برنامج تطوير القيادات في بنك الخليج يقدّم درسًا مهمًا لقطاع النفط والغاز: نجاح الذكاء الاصطناعي يبدأ بتمكين القادة الوسط وقيادة التغيير.

تطوير القادة في الكويت: الذكاء الاصطناعي يبدأ من البشر
في 23/12/2025 الساعة 09:06 م، أعلن بنك الخليج عن إطلاق برنامج “Beyond AJYAL” لتطوير القيادات الكويتية متوسطة المستوى بالشراكة مع Euromoney Learning. الخبر يبدو للوهلة الأولى “بنكيًا” بحتًا. لكن لو كنت تعمل في الطاقة أو النفط والغاز في الكويت، فهذه القصة تخصّك أكثر مما تتوقع.
لأن التحوّل بالذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة والنفط والغاز لا ينجح بشراء منصة تحليلات أو تركيب حساسات في الحقول فقط. ينجح عندما يصبح لدى المؤسسة قادة وسط يعرفون كيف يربطون التقنية بالعمليات، وكيف يحوّلون البيانات إلى قرارات، وكيف يديرون التغيير بدون تعطيل الإنتاج أو السلامة. الواقع؟ الذكاء الاصطناعي يبدأ من البشر.
لماذا تدريب القيادات الوسطى هو “طبقة التشغيل” للتحول بالذكاء الاصطناعي؟
القيادات متوسطة المستوى هي المكان الذي يحدث فيه التنفيذ الحقيقي. مجلس الإدارة يضع الاتجاه، والفرق الفنية تبني النماذج، لكن المدير/المشرف هو من يقرر فعليًا: هل سيتغيّر جدول الصيانة؟ هل سيُقبل نموذج تنبؤ الأعطال؟ هل سيتحوّل تقرير يومي يدوي إلى لوحة مؤشرات؟
في النفط والغاز، هذه الطبقة هي التي تمسك مفاتيح:
- الاستمرارية التشغيلية (Uptime) وحساسية التوقفات
- السلامة وإجراءات العمل في مواقع عالية المخاطر
- جودة البيانات لأن البيانات تُولد على الأرض، لا في العروض التقديمية
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بدون تمكين القيادات الوسطى يشبه تركيب نظام ملاحة في سيارة، ثم ترك السائق غير مقتنع بالمسار. قد يكون النظام ممتازًا، لكن الرحلة تتعطل.
درس عملي من “Beyond AJYAL” لقطاع الطاقة
جوهر البرنامج كما ورد في الخبر: تطوير مهارات قيادية متقدمة + تدريب تطبيقي + أفضل الممارسات العالمية. هذا بالضبط ما تحتاجه مبادرات الذكاء الاصطناعي في الطاقة: ليست دورة نظرية عن “ما هو الذكاء الاصطناعي”، بل تدريب يصنع قيادة قادرة على:
- ترجمة الهدف التجاري إلى حالة استخدام AI قابلة للقياس
- قيادة فريق متعدد التخصصات (تشغيل/صيانة/بيانات/أمن سيبراني)
- إدارة مقاومة التغيير وتعديل الإجراءات
الاستثمار في الناس والاستثمار في الذكاء الاصطناعي: وجهان لنفس العملة
الفكرة التي أحبها هنا: المؤسسات الذكية لا تضع “الناس” في خانة و”التقنية” في خانة أخرى. تعتبرهما سلسلة واحدة.
في قطاع النفط والغاز بالكويت، ستجد أن معظم حالات استخدام الذكاء الاصطناعي الواعدة تتطلب قرارًا إداريًا يوميًا أكثر من كونها تتطلب معادلات:
- الصيانة التنبؤية للمضخات والضواغط: النموذج يعطي إنذارًا مبكرًا، لكن القرار الفعلي هو “هل نوقف؟ متى؟ وكيف نعيد التخطيط؟”
- تحسين استهلاك الطاقة في المصافي: التوصيات تأتي من التحليلات، لكن التنفيذ يعتمد على مدير مناوبة يفهم القيود
- أتمتة التقارير التشغيلية: القيمة تأتي عندما تُعتمد التقارير الجديدة كمرجع رسمي، لا كملف إضافي
ما الذي يتغير عندما ندرّب القادة الوسط؟
يتغير ثلاث أشياء بسرعة:
- لغة مشتركة بين التشغيل والبيانات: المدير يعرف ما يطلبه من فريق البيانات، وفريق البيانات يفهم سياق التشغيل.
- حاكمية أفضل: من يملك البيانات؟ من يوقّع على جودة القياس؟ من يعتمد التوصية؟
- وتيرة تنفيذ أعلى: لأن القرارات اليومية تصبح أسرع، وأقل جدلًا، وأكثر اعتمادًا على مؤشرات واضحة.
كيف يترجم ذلك إلى تحول ملموس بالذكاء الاصطناعي في النفط والغاز بالكويت؟
التحول الملموس يعني أرقامًا وقرارات وإجراءات. إليك خريطة عملية تربط “تطوير القيادة” مباشرة بنتائج AI.
1) من حالات الاستخدام إلى محفظة قيمة (Value Portfolio)
الخطأ الشائع: بدء مبادرات AI كـ“تجارب منفصلة” بدون مالك تشغيلي واضح.
النهج الأفضل: محفظة تضم 6–10 حالات استخدام مرتبة حسب:
- أثرها على السلامة
- أثرها على تكلفة التشغيل
- سهولة التنفيذ (توفر البيانات/تغيير الإجراءات)
- الزمن للوصول إلى نتيجة
هنا يأتي دور القيادات الوسطى: هم الأقدر على تقدير “السهولة الحقيقية” لأنهم يعرفون ما سيعطل التنفيذ على الأرض.
