كيف تعكس مبادرات بنك الخليج في 2025 مسارًا عمليًا لتطبيق الذكاء الاصطناعي في الاستدامة والامتثال، وما الذي يمكن لقطاع النفط والغاز بالكويت نسخه وتطويره.

الذكاء الاصناعي في الكويت: من بنك الخليج إلى النفط
قبل أسبوع واحد فقط، أعلن بنك الخليج حصوله على موافقة مبدئية من بنك الكويت المركزي لبدء التحول إلى بنك متوافق مع الشريعة، وفي الوقت نفسه واصل تنفيذ خطة تحويل فروعه إلى مرافق صديقة للبيئة. الخبر يبدو “بنكيًا” بحتًا، لكنّي أراه إشارة أوضح لشيء أكبر: الكويت تدخل مرحلة نضج في التحول الرقمي والاستدامة، والذكاء الاصطناعي صار الأداة التي تربط الامتثال بالتشغيل اليومي، سواء في التمويل أو في الطاقة والنفط والغاز.
هذا مهم لأن قطاع الطاقة في الكويت لا يحتاج شعارات عامة عن التحول، بل يحتاج نفس ما فعله بنك الخليج عمليًا في 2025: حوكمة واضحة، تدريب للكوادر، بيانات قابلة للاستخدام، واستثمارات ذكية تقلّل الهدر. والنتيجة؟ نموذج يمكن نقله—بأدوات مختلفة—إلى حقول النفط، المصافي، وشبكات الكهرباء.
عبارة أكررها مع فرق العمل: التحول بالذكاء الاصطناعي لا يبدأ بخوارزمية… يبدأ بقرار إداري يغيّر طريقة العمل.
لماذا تجربة بنك الخليج تهم قطاع النفط والغاز؟
الإجابة المباشرة: لأنها تقدّم “خارطة طريق تنفيذية” للتحول: امتثال تنظيمي + تشغيل مستدام + تمكين مواهب + ابتكار مبني على البيانات.
ما قام به بنك الخليج في 2025 لم يكن حملة علاقات عامة فقط. هناك ثلاث نقاط عملية تلتقي مباشرة مع احتياجات الطاقة:
- الامتثال أولًا: التحول إلى مصرفية إسلامية بدأ بموافقة تنظيمية ثم تدريب متخصص بالشراكة مع جهة وطنية (معهد الدراسات المصرفية). في الطاقة، المشهد مشابه: متطلبات بيئية، تقارير انبعاثات، سلامة، وتدقيقات تشغيلية.
- الاستدامة كتشغيل يومي: تحديث البنية التحتية للفروع وحلول الطاقة الذكية وترشيد الماء والكهرباء؛ هذا بالضبط ما تحتاجه المنشآت النفطية: أنظمة قياس وتحكم تقلّل الفاقد وتمنع الأعطال.
- البيانات كمنصة عمل: “الديتاثون” الرابع بمشاركة أكثر من 500 موهبة حول الذكاء الاصطناعي والتحليلات؛ هذا يرسل رسالة واضحة: الكويت تبني سوق مهارات، وقطاع الطاقة يستطيع الاستفادة منها فورًا.
الدرس الأقوى هنا: التحول ليس مشروع تقنية معلومات. هو تغيير ثقافة تشغيل، ثم تُستخدم التقنية لتثبيت التغيير وتسريعه.
من “فروع خضراء” إلى “منشآت طاقة أذكى”: أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي يحوّل الاستدامة من مبادرات منفصلة إلى نظام قرارات يومي يعتمد على القياس والتنبؤ.
بنك الخليج تحدث عن تحديثات للبنية التحتية واعتماد حلول موفرة للطاقة وتحسين كفاءة استهلاك الكهرباء والماء. في الطاقة والنفط والغاز، نفس المنطق يتوسع ليشمل:
تحسين كفاءة الطاقة داخل المنشآت (Energy Optimization)
بدل ضبط التكييف/الضخ/الضغط وفق جداول ثابتة، يمكن لأنظمة ذكاء اصطناعي أن تتعلم من بيانات التشغيل وتنفّذ تحسينات مثل:
- ضبط أحمال المضخات والضواغط حسب الطلب الحقيقي
- التنبؤ بذروة الاستهلاك وتقليلها عبر إعادة توزيع الأحمال
- اكتشاف “التسربات الصامتة” في استهلاك الطاقة والمياه قبل أن تتحول إلى تكلفة كبيرة
الفكرة ليست أن الذكاء الاصطناعي “يُقلّل الفاتورة” فقط، بل أنه يمنع الهدر قبل أن يظهر في التقارير.
