قدرة شمس دبي وصلت 3.86 جيجاواط في 2025. تعلّم كيف يترجم ذلك إلى خطوات عملية لتطبيق الذكاء الاصطناعي في طاقة ونفط وغاز الكويت.

الذكاء الاصطناعي والطاقة في الكويت: دروس من شمس دبي
في 29/12/2025 أعلنت دبي أن القدرة المركّبة من الطاقة النظيفة في مجمّع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية وصلت إلى 3.86 جيجاواط. الرقم ليس للاحتفال فقط؛ هو إشارة واضحة أن منطقة الخليج انتقلت من مرحلة “المشاريع التجريبية” إلى مرحلة التشغيل واسع النطاق—ومع هذا الحجم، تصبح إدارة الطاقة مسألة بيانات قبل أن تكون مسألة معدات.
وهنا يأتي الدرس الأقرب للكويت: كلما زادت حصة الطاقة المتجددة والتخزين، زادت الحاجة إلى الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة لإدارة التذبذب، وتقليل الفاقد، ورفع الاعتمادية. والأهم: نفس الأدوات التي تُحسّن أداء محطة شمسية—من التنبؤ إلى الصيانة—يمكنها أيضًا تحسين عمليات النفط والغاز في الكويت من الاستكشاف إلى الإنتاج إلى المصافي.
ما الذي تعلّمنا إياه تجربة دبي بالأرقام؟
الجواب المباشر: دبي لم ترفع القدرة فقط؛ بل رفعت “تعقيد النظام” بطريقة تجعل الذكاء الاصطناعي خيارًا عمليًا لا ترفًا.
في 2025، ارتفعت القدرة المركبة للمجمّع إلى 3,860 ميجاواط بعد إضافة 800 ميجاواط عبر مزيج من الخلايا الكهروضوئية وتقنية الطاقة الشمسية المركزة (CSP). هذه القدرة تمثل نحو 21.5% من إجمالي قدرة التوليد لدى هيئة كهرباء ومياه دبي. كذلك رُفِع هدف 2030 إلى 7,260 ميجاواط بدلًا من 5,000 ميجاواط.
الأكثر دلالة للكويت هو أن التوسع لم يعد “ألواح فقط”. المرحلة السابعة المطروحة في 2025 تتضمن قرابة 2,000 ميجاواط مرتبطة بأنظمة تخزين بطاقة 1,400 ميجاواط-ساعة، مع قدرة على إنتاج 8,400 ميجاواط-ساعة من طاقة نظيفة مخزنة. عند هذه النقطة، أي قرار تشغيلي خاطئ (أو متأخر) يترجم مباشرة إلى تكلفة وفرص ضائعة.
لماذا هذه الأرقام مهمة لشركات الطاقة في الكويت؟
- لأنها تثبت أن الخليج يتجه إلى مزيج طاقة أكثر تنوعًا.
- ولأن هذا المزيج يحتاج تشغيلًا “ذكيًا” يعتمد على التنبؤ والتحسين.
- ولأن نفس المنطق يُطبق على النفط والغاز: بيانات أكثر + تعقيد أعلى = عائد أكبر من الأتمتة والتحليلات.
الذكاء الاصطناعي هو طبقة التشغيل الجديدة للطاقة
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي ليس مشروع تقنية معلومات؛ هو “طبقة تشغيل” تساعد المنظومة أن تعمل بكفاءة تحت ضغط التذبذب والطلب.
عندما تدخل الطاقة الشمسية والتخزين على نطاق واسع، تظهر ثلاث مشاكل يومية: توقع الإنتاج، توازن الشبكة، وقرارات الشحن والتفريغ. هنا الذكاء الاصطناعي يتفوق لأنه يتعامل مع آلاف الإشارات في وقت واحد: الإشعاع الشمسي، الغبار، درجات الحرارة، حمل الشبكة، أسعار الوقود، وحالة البطاريات.
1) التنبؤ بالإنتاج والطلب بدقة تشغيلية
في الخليج، تغيرات الغبار والرطوبة ليست تفصيلًا صغيرًا؛ هي فرق حقيقي في الإنتاج. نماذج التعلم الآلي تستطيع تحسين:
- توقع الإنتاج الشمسي على فترات قصيرة (15 دقيقة/ساعة) لتقليل الحاجة لاحتياطي تشغيلي مكلف.