2) إدارة التغيير كجزء من النموذج، لا بعده
أي نموذج تنبؤ أو تحسين يحتاج “عملية تشغيلية” حوله:
- متى يُراجع التنبيه؟
- من يعتمد القرار؟
- ما الإجراء القياسي إذا كان التنبيه عالي الخطورة؟
- كيف نوثّق القرار للامتثال والتدقيق؟
إذا لم تُصمم هذه العملية من البداية، ستظل النماذج “جميلة” لكنها غير مستخدمة.
جملة قابلة للاقتباس: النموذج الذي لا يغيّر إجراءً، مجرد تقرير متقدم.
3) البيانات التشغيلية ليست “مخزونًا” بل سلوكًا
جودة البيانات في مواقع الطاقة تتأثر بسلوك البشر: إدخال قراءات، معايرة حساسات، الالتزام بتصنيفات الأعطال، توحيد المسميات.
وهذا سبب إضافي يجعل التدريب القيادي مهمًا: القائد الوسط يضبط الإيقاع، ويحدد ما يُقبل وما يُرفض، ويخلق ثقافة “البيانات الصحيحة أولًا”.
نموذج عملي: برنامج “قادة الذكاء الاصطناعي” للمديرين الوسط في الطاقة
لو أردت تصميم نسخة مناسبة لقطاع النفط والغاز في الكويت (مستلهمة من فكرة Beyond AJYAL)، فأنا أراها من 4 مسارات متوازية خلال 10–12 أسبوعًا، بتطبيقات واقعية.
المسار الأول: فهم حالات الاستخدام ذات العائد الأعلى
مخرجاته تكون وثيقة قصيرة (صفحتان) لكل حالة استخدام:
- المشكلة التشغيلية
- بيانات الإدخال
- القرار الناتج
- KPI واضح (مثال: تقليل توقفات غير مخططة بنسبة X%)
- مخاطر السلامة وكيفية التعامل معها
المسار الثاني: قيادة فرق متعددة التخصصات
تدريب المدير على تشغيل “فريق مهمة” صغير يضم:
- مهندس تشغيل
- مهندس صيانة
- محلل بيانات
- ممثل أمن سيبراني/تقنية معلومات
الهدف: تقليل صراع الأولويات، وتحويل الاجتماعات من نقاشات عامة إلى قرارات.
المسار الثالث: الحاكمية والامتثال والأمن السيبراني
في الطاقة، أي تكامل بين OT وIT يحتاج قواعد واضحة:
- صلاحيات الوصول
- مسارات الموافقة
- توثيق القرارات
- التعامل مع بيانات حساسة
المدير الوسط ليس مسؤول أمن سيبراني، لكنه مسؤول عن الالتزام اليومي. تدريب بسيط هنا يمنع أخطاء مكلفة.
المسار الرابع: “التطبيق التجريبي” Pilot بإطار نجاح واضح
كل مشارك يقود Pilot صغيرًا في موقعه:
- مدة 4–6 أسابيع
- بيانات محددة
- لوحة مؤشرات بسيطة
- قرار واحد يتغير فعليًا
ثم تُعرض النتائج على لجنة داخلية. هذا يصنع ثقافة “التعلم بالتجربة” بدل انتظار مشروع ضخم.
أسئلة شائعة يطرحها قادة الطاقة في الكويت (وإجابات مباشرة)
هل نحتاج علماء بيانات أكثر أم نحتاج قادة أفضل؟
تحتاج الاثنين، لكن بدون قادة أفضل لن يُستخدم عمل علماء البيانات. الاستثمار المتوازن هو: فريق بيانات صغير قوي + تدريب قيادات التشغيل على تحويل النتائج إلى قرارات.
ما أول شيء نبدأ به إذا كانت المؤسسة “غير جاهزة” للذكاء الاصطناعي؟
ابدأ بـتوحيد البيانات والإجراءات حول قرار واحد متكرر (مثل: قرار الصيانة الوقائية لمعدة حرجة). عندما ينجح قرار واحد، ستتوسع تلقائيًا.
كيف نقيس نجاح تدريب القيادات في سياق AI؟
لا تقسه بعدد الشهادات. قِسه بـ:
- عدد حالات الاستخدام التي انتقلت من Pilot إلى تشغيل
- زمن اتخاذ القرار (قبل/بعد)
- نسبة تبني اللوحات والتقارير الجديدة
- انخفاض إعادة العمل بسبب بيانات خاطئة
ماذا تعلّمنا من خطوة بنك الخليج؟
إطلاق برنامج قيادي متقدم للكوادر الكويتية متوسطة المستوى ليس مجرد خبر علاقات عامة. هو رسالة واضحة: الاستعداد للمستقبل يبدأ ببناء الإنسان القادر على قيادة التحول.
وهذه الرسالة تنطبق حرفيًا على سلسلة مقالاتنا عن: كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت. إذا أردنا نتائج أسرع وأعلى جودة—خفض توقفات، تحسين كفاءة الطاقة، تقارير أسرع، وسلامة أقوى—فلا يكفي شراء الأدوات. نحتاج قادة وسط يفهمون الأدوات ويعرفون كيف يفرضون استخدامها بطريقة تحترم الواقع التشغيلي.
إذا كنت مسؤولًا في شركة طاقة أو نفط وغاز في الكويت، اسأل نفسك سؤالًا واحدًا: من هم “قادة التشغيل” الذين سيملكون قرارات الذكاء الاصطناعي يوميًا؟ إذا لم تكن الإجابة واضحة، فالمشروع لم يبدأ بعد—حتى لو تم توقيع العقود.