درس خليجي يوضح كيف تُحوّل البيانات الموثّقة والذكاء الاصطناعي خفض الانبعاثات إلى قرارات تشغيل. خطوات عملية للكويت خلال 90 يوماً.

الذكاء الاصطناعي وخفض الانبعاثات: درس خليجي للكويت
بحسب بيانات مُعلنة في الإمارات، محطة براكة للطاقة النووية تُنتج نحو 40 تيراواط/ساعة سنوياً وتُغطي حتى 25% من الطلب الكهربائي، مع تجنّب قرابة 22.4 مليون طن من الانبعاثات سنوياً. هذه ليست أرقاماً للاحتفال فقط؛ هي إشارة واضحة إلى اتجاه خليجي جديد: كهرباء نظيفة على نطاق صناعي، مع قياس وتتبع موثّق.
وهنا تأتي الزاوية التي تهمّنا في سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت»: كثيرون يختزلون التحول في “مصدر طاقة جديد”. الواقع أن التحول الحقيقي يحدث عندما تُدار الطاقة والبيانات والعمليات معاً—والذكاء الاصطناعي هو اللغة المشتركة بينها. ما فعلته مجموعة EMSTEEL مع شركة الإمارات للطاقة النووية (ENEC) يقدّم نموذجاً عملياً يمكن للكويت الاستفادة منه، ليس بالضرورة عبر تقليد المصدر، بل عبر تقليد المنهج: شهادات طاقة نظيفة + بيانات قابلة للتحقق + تشغيل صناعي مُحكم.
ماذا تقول صفقة EMSTEEL وENEC عن التحول الصناعي؟
الرسالة الأساسية: خفض الانبعاثات في الصناعات الثقيلة لا يعتمد على النوايا، بل على كهرباء منخفضة الكربون يمكن إثباتها بالأرقام.
اعتمدت EMSTEEL على كهرباء نووية “مُعتمدة” ضمن برنامج شهادات الطاقة النظيفة في أبوظبي (وفق معيار I-REC)، ما يتيح لها خفض انبعاثات النطاق 2 (Scope 2) بشكل مباشر—أي الانبعاثات المرتبطة بالكهرباء المشتراة.
الأهم بالنسبة لأي مدير عمليات أو استدامة: EMSTEEL لا تقول “نحن نستخدم طاقة نظيفة” فقط، بل تُقدّم حساباً قابلًا للمراجعة:
- دمجت 86% كهرباء نظيفة في عمليات الفولاذ.
- و14% في إنتاج الإسمنت.
- واستخدمت 1,484,067 ميغاواط/ساعة من الكهرباء النووية، و651,594 ميغاواط/ساعة من شهادات الطاقة الشمسية (لعمليات الفولاذ والإسمنت معاً).
- الهدف: 100% كهرباء نظيفة بحلول 2030.
هذه الصرامة في القياس ليست تفصيلاً، بل هي ما يجعل الذكاء الاصطناعي مفيداً لاحقاً. لأن أي نموذج تنبؤ أو تحسين لا يعمل جيداً إذا كانت البيانات غير موثوقة أو غير قابلة للتدقيق.
لماذا هذا مهم للكويت تحديداً؟
الجواب المباشر: لأن الكويت تواجه ضغطاً متزايداً من العملاء العالميين والممولين على “شفافية الكربون” عبر سلسلة الإمداد، وخصوصاً في القطاعات المرتبطة بالطاقة والصناعة.
في 2026 وما بعدها، كثير من العقود—وخاصة مع شركات عالمية—لن تسأل فقط عن السعر والجودة، بل ستسأل:
- كم تبلغ كثافة الكربون للمنتج؟
- هل يمكن إثباتها ببيانات؟
- ما خطة الخفض؟
ومن هنا يصبح “التقنية” ليست خياراً تجميلياً، بل جزءاً من القدرة التنافسية.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ من “شهادات” إلى “تشغيل ذكي”
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يحوّل شهادات الطاقة النظيفة من ملف امتثال إلى قرارات تشغيل يومية تقلّل الكلفة والانبعاثات معاً.
صفقة EMSTEEL تُظهر جانب “الطاقة النظيفة الموثّقة”. لكن الخطوة التالية—التي تحتاجها أي شركة طاقة أو صناعة في الكويت—هي بناء طبقة ذكاء فوق هذا النظام.
1) تحسين الأحمال الصناعية وفق توفر الكهرباء منخفضة الكربون
في الصناعات الثقيلة، الاستهلاك ليس ثابتاً دائماً. يمكن للذكاء الاصطناعي أن ي:
- يتنبأ بذروة الطلب داخل المصنع.
- يقترح إعادة جدولة بعض العمليات كثيفة الاستهلاك (عندما يسمح التشغيل).
