كيف تُلهم تجربة الدقم في عُمان الكويت لتحديث النفط والبتروكيماويات بالذكاء الاصطناعي عبر خفض الانبعاثات وتحسين التشغيل. خطوات عملية للبدء.

الذكاء الاصطناعي في نفط الكويت: دروس الدقم للبتروكيماويات
في 29/12/2025، كانت “الدقم” في عُمان تتصدر حديث البتروكيماويات في الخليج بوصفها منصة عملية لما يُسمّى Petrochemicals 2.0: نموذج أقل انبعاثاً، أكثر تكاملاً، وأعلى قيمة مضافة. اللافت أن النقاش هناك لم يكن عن توسعة إنتاج “بالأطنان” فقط، بل عن طريقة تشغيل المصانع نفسها: طاقة متجددة، هيدروجين أخضر، ورقمنة عميقة يقودها الذكاء الاصطناعي.
هذا يهم الكويت أكثر مما يبدو. لأن التحدّي الحقيقي أمام قطاع النفط والغاز والطاقة لدينا لم يعد “كم ننتج؟” فقط، بل “كيف ننتج بكلفة كربونية أقل، وباعتمادية أعلى، وبسرعة قرار أكبر؟”. وأنا بصراحة أرى أن الذكاء الاصطناعي هو أقصر طريق عملي لردم فجوة التحوّل: من التشغيل التقليدي إلى تشغيل “ذكي” يربط الحقل بالمصفاة بالميناء بسلسلة قرار واحدة.
في هذا المقال (ضمن سلسلة كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت) سنأخذ فكرة الدقم كمرآة: ماذا تعني بتروكيماويات 2.0 عملياً؟ وأين يدخل الذكاء الاصطناعي تحديداً؟ وما الذي يمكن للكويت تطبيقه الآن—ليس بعد خمس سنوات.
“بتروكيماويات 2.0” تعني 3 أشياء: كربون أقل، قيمة أعلى، بيانات أكثر
الجواب المباشر: بتروكيماويات 2.0 ليست تقنية واحدة، بل تحوّل في نموذج العمل التشغيلي يقوم على خفض الانبعاثات عبر السلسلة، وتدوير الموارد، ورقمنة القرارات.
المقال الأصلي عن الدقم لخّص الفكرة بدقة: الانتقال من نمو “مدفوع بالحجم” إلى نمو مدفوع بالكفاءة وإزالة الكربون والرقمنة. وهذا يتقاطع مباشرة مع واقع الخليج اليوم: العملاء في آسيا وأوروبا لا يسألون عن السعر فقط، بل عن البصمة الكربونية، والامتثال، وقابلية التتبع.
لماذا يتقدّم معيار الكربون على معيار التكلفة؟
الجواب المباشر: لأن القوانين وسلاسل الإمداد العالمية تُحوّل “كثافة الكربون” إلى شرط دخول للأسواق، وليس ميزة تسويقية.
عندما يقول مسؤولون في الصناعة إن “البصمة الكربونية باتت بمستوى أهمية الكلفة” فهذا ليس شعاراً. في البتروكيماويات تحديداً، المنتج النهائي (بوليمرات، كيماويات وسيطة، مواد طبية…) يمر عبر عملاء لديهم التزامات إفصاح واستدامة، وأي حلقة غير قابلة للقياس تُصبح مخاطرة.
هنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي في الكويت: ليس لتحسين تشغيل معدّة واحدة، بل لبناء قابلية قياس دقيقة ومستمرة للانبعاثات والطاقة، ثم تحويل القياس إلى قرارات تشغيلية.
لماذا تُعد “الدقم” مثالاً مهماً للكويت؟ لأنها “تُصمَّم” لا “تُرمَّم”
الجواب المباشر: المناطق الصناعية الجديدة (Greenfield) تستطيع إدخال الذكاء الاصطناعي وإزالة الكربون في التصميم من البداية، بينما المواقع القديمة تحتاج خطة تحديث تدريجية ذكية لتجنب كلفة “الترقيع”.
الدقم تمتلك عناصر جذابة: أرض واسعة، موارد شمس ورياح، وقرب من مشاريع الهيدروجين الأخضر، وتجاور مصافي ومرافق لوجستية. هذا التجاور يخلق ما يسمى “التكامل”: القرار الذي يُحسّن المصفاة لا يضر الميناء، وما يُحسّن الطاقة لا يكسر الالتزام البيئي.
الكويت ليست “منطقة خضراء جديدة” بالكامل، لكنها تمتلك ميزة مختلفة: بنية تشغيلية كبيرة وخبرات متراكمة في النفط والغاز. التحدي: كيف نحوّل هذه الخبرات إلى نظام قرار مدفوع بالبيانات.