- توقع الطلب (خصوصًا مع أحمال التكييف) لتقليل تشغيل وحدات غير ضرورية.
الجملة التي أكررها دائمًا لفرق التشغيل: التنبؤ الجيد أرخص من التوليد الاحتياطي.
2) تحسين تشغيل التخزين: قيمة البطارية تُدار بالقرار
وجود 1,400 ميجاواط-ساعة من التخزين (في مثال دبي) يعني أن القيمة الحقيقية ليست في البطارية نفسها، بل في قرار: متى تشحن؟ ومتى تفرغ؟ وعلى أي أساس؟
الذكاء الاصطناعي هنا يقوم بـ:
- جدولة الشحن/التفريغ وفق توقعات الإنتاج والطلب.
- تقليل تدهور البطارية عبر التحكم في عمق التفريغ ودرجة الحرارة.
- دعم قرارات الاستجابة السريعة لتردد الشبكة (عند توفر تكامل مع أنظمة التحكم).
كيف ينتقل هذا التفكير إلى النفط والغاز في الكويت؟
الجواب المباشر: نفس “عقلية التشغيل بالبيانات” التي تدير الطاقة الشمسية يمكنها رفع إنتاجية النفط والغاز وتقليل التوقفات والانبعاثات.
الكويت ليست في مواجهة خيار “متجددة أو نفط”. الواقع أن السوق يريد: نفط وغاز أقل تكلفة، أقل انبعاثًا، وأكثر موثوقية. والذكاء الاصطناعي يقدم ذلك عبر ثلاث ساحات واضحة.
1) الصيانة التنبؤية في مرافق الإنتاج والمصافي
أكثر ما يستنزف الميزانيات هو التوقف غير المخطط. الصيانة التنبؤية تعتمد على بيانات الاهتزاز، الحرارة، الضغط، ومعدلات التدفق لاكتشاف الانحرافات قبل أن تتحول إلى عطل.
أمثلة تطبيقية قريبة من الواقع:
- التنبؤ بتدهور المضخات والضواغط قبل أسابيع بدل اكتشافه بعد توقف.
- اكتشاف اختلالات المحامل في معدات دوارة عالية الكلفة.
- تحسين خطة الصيانة بناءً على “احتمالية الفشل” وليس جدولًا ثابتًا.
2) تحسين الإنتاج (Production Optimization)
في حقول النفط، الهدف ليس رفع الإنتاج فقط؛ بل رفعه بأقل ماء، أقل طاقة، وأفضل استقرار. نماذج الذكاء الاصطناعي تساعد في:
- ضبط إعدادات الرفع الاصطناعي ومعدلات الحقن.
- تقليل ظواهر مثل التذبذب في التدفق أو ارتفاع الماء المنتج.
- دعم قرار “أي بئر نفتح الآن؟” بناء على جودة الإنتاج والعائد.
3) خفض الانبعاثات: القياس أولًا ثم الخفض
تقنيات القياس الذكي واكتشاف التسربات (مثل الميثان) يمكنها أن تربط بين أهداف الاستدامة والعمليات اليومية. ما ينجح هنا هو دمج ثلاث طبقات:
- حساسات/بيانات ميدانية
- تحليلات للكشف عن الشذوذ
- إجراءات تشغيلية واضحة للاستجابة
وهذه نقطة مهمة: الذكاء الاصطناعي لا يقلل الانبعاثات وحده؛ يقللها عندما يغيّر قرار التشغيل.
من “محطة شمسية كبيرة” إلى “شبكة ذكية”: أين يقع الذكاء الاصطناعي؟
الجواب المباشر: كلما اقتربنا من الشبكة، زادت قيمة الذكاء الاصطناعي لأن القرار يصبح آنيًا ويؤثر على الجميع.
تجربة دبي تُظهر اتجاهًا واضحًا نحو مزيج متجدد + تخزين + توسع سريع. الكويت يمكنها الاستفادة من هذا الاتجاه لتسريع ثلاثة مسارات متوازية:
مسار (أ): مراكز تشغيل رقمية للطاقة
مركز تشغيل واحد يدمج بيانات:
- التوليد التقليدي والمتجدد
- التخزين
- أحمال كبار المستهلكين
مع لوحات متابعة تحذيرية وقرارات مدعومة بالنماذج التنبؤية.
