
2) اختر 3 حالات استخدام فقط في أول 90 يوماً
أكبر خطأ أن تبدأ بـ 12 مبادرة في وقت واحد. ابدأ بـ 3 حالات ذات عائد سريع:
- تنبؤ حمل أسبوعي/شهري للمغذيات الرئيسية
- كشف فاقد غير طبيعي أو اختناق على المغذيات
- صيانة تنبؤية لمحول/قاطع عالي الأهمية
3) اربط الذكاء الاصطناعي بمؤشرات أداء واضحة
حتى لا يتحول المشروع إلى “لوحات جميلة”، اربطه بمؤشرات مثل:
- تقليل مدة الانقطاع (بالدقائق لكل مشترك/منطقة)
- خفض الفاقد على مغذيات محددة
- تقليل أوامر العمل الطارئة
- التزام الجدول الزمني لتوسعات المرحلة الثانية
أسئلة شائعة (بنفس أسلوب “People Also Ask”)
هل يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى عدادات ذكية حتى ينجح؟
لا. العدادات الذكية تساعد كثيراً، لكن يمكن البدء ببيانات المحطات، SCADA، وقراءات المغذيات، ثم التوسع لاحقاً.
ما الفرق بين “الأتمتة” و“الذكاء الاصطناعي” في الشبكات؟
الأتمتة تنفّذ قواعد ثابتة. الذكاء الاصطناعي يتعلم من البيانات ويُحسّن القرار مع الوقت، خصوصاً في التنبؤ بالأحمال وكشف الأنماط غير الطبيعية.
هل هذا مناسب للمناطق الزراعية/الريفية مثل مشروع غرب المنيا؟
نعم، بل هو مناسب جداً لأن الأحمال هناك تتغير موسميًا، والبنية التحتية تمتد لمسافات طويلة، ما يرفع قيمة التنبؤ والصيانة التنبؤية.
ما الذي يمكن للكويت أن “تستعيره” من درس مصر—ثم تضيف عليه بالذكاء الاصطناعي؟
المبدأ الذي أراه حاسماً: البنية التحتية وحدها لا تكفي؛ نحتاج بنية تحتية تُدار بالبيانات.
من تجربة غرب المنيا يمكن استعارة:
- التنفيذ المرحلي المنضبط (100 MVA ثم توسع إلى 500 MVA)
- الحوكمة عبر إشراف فني قوي
- ربط الكهرباء بخطة أشمل للبنية التحتية
ثم تضيف الكويت (وهنا تبرز فرص الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة والنفط والغاز):
- منصة تنبؤ بالأحمال مرتبطة بالتوسع العمراني والصناعي
- نظام إدارة شبكة يركز على تقليل الفاقد والاختناقات
- صيانة تنبؤية للمحطات والخطوط ذات الأولوية
“المحطة ليست أصلًا ثابتاً؛ هي أصل يُنتج قيمة فقط إذا أدرته بذكاء.”
قبل أن تُطلق المرحلة التالية من أي توسع شبكي، اسأل نفسك سؤالاً واحداً: هل لدينا رؤية بيانات واضحة تجعل التشغيل أسهل بعد الافتتاح… أم أننا سنبدأ بجمع البيانات بعد أول عطل؟
دعوة للخطوة التالية
إذا كنت تعمل في قطاع الطاقة أو النفط والغاز في الكويت—أو تتعامل مع مشاريع محطات وخطوط—فابدأ بخارطة طريق قصيرة: ثلاث حالات استخدام، 90 يوماً، ومؤشر أداء واحد واضح لكل حالة. بعدها فقط ستعرف أين يستحق التوسع.
هل تريد أن تكون المرحلة الثانية من توسعات الشبكة قراراً مبنياً على الحدس… أم قراراً مبنياً على بيانات؟