كيف تكشف مشاريع محطات 380 ك.ف في الخليج دور الذكاء الاصطناعي في رفع الاعتمادية وتقليل الأعطال بالكويت. خطوات عملية للبدء خلال 12 شهرًا.

الذكاء الاصطناعي وشبكات الكهرباء في الكويت: دروس من الخليج
أكثر نقطة يستخف بها الناس في “تحوّل الطاقة” هي أن الكهرباء لا تُدار بالشعارات… بل بالمحطات والمحولات والقواطع ومئات آلاف نقاط القياس. أي خلل صغير في موقع واحد قد ينعكس على مدينة كاملة. لهذا، عندما نسمع عن مشروع محطة تحويل بجهد 380 ك.ف في السعودية (ضمن موجة تحديث البنية التحتية الكهربائية في الخليج)، فالقصة ليست “مشروع جديد” فقط؛ بل إشارة واضحة إلى اتجاه إقليمي: الشبكات تتوسع وتتعقد، والبيانات تتضاعف، والذكاء الاصطناعي يصبح ضرورة تشغيلية.
في سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت”، هذا المقال يضع محطة التحويل كعدسة عملية: ماذا يعني التوسع في محطات الجهد العالي للكويت؟ وأين يدخل الذكاء الاصطناعي تحديدًا في التنفيذ، والتشغيل، والصيانة، وإدارة المخاطر؟ والأهم: كيف يتحول ذلك إلى نتائج ملموسة مثل تقليل الأعطال، وتسريع المشاريع، ورفع الاعتمادية.
لماذا مشاريع محطات 380 ك.ف تعني “بيانات أكثر” قبل أن تعني “قدرة أكبر”
محطات الجهد العالي مثل 380 ك.ف ليست مجرد مبانٍ ومعدات ثقيلة؛ هي عقد تشغيلية تربط بين التوليد، والنقل، والتوزيع، والأحمال الصناعية، وأحيانًا مشاريع كبرى كتحلية المياه أو المدن الجديدة. ومع كل توسع، ترتفع ثلاثة أمور في الوقت نفسه: التعقيد، وحجم البيانات، وكلفة التوقف.
على مستوى الخليج، تحديث محطات التحويل يذهب غالبًا في اتجاهين:
- أتمتة أعلى داخل المحطة (أنظمة تحكم وحماية رقمية IEDs، وأنظمة SCADA).
- قابلية دمج أفضل للبيانات (حساسات، قياسات لحظية، سجلات أعطال، وبيانات جودة الطاقة).
وهنا تأتي الفكرة التي أراها فاصلة: الأتمتة وحدها لا تكفي. إذا كانت المحطة “رقمية” لكنها تُدار بعقلية تشغيل قديمة—تقارير يدوية، ومراجعات أسبوعية، واستجابة بعد وقوع العطل—فلن تحصل على القفزة التي تتوقعها.
الجملة التي تختصر الموضوع: الشبكة الحديثة تُدار بالذكاء، لا بالمراقبة فقط.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي في مشاريع البنية التحتية الكهربائية؟ (من الموقع إلى غرفة التحكم)
الذكاء الاصطناعي لا يبدأ عند تشغيل المحطة؛ يبدأ من لحظة التخطيط وينتهي عند تحسين الأداء اليومي. وهذه أربع نقاط يثبت فيها الذكاء الاصطناعي نفسه في مشاريع محطات التحويل الحديثة.
1) إدارة تنفيذ المشروع: التنبؤ بالتأخير قبل أن يحدث
المشاريع الكبيرة تتأخر غالبًا لأسباب “عادية”: سلسلة توريد، تعارضات تصميم، نقص موارد، أو إعادة عمل بسبب اختلافات الموقع. الذكاء الاصطناعي هنا لا يحل مكان مدير المشروع، لكنه يعطيه ميزة تنافسية: إنذار مبكر.
تطبيقات عملية في مشاريع المحطات:
- تحليل جداول
Primavera/MS Projectتاريخيًا للتنبؤ بمسارات التأخير الحرجة. - ربط تقدم الأعمال بالموقع (صور/فيديو/مسح ثلاثي الأبعاد) لاكتشاف الانحراف عن المخطط.
- نماذج تتعلم من طلبات التغيير السابقة لتقدير أثرها على الوقت والتكلفة بدقة أكبر.
النتيجة المتوقعة: قرارات أسرع في “اللحظة الصحيحة” بدل قرارات متأخرة بعد ظهور أثرها في التقارير.