الصيانة التنبؤية بدل الصيانة بعد العطل (Predictive Maintenance)
إذا كان البنك قد ركّز على تحديث مرافقه لتصبح أكثر كفاءة واستدامة، فالمعادِل في النفط والغاز هو تقليل التوقفات غير المخطط لها. نماذج التعلم الآلي تستطيع تحليل:
- الاهتزازات والحرارة والضغط
- سجلات الأعطال
- ظروف التشغيل
ثم تعطي تنبؤًا عمليًا: “هذا الضاغط لديه احتمال عطل مرتفع خلال 14 يومًا إن استمر التشغيل بهذا الحمل”. هذا النوع من القرارات يقلّل خسائر التوقف، ويرفع السلامة، ويُحسن التخطيط للمخزون.
خفض الانبعاثات عبر قياس أدق وإجراءات أسرع
الاستدامة ليست شعارًا في 2025. هي ميزة تنافسية وشرط تصدير وتمويل في كثير من الحالات. الذكاء الاصطناعي يساعد شركات الطاقة على:
- رصد التسربات والانبعاثات عبر حساسات/صور/بيانات تشغيل
- تصنيف مصادر الانبعاث (احتراق، تنفيس، تسرب)
- اقتراح إجراءات تصحيحية قابلة للتنفيذ
والأهم: تقليل الوقت بين “الحدث” و”القرار”.
الامتثال والتنظيم: كيف يختصر الذكاء الاصطناعي طريق التقارير؟
الإجابة المباشرة: عبر أتمتة جمع البيانات، تدقيقها، وتحويلها إلى تقارير جاهزة للمراجعة بدل بناء التقرير يدويًا من الصفر.
تحول بنك الخليج إلى التوافق مع الشريعة بدأ بخطوة تنظيمية ثم تدريب موظفين لتطبيق المتطلبات. هذا يشبه تمامًا ما تواجهه شركات الطاقة عند التعامل مع:
- تقارير الاستدامة (ESG)
- تقارير السلامة والصحة المهنية
- قياس الانبعاثات وسلاسل التوريد
- تدقيقات الامتثال الداخلي
الذكاء الاصطناعي هنا ليس “روبوت يكتب تقريرًا”، بل منظومة تقوم بـ:
- تجميع البيانات من أنظمة متعددة (تشغيل، صيانة، مشتريات، سلامة)
- تنظيف البيانات واكتشاف القيم الشاذة
- مطابقة المتطلبات مع الأدلة والوثائق
- توليد مسودة تقرير بلغة معيارية، ثم يراجعها الفريق المختص
هذا يقلّل أخطاء النسخ واللصق، ويُسرّع الإغلاق الشهري/الربع سنوي، ويعطي الإدارة صورة أسرع عن المخاطر.
في كثير من الشركات، 60% من وقت “التقرير” يذهب لجمع البيانات لا لتحليلها. الذكاء الاصطناعي يعيد هذا الوقت إلى مكانه الصحيح: التحليل واتخاذ القرار.
بناء المواهب: “ديتاثون” البنك نموذج عملي لقطاع الطاقة
الإجابة المباشرة: لأن المنافسة القادمة ستكون على من يمتلك فرق بيانات تفهم التشغيل، لا على من يشتري برامج أكثر.
