الذكاء الاصطناعي لحماية منشآت الطاقة: درس من زابوريجيا

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويتBy 3L3C

درس زابوريجيا يوضح كيف يحمي الذكاء الاصطناعي منشآت الطاقة عبر المراقبة التنبؤية وإدارة المخاطر. خطوات عملية قابلة للتطبيق في الكويت.

ذكاء اصطناعيطاقةنفط وغازصيانة تنبؤيةإدارة مخاطرتوائم رقمية
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي لحماية منشآت الطاقة: درس من زابوريجيا

الذكاء الاصطناعي لحماية منشآت الطاقة: درس من زابوريجيا

قبل أن نتحدث عن الكويت، خلّنا نواجه حقيقة واضحة: أكبر محطة نووية في أوروبا (زابوريجيا) توقّفت عن إنتاج الكهرباء منذ 09/2022، ومع ذلك ظلّت تمثّل خطراً تشغيلياً وأمنياً مستمراً بسبب حاجة المفاعلات وأنظمة الوقود المستهلك إلى تبريد وطاقة كهربائية ثابتة. هذا النوع من “المرافق المتوقفة” قد يبدو أقل خطورة على الورق، لكنه عملياً قد يكون أكثر حساسية، لأن أي انقطاع طاقة أو خلل في سلسلة التبريد يرفع مستوى المخاطر فوراً.

قصة زابوريجيا ليست “خبر حرب” فقط. هي دراسة حالة حول ما يحدث عندما تصبح البنية التحتية للطاقة رهينة لاضطراب شديد: نزاع، انقطاعات خطوط كهرباء متكررة، قرارات تشغيل متنازع عليها، وتدهور تدريجي في القدرة على رؤية الحالة الحقيقية للمعدات. وهنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي بشكل عملي: المراقبة الذكية، التنبؤ بالأعطال، وإدارة المخاطر بالبيانات.

ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت”، هذا المقال يربط بين ما يجري في منشأة نووية عالية الحساسية وبين ما تحتاجه منشآت النفط والغاز والطاقة في الكويت: قدرة أعلى على الرصد المبكر، وتخطيط صيانة أدق، وقرارات أسرع في اللحظات الحرجة.

زابوريجيا: لماذا تتحول محطة متوقفة إلى أزمة مستمرة؟

السبب المباشر: لأن المفاعلات—even في وضع الإيقاف البارد—لا تزال تعتمد على أنظمة مساندة، أهمها الطاقة الخارجية والتبريد، إضافة إلى أحواض الوقود المستهلك.

المحطة تضم 6 مفاعلات بقدرة إجمالية تقارب 5.7 جيجاواط (بحسب قاعدة بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية)، لكن إنتاج الكهرباء متوقف. ورغم ذلك، ورد أن خطوط التغذية الكهربائية القادمة من أوكرانيا انقطعت 11 مرة على الأقل خلال أربع سنوات، ما يفرض التحول إلى مولدات ديزل طارئة للحفاظ على تبريد الأنظمة.

نقطة حساسة غالباً تُفهم خطأ

التركيز الإعلامي عادة يكون على “هل ستعود المحطة للعمل؟”. بينما الخطر التشغيلي الأكبر هو: هل تستطيع المحطة الحفاظ على ظروف تشغيل آمنة يوماً بعد يوم؟

في بيئات عالية المخاطر، ما يقتل الاستقرار ليس الحادث الكبير فقط، بل سلسلة “الأعطال الصغيرة” المتراكمة:

  • انقطاع طاقة خارجي ثم تشغيل مولدات الطوارئ
  • تذبذب الأحمال على أنظمة التبريد
  • تدهور معدات القياس بسبب صيانة متأخرة
  • نقص الرؤية الحقيقية لحالة الأصول (Asset Health)

هذه بالضبط المنطقة التي يتفوّق فيها الذكاء الاصطناعي عندما يُطبّق بشكل صحيح: تحويل البيانات التشغيلية اليومية إلى إنذار مبكر قابل للتنفيذ.

أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ المراقبة التنبؤية بدل “ردة الفعل”

الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يقلّل احتمالات الوصول إلى حالة طوارئ عبر اكتشاف الانحرافات قبل أن تصبح أعطالاً.

في زابوريجيا، المشكلة ليست “نقص التقنيات” بقدر ما هي “نقص الاستقرار التشغيلي” و”صعوبة الوصول للمعلومة الموثوقة”. لذلك، أكثر ما يحتاجه أي مرفق حساس هو طبقة ذكاء فوق طبقة التشغيل.

1) مراقبة الحالة (Condition Monitoring) بالزمن الحقيقي

بدلاً من قراءة مؤشرات متفرقة، تُجمع الإشارات من:

  • الاهتزازات للمضخات والتوربينات
  • درجات الحرارة والضغط والتدفقات
  • جودة الطاقة الكهربائية (Power Quality)
  • أداء المولدات الاحتياطية وزمن الاستجابة

ثم تُحلَّل بنماذج تعلم آلي تلتقط “النمط غير الطبيعي” حتى لو كان بسيطاً. كثير من الأعطال الكبيرة تبدأ كعلامة صغيرة لا يراها الإنسان وسط الضجيج.

2) الصيانة التنبؤية (Predictive Maintenance) للأصول الحرجة

في منشأة تعتمد على سلسلة تبريد وتغذية طاقة، المضخة التي تتعطل مرة ليست المشكلة؛ المشكلة هي المضخة التي “تتدهور” تدريجياً دون أن ينتبه أحد.

الصيانة التنبؤية تربط بين:

  • تاريخ الأعطال
  • ظروف التشغيل
  • قطع الغيار
  • أداء مشابهات المعدات (Fleet Learning)

والنتيجة: جدولة صيانة قبل الانهيار، وتقليل زمن التوقف، وتخفيض المخاطر.

3) التوأم الرقمي (Digital Twin) لمحاكاة سيناريوهات انقطاع الطاقة

عندما انقطعت خطوط التغذية مرات عديدة، تصبح الأسئلة العملية:

  • كم دقيقة لدينا قبل ارتفاع حرارة نظام ما؟
  • ما ترتيب تشغيل الأحمال على مولدات الديزل؟
  • ما السيناريو الأسوأ إذا تعطل مولد رقم 2؟

التوأم الرقمي يقدّم نموذجاً يحاكي المنشأة ويجرب “ماذا لو” بسرعة، ويساعد فرق التشغيل على اتخاذ قرار مبني على بيانات لا على الحدس.

عبارة مختصرة تصلح كقاعدة: في المرافق الحساسة، القرار المتأخر أخطر من القرار غير المثالي.

من أوكرانيا إلى الكويت: لماذا هذا يهم منشآت النفط والغاز لدينا؟

الجواب المباشر: لأن المخاطر التشغيلية في الطاقة لا تحتاج حرباً كي تحدث؛ يكفي تعقيد الأصول، ضغط الأحمال، أو سلسلة إمداد متأخرة.

الكويت لا تواجه سيناريو زابوريجيا نفسه، لكن لديها واقع مختلف يتطلب نفس العقلية:

  • أصول ضخمة ومعقّدة في النفط والغاز والتكرير
  • حساسية عالية للسلامة الصناعية والبيئية
  • ضرورة الاستمرارية التشغيلية، خاصة في مواسم الذروة
  • تكامل متزايد بين الكهرباء والمياه والصناعة

تشابه غير مريح لكنه مفيد

في زابوريجيا، وُجدت “فجوة رؤية” لأن أوكرانيا نفسها لا تعرف الحالة الحقيقية للمحطة اليوم وفق ما ورد. هذه الفجوة قد تحدث في أي منشأة عندما:

  • تتعدد الأنظمة (SCADA/DCS/CMMS) بدون توحيد بيانات
  • تكون التقارير يدوية ومتأخرة
  • لا توجد “لغة بيانات مشتركة” بين التشغيل والصيانة

في الكويت، أفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي تبدأ من هنا: إغلاق فجوة الرؤية.

