وضوح السياسات وتقليل الاحتكاك—كما في CEPA—قد يكونان أسرع طريق لتسريع الذكاء الاصطناعي في طاقة الكويت. خطوات عملية لحوكمة البيانات والشراكات.

وضوح السياسات يمهّد لذكاء اصطناعي أقوى في طاقة الكويت
قبل يوم واحد فقط، نشرت الصحافة الاقتصادية في عُمان قراءة لافتة لاتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين عُمان والهند (CEPA): ليست «تخفيض رسوم» بقدر ما هي تقليل احتكاك الأعمال ورفع قابلية التنبؤ بالسياسات. هذه الفكرة تبدو بعيدة عن قطاع النفط والغاز للوهلة الأولى، لكني أراها قريبة جدًا من موضوعنا في هذه السلسلة: كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت.
الذكاء الاصطناعي لا يفشل عادةً بسبب الخوارزميات. يفشل لأن البيئة حوله غير جاهزة: بيانات مبعثرة، عمليات مشتريات معقّدة، اشتراطات امتثال غير واضحة، وتردد في مشاركة البيانات مع شركاء أو مزودين. لذلك، عندما نسمع عن اتفاقيات تُحسّن «وضوح القواعد» وتُقلل الاحتكاك بين الدول والشركات، فهذه ليست أخبار تجارة فقط—بل مؤشر على نضجٍ مؤسسي يساعد أي مشروع ذكاء اصطناعي على الوقوف على أرض صلبة.
اتفاقية CEPA: لماذا «وضوح السياسات» أهم من الرسوم؟
الفكرة الأساسية التي طرحها التحليل العُماني واضحة: الاتفاقية تقدم إطارًا قائمًا على قواعد للتجارة والخدمات والاستثمار، ما يرفع الثقة ويخفض تكلفة ممارسة الأعمال. هذا النوع من الأطر لا يهم المستوردين والمصدرين فقط؛ يهم أيضًا فرق التحول الرقمي والابتكار.
وضوح القواعد يختصر وقت القرار (وهذا يساوي مالًا)
عندما تكون القواعد واضحة، يصبح التخطيط طويل الأجل أسهل، من تعاقدات سلاسل الإمداد إلى قرارات الاستثمار في التقنيات. في مشاريع الذكاء الاصطناعي داخل الطاقة، غالبًا ما يضيع الوقت في أسئلة مثل:
- هل يسمح نموذج التوريد باستخدام مزود سحابي؟ وأين تُخزن البيانات؟
- ما حدود مشاركة بيانات المعدات مع شركة صيانة أو شركة تحليل بيانات؟
- كيف نثبت الامتثال عند تدريب نموذج على بيانات تشغيل حساسة؟
كل إجابة غير محسومة تُضيف «احتكاكًا» يشبه ما يحدث في التجارة عبر الحدود. والنتيجة؟ مشروع يتأخر أشهرًا ويكبر نطاق المخاطر داخليًا.
الاتفاقيات توثّق الموجود… لكنها ترفع «قابلية القراءة» للمستثمر
من النقاط الذكية في قراءة CEPA: كثير مما يبدو «انفتاحًا جديدًا» قد يكون موجودًا أصلًا في النظام الاستثماري، لكن الاتفاقية تجعله مكتوبًا بوضوح. هذا يشبه تمامًا ما يحدث في الحوكمة الرقمية: قد تكون لدى المؤسسة ممارسات أمن معلومات جيدة، لكن ما لم تُترجم إلى سياسات واضحة ومسارات اعتماد، سيبقى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مترددًا.
جملة تصلح كقاعدة عمل: الذكاء الاصطناعي يحتاج سياسات قابلة للتنفيذ، لا مبادئ عامة.
ما الذي يربط CEPA بتحول الذكاء الاصطناعي في طاقة الكويت؟
الربط هنا ليس نظريًا. قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت يعتمد على سلاسل إمداد عالمية، وشركاء خدمات وتقنية من خارج البلد، ومعايير سلامة وتشغيل صارمة. وأي خطوة لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي—من التنبؤ بالأعطال إلى تحسين الإنتاج—ستصطدم بسؤالين:
- هل البيئة التنظيمية/التعاقدية تجعل التعاون التقني سريعًا وواضحًا؟
- هل هناك آلية تضمن أن القيمة تتسرب للاقتصاد المحلي (مهارات، وظائف، شركات صغيرة ومتوسطة) بدل أن تبقى «قيمة رأس مال» فقط؟
قراءة CEPA تُعطي درسًا عمليًا: خفض الاحتكاك لا يعني التنازل عن السيطرة. الاتفاقية—وفق ما نُقل—لا تفرض تدفقات عمالة، ولا تُغيّر قوانين التوظيف المحلية، وتترك للدولة التحكم في التأشيرات والحصص. في سياق الذكاء الاصطناعي بالكويت، يمكن تبني نفس المنطق: التعاون الدولي في التقنية ممكن مع الحفاظ على متطلبات الأمن والسيادة على البيانات.