الديتاثون الذي نظمه بنك الخليج (نسخته الرابعة) شارك فيه أكثر من 500 شاب ومبتكر، وهو مخصص للذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات والتقنيات المتقدمة. ما الذي يمكن لقطاع النفط والغاز أن يتعلمه من هذا؟
1) الابتكار لا يُستورد كاملًا
يمكن شراء منصات وبرمجيات، لكن لا يمكن شراء فهم عميق لبيانات التشغيل الكويتي، ظروف البيئة، وطبيعة الأصول. المسار الواقعي هو:
- مسابقات تحدد مشاكل تشغيل حقيقية (تسرب، توقفات، استهلاك طاقة)
- بيانات “مخففة الحساسية” للتجريب
- فرق مشتركة: مهندس تشغيل + محلل بيانات + مختص سلامة
2) التدريب المنهجي أهم من الدورات المتفرقة
البنك لم يكتفِ بالحديث عن التحول؛ أنشأ برنامج تدريب متخصص لموظفيه بالتعاون مع جهة تدريب وطنية. نفس الفكرة في الطاقة: تدريب “مُعتمد” للكوادر على:
- أساسيات علم البيانات الصناعية
- حوكمة البيانات والأمن السيبراني
- استخدام نماذج التنبؤ والصيانة
- قراءة مخرجات النماذج واتخاذ القرار
3) تمكين الموظف ليس رفاهية
قرار تقليل ساعات العمل اليومية 30 دقيقة لدى البنك يرسل رسالة: الإنتاجية تُبنى بالاستدامة البشرية أيضًا. في منشآت الطاقة، الإرهاق يزيد الحوادث. وأحد أفضل استخدامات الذكاء الاصطناعي هو توزيع العمل وجدولة الصيانة بطريقة تقلّل الضغط وتمنع الأخطاء.
خطوات تطبيقية لشركات الطاقة في الكويت خلال 90 يومًا
الإجابة المباشرة: ابدأوا بمشروع واحد صغير يثبت القيمة، ثم وسّعوه على أساس بيانات صحيحة وحوكمة واضحة.
إذا كنت مسؤولًا في شركة نفط/غاز/طاقة وتريد خطة واقعية، هذه خارطة قصيرة المدى:
- اختيار حالة استخدام واحدة ذات أثر واضح (مثال: صيانة تنبؤية لمعدة حرجة أو تحسين استهلاك الطاقة في وحدة محددة)
- تحديد مالك أعمال (Business Owner) يملك القرار وليس فقط فريق التقنية
- تجهيز البيانات: ما مصدرها؟ من يضمن جودتها؟ ما فترة التاريخ المتاحة؟
- بناء نموذج أولي خلال 4–6 أسابيع مع مؤشرات نجاح واضحة (خفض توقفات، خفض استهلاك، تقليل زمن إعداد تقرير)
- تدريب المستخدمين النهائيين: مشغلو غرفة التحكم وفريق الصيانة هم من سيجعل الحل ينجح أو يفشل
- توسيع تدريجي إلى أصول/وحدات أخرى بعد إثبات القيمة
القاعدة الذهبية: لا تتوسع قبل أن تضبط القياس. كثير من المبادرات تفشل لأنها تقفز إلى “منصة كبيرة” قبل أن تُثبت النتائج على الأرض.
أين يقف بنك الخليج في الصورة الأوسع لتحول الكويت؟
الإجابة المباشرة: البنك يقدّم مثالًا محليًا على أن التحول الرقمي والاستدامة يمكن قيادتهما بانضباط، ثم تعميم الدروس على القطاعات التقليدية وعلى رأسها الطاقة.
عندما نربط بين تحديث الفروع لتصبح أكثر كفاءة، وبين بناء مجتمع مواهب عبر الديتاثون، وبين الانتقال المنظم نحو متطلبات تنظيمية جديدة، نرى نفس معادلة التحول التي يحتاجها قطاع النفط والغاز: بيانات + امتثال + كفاءة + بشر.
ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت”، هذه الحلقة تقول شيئًا محددًا: لا تنتظروا أن يبدأ التحول من داخل القطاع نفسه. أحيانًا، أفضل الدروس تأتي من قطاع مجاور سبقك خطوة—ثم تعيد أنت صياغتها وفق واقعك التشغيلي.
الخطوة التالية لأي جهة في الطاقة واضحة: اختيار مشروع ذكاء اصطناعي قابل للقياس، وربطه بهدف استدامة أو امتثال أو كفاءة تشغيل، ثم بناء قدرة داخلية تحفظ المعرفة داخل الكويت. أي مشروع لا يخلق “عادة تشغيل” جديدة، سيبقى عرضًا تجريبيًا.
ما المشروع الذي يستحق أن يكون “مشروع الـ90 يومًا” لديكم في 2026: تقليل التوقفات، أم أتمتة تقارير الانبعاثات، أم تحسين استهلاك الطاقة في وحدة محددة؟