درس عملي: التكامل لا يحدث بالاجتماعات… يحدث بالبيانات المشتركة
الجواب المباشر: التكامل بين الحقول والمصافي والبتروكيماويات يتطلب طبقة بيانات موحّدة، وذكاء اصطناعي يربط القيود التشغيلية عبر السلسلة.
في كثير من الشركات، بيانات الطاقة والسلامة والصيانة والانبعاثات موجودة، لكنها:
- متفرقة بين أنظمة مختلفة
- غير متزامنة زمنياً
- لا تُستخدم لاتخاذ قرار آني
عندما تتوحّد، يصبح ممكناً عمل أشياء ملموسة مثل: ضبط نقاط تشغيل الأفران (Furnaces) لتقليل استهلاك الوقود مع الحفاظ على جودة المنتج، أو تعديل خلطات التغذية (Feedstock) وفق توافر الطاقة المتجددة أو قيود الانبعاث.
أين يغيّر الذكاء الاصطناعي قواعد التشغيل في النفط والبتروكيماويات بالكويت؟
الجواب المباشر: في 5 حالات استخدام تعطي عائداً سريعاً: تحسين العمليات، الصيانة التنبؤية، إدارة الطاقة والانبعاثات، سلامة العمليات، وسلسلة الإمداد.
هذه ليست قائمة “تكنولوجيا للعرض”. هذه هي الأماكن التي تُهدر فيها الأموال والأعطال والوقت عادة.
1) تحسين العمليات (AI-driven Process Optimization)
الجواب المباشر: خوارزميات التعلم الآلي تضبط نقاط التشغيل لتحسين الإنتاجية وتقليل استهلاك الطاقة دون المساس بالمواصفات.
في المصافي والبتروكيماويات، “نقطة التشغيل المثلى” تتحرك باستمرار مع تغيّر:
- جودة الخام أو المكثفات
- درجات الحرارة والرطوبة
- حالة المعدات (Fouling, Wear)
- قيود الانبعاث
نماذج الذكاء الاصطناعي تستطيع اقتراح إعدادات تشغيل (Setpoints) أو سيناريوهات تشغيل يومية، ثم تقيس أثرها على:
- استهلاك الطاقة
- جودة المنتج
- معدلات الاحتراق/الانبعاثات
- الاستقرار التشغيلي
2) الصيانة التنبؤية للمعدات الحرجة
الجواب المباشر: بدلاً من الصيانة الدورية “حسب الجدول”، يحدد الذكاء الاصطناعي متى يقترب الأصل من الفشل بناءً على إشارات فعلية.
المضخات، الضواغط، المبادلات الحرارية، التوربينات… أي توقف غير مخطط قد يخلق سلسلة خسائر. الذكاء الاصطناعي يقرأ مؤشرات مثل الاهتزاز والحرارة والضغط، ويخرج بـ:
- احتمال فشل خلال فترة زمنية
- سبب مرجّح للفشل
- توصية صيانة ذات أولوية
النتيجة العملية: تقليل التوقفات المفاجئة وتحسين توافر الأصول (Asset Availability) مع خفض مخزون قطع الغيار “المنوّم” في المستودعات.
3) إدارة الطاقة والانبعاثات على مستوى المنشأة
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يجعل الطاقة والانبعاثات “متغيرات تشغيل” يومية، وليس تقريراً شهرياً.
النقاش في الدقم ركّز على أن البتروكيماويات كثيفة الاستهلاك للطاقة وأن مصدر الطاقة يجب أن يكون أقل كربوناً. في الكويت، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد عبر:
- توقع أحمال الطاقة بدقة (Load Forecasting)
- تحسين تشغيل الغلايات والأفران والشبكات البخارية
- احتساب كثافة الكربون لكل منتج (Product Carbon Intensity) بشكل شبه آني
- ربط التشغيل بساعات توافر الطاقة المتجددة (إن وُجدت) أو قيود الشبكة
وهنا نقطة مهمة: لا يمكنك خفض ما لا تقيسه. والقياس اليدوي المتأخر لا يكفي.
4) سلامة العمليات (Process Safety) واكتشاف الشذوذ
الجواب المباشر: نماذج الشذوذ (Anomaly Detection) تلتقط أنماطاً خطرة قبل أن تتحول إلى حادث.
في أنظمة التحكم الصناعية، غالباً ما تظهر إشارات “ضعيفة” قبل الحوادث: تقلبات غير طبيعية، تكرار إنذارات صغيرة، تآكل في جودة التحكم. الذكاء الاصطناعي يساعد عبر:
- ترتيب الإنذارات وتقليل الضوضاء (Alarm Rationalization)
- كشف الانحرافات المبكرة
- دعم فرق التشغيل بتوصيات واضحة بدلاً من ألف إنذار في الشاشة
5) سلسلة الإمداد والتخطيط اللوجستي للبتروكيماويات
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يحوّل التخطيط من تقدير عام إلى قرارات مبنية على توقعات الطلب والقيود التشغيلية.