2) الاختبارات والتشغيل التجريبي: تقليل الأخطاء البشرية
في محطات الجهد العالي، مرحلة الاختبارات (الوقائية، والحماية، والاتصالات، والتشغيل التجريبي) هي المكان الذي تظهر فيه الأخطاء الصغيرة ذات الأثر الكبير. الذكاء الاصطناعي يساعد عبر:
- اكتشاف الأنماط الشاذة في نتائج الاختبارات مقارنة بمحطات مشابهة.
- مطابقة إعدادات الحماية مع سيناريوهات الأحمال والأعطال المتوقعة.
- استخدام مساعدات رقمية لتقليل خطوات الاختبار غير المنجزة أو المنفذة خطأ.
وهنا موقف واضح: أي استثمار في تقليل أخطاء التشغيل الأولي يعود بأضعافه لأن تكلفة “تصحيح متأخر” في الجهد العالي مؤلمة ماليًا وتشغيليًا.
3) الصيانة التنبؤية: من “الصيانة الدورية” إلى “الصيانة عند الحاجة”
التحول الأكثر واقعية وسهولة في القياس هو الصيانة التنبؤية لمكونات مثل المحولات، القواطع، أنظمة العزل، وأنظمة التبريد.
كيف يعمل ذلك عمليًا؟
- تجمع بيانات مثل: الحرارة، الاهتزاز، تحليل الغازات المذابة في الزيت
DGA، تيارات التشغيل، وقياسات جزئيات التفريغ الجزئي. - يتعلم نموذج الذكاء الاصطناعي من التاريخ ليحدد “مؤشرات فشل مبكر”.
- تتحول الصيانة من جدول ثابت إلى تدخلات دقيقة مبنية على مخاطر فعلية.
هذه النقلة مهمة للكويت لأن الطلب يرتفع موسميًا، خصوصًا في الصيف. ومع الأحمال العالية، “الوقاية الذكية” ليست رفاهية.
4) تشغيل الشبكة وجودة الطاقة: ذكاء يتعامل مع التذبذب لحظيًا
كلما توسعت الشبكة وتعقدت الأحمال الصناعية (ومع نمو مصادر الطاقة المتجددة مستقبلًا)، تتزايد تحديات مثل:
- تذبذب الجهد.
- التوافقيات (Harmonics).
- اختناقات النقل.
- موازنة الأحمال بين المسارات.
الذكاء الاصطناعي يمكنه:
- التنبؤ بالأحمال بدقة أعلى على مستوى المناطق/القطاعات.
- اقتراح إعادة توزيع الأحمال أو تغيير إعدادات تشغيلية لتقليل المخاطر.
- دعم قرار المشغل عبر تنبيهات قابلة للتفسير بدل “إنذار عام”.
ماذا تتعلم الكويت من موجة تحديث المحطات في الخليج؟
الدروس ليست تقنية فقط؛ هي أيضًا تنظيمية وتشغيلية. إذا أردنا أن نخدم هدف “LEADS” بجدية—أي جذب شركات تبحث عن حلول فعلية—فنحتاج نقاشًا واضحًا: ما الذي يجب أن يتغير في طريقة التفكير؟
الدرس الأول: البيانات أصل تشغيلي… وليست ناتجًا ثانويًا
الكثير من المؤسسات تتعامل مع بيانات المحطات كملفات “للتوثيق”. الأفضل هو التعامل معها كأصل له قيمة:
- توحيد مصادر البيانات (SCADA، سجلات الصيانة، البلاغات، نتائج الفحوص).
- حوكمة واضحة: من يملك البيانات؟ من يراجع جودتها؟ ما معايير “البيان الصحيح”؟
- بناء قاموس بيانات للمعدات والأعطال حتى لا تضيع المعرفة بين الفرق.
الدرس الثاني: الذكاء الاصطناعي في الكهرباء يحتاج “قابلية تفسير”
في قطاع حساس مثل الطاقة، لا يكفي أن يقول النموذج “هناك خطر”. يجب أن يقول لماذا وبأي مؤشرات. ما أنصح به عادةً:
- البدء بنماذج قابلة للتفسير (قواعد + تعلم آلي) قبل التوسع في نماذج معقدة.
- ربط المخرجات بإجراءات تشغيل واضحة (Playbooks) كي لا تصبح التنبيهات ضوضاء.
الدرس الثالث: الأمن السيبراني ليس بندًا لاحقًا
كلما زادت الرقمنة في محطات التحويل، زادت نقاط الدخول. وكون المحطة “غير متصلة بالإنترنت” لا يعني أنها آمنة. الذكاء الاصطناعي نفسه يمكن أن يساعد في:
- اكتشاف سلوكيات غير طبيعية في الشبكات الصناعية (OT).
- تحديد محاولات التلاعب بالقراءات أو الأوامر.