5 دروس عملية من CEPA لتسريع الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز بالكويت
الرسالة الأهم: الاتفاقيات إطار وليست طريقًا مختصرًا. لنقل ذلك إلى خطوات قابلة للتطبيق في شركات الطاقة.
1) خفّض «احتكاك البيانات» قبل أن تشتري أي منصة
الواقع؟ أغلب حالات استخدام الذكاء الاصطناعي في التشغيل الصناعي تتعطل بسبب البيانات: تعريفات غير موحدة للأصول، سجلات صيانة غير مكتملة، ومصادر بيانات لا تتحدث مع بعضها.
ما يعمل فعليًا:
- توحيد معرّفات الأصول عبر الأنظمة (الآبار، المضخات، الضواغط، الصمامات…)
- وضع سياسة جودة بيانات تشغيلية: من يملك البيانات؟ من يراجعها؟ ما الحد الأدنى للاكتمال؟
- بناء «كتالوج بيانات» يشرح ما المتاح وكيف يُستخدم، بدل الاعتماد على معرفة أشخاص بعينهم
هذه الخطوات تبدو إدارية، لكنها تُعادل «وضوح القواعد» الذي تحدثت عنه CEPA.
2) اجعل المشتريات التقنية قائمة على نتائج قابلة للقياس
حين تكون السياسة واضحة، تقل مساحة التفسير، ويصبح التنافس على النتائج. في مشاريع الذكاء الاصطناعي، اطلب من المزودين أرقامًا تشغيلية محددة بدل عروض عامة.
أمثلة على مؤشرات قياس مناسبة لقطاع النفط والغاز:
- خفض التوقف غير المخطط (ساعات/شهر)
- تحسين دقة توقع الأعطال (Precision/Recall) على أصول محددة
- تقليل وقت إعداد تقرير السلامة أو الالتزام (بالساعات)
- تقليل استهلاك الطاقة في محطة معالجة بنسبة مستهدفة
أنا أميل لنهج «مشروع تجريبي مضبوط» مدته 8–12 أسبوعًا مع مقياس نجاح واحد أو اثنين، قبل أي توسع.
3) اربط التعاون الدولي بنقل معرفة واضح… وإلا ستفقد الأثر المحلي
نقطة التحذير في تحليل CEPA كانت مباشرة: إذا لم تُربط الانفتاحات بمتطلبات تدريب أو نقل تقنية، قد لا تتحقق «الآثار المحلية» تلقائيًا.
ترجمة ذلك للكويت في مشاريع الذكاء الاصطناعي:
- ضع بندًا تعاقديًا يلزم المزود بخطة تدريب عملية (Hands-on) لفرق التشغيل والموثوقية
- اشترط بناء نماذج قابلة للتسليم (Model handover) بدل «خدمة مغلقة» لا يفهمها أحد داخليًا
- اطلب توثيقًا تشغيليًا: كيف يُراقَب النموذج؟ متى يُعاد تدريبه؟ وكيف يُدار الانحراف (Model drift)؟
الهدف ليس تعقيد العقود؛ الهدف أن لا تتحول مشاريع الذكاء الاصطناعي إلى “صندوق أسود” يعتمد على طرف خارجي إلى الأبد.
4) عالج مخاوف «الملكية الأجنبية» بميزان: سيادة بيانات + شراكات ذكية
الحديث الإعلامي عن «ملكية أجنبية 100%» يثير حساسية، لكنه لا يختصر الواقع. في التقنية، السؤال الأكثر حساسية ليس الملكية بحد ذاتها، بل:
- أين تُخزن بيانات التشغيل؟
- من يملك النماذج الناتجة؟
- من يملك حقوق تحسين النموذج باستخدام بياناتك؟
الحل العملي الذي أراه مناسبًا لقطاع الطاقة: إطار سيادة بيانات واضح يسمح بالشراكة (محليًا ودوليًا) دون تفريط. أحيانًا يكفي تصميم معماري يضمن أن البيانات الحساسة لا تغادر بيئتك، وأن ما يُشارك هو سمات مُشتقة أو بيانات مُخفاة الهوية حسب الحالة.