مسار (ب): توأم رقمي للأصول الحرجة
التوأم الرقمي يعني نموذجًا يحاكي الأصل في الزمن شبه الحقيقي. فائدته ليست استعراضًا؛ فائدته أنك تختبر سيناريوهات قبل تنفيذها:
- ماذا يحدث لو خفضنا ضغط التشغيل؟
- ما أثر تغيير مادة التنظيف في الألواح؟
- ما نتيجة إعادة توزيع الأحمال على محولات معينة؟
مسار (ج): أتمتة التقارير والتواصل مع أصحاب المصلحة
ضمن سلسلة موضوعنا عن الكويت، هذه نقطة عملية جدًا: كثير من فرق الطاقة تُهدر ساعات في التقارير الشهرية والامتثال ومؤشرات الأداء.
الأتمتة الذكية (مع حوكمة بيانات جيدة) قادرة على:
- تجميع KPI تلقائيًا من أنظمة التشغيل
- توليد تقارير داخلية جاهزة للمراجعة
- توحيد التعريفات (ما هو “التوقف”، وما هو “الإتاحة”) لتجنب تضارب الأرقام
أسئلة شائعة داخل الشركات الكويتية… وإجابات مباشرة
هل الذكاء الاصطناعي يعني استبدال فرق التشغيل؟
لا. يعني أن الفريق يتحول من “جمع بيانات يدوي” إلى “اتخاذ قرار أسرع وأدق”. أفضل النتائج تأتي عندما يكون مشغلو الميدان جزءًا من تصميم النموذج.
من أين نبدأ دون مشروع ضخم؟
ابدأ بـ حالة استخدام واحدة مرتبطة بتكلفة واضحة (توقفات، فاقد طاقة، صيانة). ثم وسّع بعد إثبات العائد.
ما أكبر خطأ؟
أكبر خطأ هو بناء نموذج ممتاز على بيانات غير موثوقة. حوكمة البيانات ليست ورقًا إداريًا؛ هي شرط نجاح.
ماذا تفعل الكويت الآن؟ خطة 90 يومًا قابلة للتنفيذ
الجواب المباشر: خلال 90 يومًا يمكنك الانتقال من “حديث عن الذكاء الاصطناعي” إلى “نموذج يعمل” إذا اخترت نطاقًا صحيحًا.
- اختيار أصل/منطقة ذات تأثير كبير (مثل ضاغط رئيسي، محطة فرعية، أو خط إنتاج في مصفاة).
- تحديد 3 مؤشرات نجاح: تقليل التوقفات، تقليل استهلاك الطاقة، تقليل الوقت في التقارير.
- تنظيف البيانات الأساسية وربط المصادر (SCADA/PI/CMMS إن وجدت).
- نموذج أولي للتنبؤ بالأعطال أو تحسين الجدولة.
- تشغيل تجريبي لمدة 4–6 أسابيع مع فريق التشغيل.
- قرار توسعة بناء على نتائج رقمية، لا انطباعات.
عبارة عملية: إذا لم تربط الذكاء الاصطناعي بمؤشر مالي أو تشغيلي واضح، سيتحول إلى عرض تقديمي جميل ثم يتوقف.
ما بعد 2025: الخليج يدخل مرحلة “التشغيل الذكي” للطاقة
وصول مجمّع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية إلى 3.86 جيجاواط في 2025، مع توجه واضح إلى 7.26 جيجاواط بحلول 2030 وتخزين على نطاق كبير، يضع معيارًا إقليميًا: الطاقة الحديثة تُدار بخوارزميات بنفس قدر ما تُدار بالتوربينات والألواح.
بالنسبة لسلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت”، هذا هو جوهر الرسالة: الكويت لا تحتاج أن تغيّر هويتها كدولة طاقة، لكنها تحتاج أن تغيّر طريقة التشغيل. الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز، ومعه الشبكات الذكية والتحليلات التنبؤية، هو الطريق الأقصر لخفض التكلفة ورفع الاعتمادية وتحسين الاستدامة.
إذا كانت دبي قد أثبتت أن التوسع السريع ممكن، فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح في الكويت الآن: أي جزء من منظومة الطاقة لدينا سيصبح “ذكيًا” أولًا—الإنتاج، المصافي، أم الشبكة؟