لكن الأساس يبقى: تصميم آمن من البداية، وتقسيم شبكات، وصلاحيات صارمة، واختبارات دورية.
خريطة طريق عملية للكويت: من محطة “رقمية” إلى شبكة “ذكية”
إذا كنت في جهة تشغيل/مشروع/تحول رقمي في الكويت، فهذه خطوات قابلة للتنفيذ خلال 6–12 شهرًا بدل خطط تمتد لسنوات دون نتائج.
1) ابدأ بحالتين استخداميتين ذات عائد واضح
أفضل اختيارين عادةً:
- الصيانة التنبؤية للمحولات والقواطع (عائد واضح وتقليل أعطال).
- التنبؤ بالأحمال على مستوى المغذيات/المناطق (تخطيط وتشغيل أفضل خلال الذروة).
ضع مؤشرات نجاح رقمية منذ البداية مثل:
- تقليل الأعطال غير المخططة بنسبة مستهدفة.
- تقليل مدة الانقطاع/الاستجابة.
- تقليل أعمال الصيانة غير الضرورية.
2) جهّز “طبقة بيانات” قبل شراء حلول كبيرة
قبل أي منصة ضخمة، ركّز على:
- تجميع البيانات في مستودع موحد.
- تنظيف البيانات وربطها بأصول محددة (Asset Registry).
- بناء لوحات مراقبة أولية تُظهر “ما يحدث الآن” و”ما تغير هذا الأسبوع”.
صدقني، كثير من مشاريع الذكاء الاصطناعي تفشل ليس لأن النموذج ضعيف، بل لأن البيانات غير جاهزة.
3) اجعل فرق التشغيل جزءًا من التصميم
نماذج الذكاء الاصطناعي التي تُبنى بعيدًا عن غرف التحكم غالبًا لا تُستخدم. الحل:
- جلسات تصميم مشتركة مع المشغلين وفنيي الصيانة.
- تنبيهات قليلة ولكن دقيقة.
- لغة تشغيلية مفهومة: “ارتفاع حرارة + تدهور DGA = خطر خلال 30 يومًا” بدل “نمط شاذ”.
4) قِس الأثر بسرعة، ثم وسّع
بعد 90 يومًا من الإطلاق التجريبي، يجب أن تستطيع الإجابة عن:
- كم تنبيهًا كان صحيحًا؟
- كم تدخلًا تم قبل العطل؟
- كم ساعة توقف تم تفاديها؟
إن لم تكن الإجابة واضحة، فالمشكلة غالبًا في البيانات أو في ربط النموذج بالإجراءات.
أسئلة يطرحها التنفيذيون عادةً (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي مناسب لمحطات التحويل أم فقط للشبكات الذكية الكبيرة؟
مناسب للمحطة نفسها. محطة التحويل بيئة غنية بالبيانات والأعطال المكلفة، ما يجعلها مثالية للصيانة التنبؤية والتحليلات التشغيلية.
ما الفرق بين الأتمتة والذكاء الاصطناعي في المحطات؟
الأتمتة تنفذ قواعد ثابتة (إذا حدث X نفّذ Y). الذكاء الاصطناعي يتعلم من البيانات ليقول: X يتجه للحدوث، وما أفضل إجراء قبل أن تصل للمشكلة.
هل نحتاج استبدال الأنظمة الحالية؟
في الغالب لا. كثير من حالات الاستخدام تُبنى فوق SCADA وبيانات الصيانة الحالية عبر طبقة تكامل وبيانات، ثم تتوسع تدريجيًا.
خطوة الكويت التالية: من “مشروع محطة” إلى “منظومة ذكاء تشغيل”
التوسع الإقليمي في محطات الجهد العالي—مثل مشروع 380 ك.ف في السعودية—يوضح حقيقة بسيطة: البنية التحتية الكهربائية في الخليج تتجه إلى مزيد من الرقمنة والتعقيد. والكويت ليست خارج هذه الموجة، خصوصًا مع حساسية الأحمال الموسمية وارتفاع كلفة أي توقف.
إذا أردنا نتائج ملموسة في قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت، فالمعادلة واضحة: بيانات نظيفة + حالات استخدام دقيقة + ربط الذكاء الاصطناعي بإجراءات تشغيل. هذا هو الطريق الأقصر من “تقارير جميلة” إلى “اعتمادية أعلى”.
إذا كانت محطات 380 ك.ف تمثل العمود الفقري للشبكات، فالسؤال الذي يستحق التفكير مع بداية 2026 هو: هل سنبني محطات أحدث فقط… أم سنبني قدرة تشغيل أذكى تجعل الشبكة تعمل بثقة حتى في أصعب أيام الذروة؟