إطار عملي لتطبيق الذكاء الاصطناعي في مرافق الطاقة بالكويت (90 يوماً كبداية)

الجواب المباشر: ابدأ بحالات استخدام صغيرة ذات أثر كبير، ثم وسّع تدريجياً.

أكثر الشركات تتعثر لأنها تبدأ بمشروع ضخم “تحول رقمي شامل” ثم تتوقف. ما يعمل فعلاً هو مسار مرحلي.

المرحلة 1: اختيار 3 أصول حرجة (الأسبوع 1–2)

اختر أصولاً تؤثر مباشرة على السلامة والاستمرارية، مثل:

  • مضخات التغذية الرئيسية
  • ضواغط الغاز
  • مولدات احتياطية/UPS

المرحلة 2: توحيد البيانات ورفع جودتها (الأسبوع 3–6)

  • ربط بيانات الحساسات مع سجلات الأعطال
  • تنظيف البيانات من القيم الشاذة
  • ضبط تزامن الطوابع الزمنية

المرحلة 3: نموذج تنبؤ أولي + لوحة إنذار (الأسبوع 7–10)

  • نموذج للكشف المبكر عن الشذوذ (Anomaly Detection)
  • تنبيهات مرتبطة بإجراء واضح: فحص، تخفيف حمل، استبدال قطعة

المرحلة 4: قياس العائد (الأسبوع 11–13)

حدد مؤشرات تُقنع الإدارة بسرعة:

  • تقليل الأعطال المفاجئة (Unplanned Downtime)
  • خفض أوامر العمل الطارئة
  • تحسين الالتزام بخطط الصيانة

إذا لم تتحسن هذه المؤشرات خلال 90 يوماً، فالمشكلة غالباً ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في البيانات أو آلية الاستجابة للتنبيه.

أسئلة شائعة يطرحها قادة الطاقة في الكويت (وإجابات مباشرة)

هل الذكاء الاصطناعي “يستبدل” مهندس التشغيل؟

لا. هو يرفع جودة القرار. أفضل النتائج تحدث عندما تكون النماذج تحت إشراف خبراء الميدان، وتتحول التنبيهات إلى إجراءات.

ماذا عن الأمن السيبراني في أنظمة التحكم؟

لا تفاوض هنا: العزل الشبكي، إدارة الهويات، ومراقبة السجلات يجب أن تُبنى من البداية. الذكاء الاصطناعي يزيد القيمة، لكنه أيضاً يزيد الحاجة لحوكمة صارمة.

هل نحتاج مشاريع كبيرة ومكلفة؟

ليس كبداية. ابدأ بنطاق ضيق، ثم وسّع. ما يهم هو أن تكون البيانات قابلة للاستخدام وأن يكون هناك “مالك قرار” للتنبيه.

لماذا 2026 قد تكون سنة الحسم في الذكاء الاصطناعي للطاقة بالكويت؟

الجواب المباشر: لأن الضغط على الكفاءة والتكاليف والسلامة يتزايد، والذكاء الاصطناعي أصبح ناضجاً بما يكفي ليعطي نتائج تشغيلية ملموسة.

نهاية 2025 وبداية 2026 عادة تكون فترة مراجعة ميزانيات وخطط تشغيل. الشركات التي تربط الذكاء الاصطناعي بأهداف واضحة—السلامة، الاعتمادية، تقليل الانقطاعات—ستتحرك أسرع من الشركات التي تتعامل معه كـ“مشروع تقنية” فقط.

زابوريجيا تذكير قاسٍ: عندما تصبح المنشأة معقّدة والبيئة غير مستقرة، النجاة التشغيلية تعتمد على الرصد المبكر والانضباط. وفي الكويت، لدينا فرصة لتطبيق نفس الدروس بدون انتظار أزمة.

الخطوة التالية التي أنصح بها: اختَر مرفقاً واحداً (مصفاة، محطة ضخ، أو وحدة معالجة غاز) وابدأ بحالة استخدام واحدة لسلامة أصل حرج. وبعدها اسأل فريقك سؤالاً واحداً صريحاً: هل نثق بما نراه في البيانات بالقدر الذي يجعلنا نتحرك قبل العطل؟