عندما تتوسع القيمة المضافة (Downstream) كما تتوقع عُمان في الدقم، يصبح النجاح مرتبطاً بقدرة المنشأة على:
- توقع الطلب والتقلبات السعرية
- اختيار مزيج المنتجات الأكثر ربحية ضمن قيود التشغيل
- جدولة الشحن والتخزين بأقل اختناق
هذه منطقة “رابحة” للذكاء الاصطناعي لأن البيانات عادة متاحة (مبيعات، مخزون، جداول إنتاج، مواعيد شحن) لكن الربط بينها ضعيف.
خارطة طريق واقعية للكويت خلال 90 يوماً… ثم 12 شهراً
الجواب المباشر: أفضل طريقة للبدء ليست مشروعاً ضخماً، بل حزمة تجارب صغيرة مرتبطة بأصول حرجة ومؤشرات نجاح واضحة.
أنا أميل دائماً لخطة من مرحلتين: مكسب سريع يثبت القيمة، ثم توسّع منضبط.
خلال 90 يوماً: إثبات قيمة سريع (Pilot)
اختيار حالة استخدام واحدة أو اثنتين، بشرط أن تكون:
- مرتبطة بأصل/وحدة تؤلم فعلاً (أعطال، طاقة، جودة)
- لديها بيانات تاريخية كافية
- تقبل القياس قبل/بعد
مؤشرات نجاح عملية:
- تقليل توقفات غير مخططة بنسبة محددة
- خفض استهلاك طاقة لوحدة إنتاج (Energy Intensity)
- تقليل إنذارات كاذبة أو زمن الاستجابة
خلال 12 شهراً: منصة بيانات + تشغيل متدرّج
بعد نجاح التجربة:
- بناء طبقة بيانات صناعية موحّدة (من OT إلى IT) مع حوكمة واضحة
- توسيع النماذج إلى وحدات إضافية
- إدخال “حلقة قرار” داخل غرفة التحكم (Human-in-the-loop)
- إضافة طبقة قياس الانبعاثات لكل منتج وسلسلة إمداد
جملة تلخّص الموضوع: الذكاء الاصطناعي في النفط لا ينجح كنموذج معزول، بل كنظام تشغيل.
أسئلة شائعة يسمعها أي فريق طاقة في الكويت (وإجابات مباشرة)
هل الذكاء الاصطناعي يعني استبدال مهندسي التشغيل؟
لا. أفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز تجعل المهندس أسرع وأدق، خصوصاً في التقييم اللحظي للسيناريوهات. القرار النهائي يبقى بشرياً في معظم المنشآت، لكن جودة القرار تتحسن.
ما أكبر عائق فعلي أمام النجاح؟
البيانات والحوكمة. ليس نقص الخوارزميات. إذا كانت البيانات غير موثوقة أو غير موحّدة أو بلا تعريفات ثابتة للمؤشرات، ستفشل أي مبادرة.
هل “خفض الكربون” هدف واقعي اقتصادياً؟
نعم، إذا بدأته من الطاقة والكفاءة. كثير من إجراءات إزالة الكربون في المصافي تبدأ بتقليل استهلاك الوقود وتحسين الاحتراق وتقليل الفواقد—وهذه وفورات مالية قبل أن تكون التزاماً بيئياً.
ما الذي يجب أن تتعلمه الكويت من الدقم الآن؟
ما يحدث في الدقم يوضح اتجاه الخليج: بتروكيماويات أكثر ذكاءً وأقل انبعاثاً وأكثر تكاملاً. والذكاء الاصطناعي ليس إضافة جانبية، بل جزء من قلب التشغيل: تحسين العمليات، إدارة الطاقة، دعم السلامة، وتمكين الامتثال عبر سلسلة الإمداد.
إذا كان هدف الكويت هو تحديث قطاع النفط والغاز والطاقة مع الحفاظ على تنافسية طويلة الأمد، فأنا أرى أن البداية الصحيحة هي: اختيار نقاط ألم واضحة، تنفيذ مشاريع ذكاء اصطناعي قابلة للقياس خلال 90 يوماً، ثم بناء منصة بيانات تُوسّع النجاح إلى مستوى المؤسسة.
السؤال الذي يستحق أن نختم به: عندما يصبح معيار الكربون جزءاً من “سعر الدخول” للأسواق، هل سنظل نقيس وندير الانبعاثات بتقارير متأخرة… أم سنحوّلها إلى قرار تشغيلي لحظي مثل الضغط والحرارة؟