5) احمِ الشركات الصغيرة والمتوسطة في سلسلة القيمة الرقمية
تحذير آخر ورد في التحليل: بعض القطاعات المفتوحة قد تعتمد على عمالة وافدة مع تحويل أرباح بلا قيود، ما يضعف دوران الدخل محليًا ويزاحم الشركات الصغيرة.
في الذكاء الاصطناعي بالطاقة، يحدث شيء مشابه عندما تكون كل الأعمال (البيانات، النمذجة، التشغيل، الدعم) لدى شركات كبيرة خارجية. لتفادي ذلك:
- خصّص حزم أعمال محلية: جمع بيانات ميدانية، ووسم بيانات، ولوحات متابعة تشغيلية
- ادعم «شركات تكامل نظم» محلية لتكون حلقة وصل بين التشغيل والمنصات
- ابنِ برنامج موردين محليين للخدمات الرقمية (Digital services) بمعايير أمن وامتثال واضحة
هذا ليس شعارًا؛ هو قرار تصميم لسلسلة القيمة.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي فعليًا في عمليات النفط والغاز بالكويت؟
الحديث عن «الذكاء الاصطناعي في الطاقة» يصبح مفيدًا عندما نربطه بنقاط ألم يومية. هذه أمثلة عملية (وواقعية) أرى أنها الأعلى عائدًا في العادة:
التنبؤ بالأعطال والصيانة التنبؤية
- تحليل اهتزازات الضواغط والمضخات
- رصد شذوذ درجات الحرارة والضغط
- توقع تدهور الأداء قبل توقف مفاجئ
العائد هنا يأتي من تقليل توقفات الإنتاج وتحسين تخطيط قطع الغيار.
تحسين الطاقة والانبعاثات
- نماذج تحكم متقدم تعتمد على بيانات لحظية لتقليل استهلاك الطاقة
- كشف تسربات الميثان أو الاضطرابات التشغيلية مبكرًا
هذا مهم خصوصًا مع تصاعد متطلبات الإفصاح والاستدامة في سلاسل الإمداد العالمية.
أتمتة التقارير والامتثال (خصوصًا نهاية السنة)
نهاية ديسمبر عادة موسم ضغط تقارير ومراجعات. أتمتة التلخيص، وتوحيد التقارير، وربطها ببيانات موثوقة يقلل أخطاء بشرية ويحرر وقت الفرق الفنية.
أسئلة شائعة يطرحها القادة قبل اعتماد الذكاء الاصطناعي (وإجابات مباشرة)
هل نحتاج اتفاقيات دولية حتى ننجح في الذكاء الاصطناعي؟
لا، لكن نفس روح الاتفاقيات—وضوح قواعد، تقليل احتكاك، حوكمة—هي ما يصنع الفارق داخل المؤسسة ومع الشركاء.
هل الذكاء الاصطناعي يعني فتح البيانات للجميع؟
لا. الذكاء الاصطناعي الناجح في النفط والغاز يبنى على مبدأ: مشاركة الحد الأدنى اللازم مع ضوابط أمنية وتعاقدية دقيقة.
ما أول خطوة إذا كنا متأخرين؟
ابدأ بخريطة بيانات التشغيل وحالات استخدام محدودة بعائد واضح، ثم ضع سياسة حوكمة بسيطة قابلة للتنفيذ خلال 30–60 يومًا.
الخطوة التالية للكويت: من «وضوح التجارة» إلى «وضوح التحول الرقمي»
اتفاقية مثل CEPA تذكّرنا بشيء أساسي: القواعد الواضحة تخفض تكلفة القرار. وفي قطاع الطاقة، تكلفة القرار ليست اجتماعات فقط—هي ساعات توقف، ومخاطر سلامة، وتعقيد امتثال، وملايين في كلفة الفرصة.
إذا أردنا أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى ممارسة يومية في قطاع النفط والغاز في الكويت، فالأولوية ليست شراء أدوات أكثر. الأولوية هي تقليل الاحتكاك: سياسات بيانات واضحة، عقود تضمن نقل معرفة، ومشتريات مبنية على نتائج، وشراكات دولية تُدار بوعي يحفظ القيمة محليًا.
إذا كانت 2026 على الأبواب خلال أيام، فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح الآن داخل كل جهة طاقة هو: هل أنظمتنا وسياساتنا تجعل مشروع الذكاء الاصطناعي أسهل كل شهر… أم أصعب؟