- يوازن بين الكلفة، والاستقرار، والانبعاثات.
جملة تصلح كاقتباس: خفض الكربون لا يحدث في لوحة الاستدامة؛ يحدث في جدول التشغيل.
2) القياس الآلي لانبعاثات النطاق 2 وربطها بالإنتاج
كثير من المؤسسات تُخرج تقرير الاستدامة نهاية السنة كجهد يدوي مؤلم. الأفضل:
- ربط الاستهلاك الكهربائي، وشهادات الطاقة، وخطوط الإنتاج في منصة واحدة.
- استخدام نماذج تعلم آلي لاكتشاف “انحرافات” الاستهلاك.
- إنتاج تقارير شهرية (أو أسبوعية) يمكن تدقيقها.
هذا مفيد للكويت تحديداً في قطاع النفط والغاز، حيث تتنوع الأصول: حقول، محطات معالجة، مصافي، مرافق مساندة. الذكاء الاصطناعي يختصر الفوضى إلى “لغة أرقام” موحّدة.
3) الصيانة التنبؤية: خفض الانبعاثات عبر خفض الهدر
في الطاقة والصناعة، الأعطال لا تعني توقفاً فقط—تعني استهلاكاً أعلى وانبعاثات أكثر (تشغيل احتياطي، خسائر حرارية، إعادة تشغيل…).
نماذج الصيانة التنبؤية تستطيع:
- التقاط إشارات مبكرة من الاهتزازات، الحرارة، الضغط.
- توقع فشل مكوّنات حساسة.
- تقليل “الحرق غير الضروري” أو التشغيل خارج النطاق المثالي.
هذا محور واضح في التحول الرقمي في النفط والغاز بالكويت: الصيانة التنبؤية عادةً تملك عائداً سريعاً لأنها تقلل التوقفات وتحسن الكفاءة.
الشراكات: نموذج قابل للتكرار في الكويت (لكن بشروط)
الجواب المباشر: الشراكات الناجحة في الطاقة لا تنجح لأنها “معلنة”، بل لأنها تتفق على بيانات مشتركة وحوكمة واضحة.
في خبر الإمارات، هناك خيط ثابت: التعاون عبر قطاعات مختلفة (طاقة نووية + صناعة فولاذ) مع آلية موثوقة للتتبع (شهادات طاقة نظيفة). هذا بالضبط ما تحتاجه مبادرات الذكاء الاصطناعي في الكويت كي لا تتحول إلى مشاريع تجريبية لا تكبر.
ما الذي يجب أن تتفق عليه أي شراكة “ذكاء اصطناعي + طاقة”؟
- تعريف واحد للبيانات: ما هو “الاستهلاك”، ما هي “الانبعاثات”، ما هو “خط الأساس”.
- قابلية التدقيق: البيانات يجب أن تتحمل سؤال المراجعة، داخلياً وخارجياً.
- أهداف تشغيلية لا شعارات: مثل خفض كثافة الطاقة بنسبة محددة، أو تقليل انحرافات الاستهلاك.
- توزيع المسؤوليات: من يملك البيانات؟ من يصون النماذج؟ من يعتمد القرارات؟
كيف تبدو خريطة طريق واقعية للكويت خلال 90 يوماً؟
الجواب المباشر: ابدأوا بمشروع واحد يقيس، ثم مشروع يحسّن، ثم مشروع يُؤتمت التقارير.
إذا كنت تعمل في شركة نفط وغاز أو مرفق طاقة أو صناعة مرتبطة بالطاقة في الكويت، هذه خطوات عملية—لا تحتاج انتظار “التحول الكبير”:
الخطوة 1 (أسبوعان): حصر نقاط البيانات الحرجة
- عدادات الكهرباء والوقود (إن وجدت).
- بيانات الإنتاج (برميل/يوم، طن/يوم…).
- سجلات الأعطال والصيانة.
الخطوة 2 (30 يوماً): بناء خط أساس للطاقة والانبعاثات
- ما كثافة الاستهلاك لكل وحدة إنتاج؟
- أين تحدث الذروة؟
- ما أكبر 3 أسباب للهدر؟
الخطوة 3 (30 يوماً): نموذج ذكاء اصطناعي “محدود النطاق”
اختر حالة استخدام واحدة:
- تنبؤ استهلاك الكهرباء اليومي.
- كشف الشذوذ في استهلاك خط إنتاج.
- توقع أعطال مضخات/ضواغط.
الخطوة 4 (30 يوماً): تحويل النتائج إلى قرار تشغيلي
- لوحة تشغيل يومية بسيطة.
- تنبيهات واضحة (وليس تقارير طويلة).
- اجتماع أسبوعي يربط التوصيات بقرارات تشغيل حقيقية.
رأيي بصراحة: كثير من الجهات تبدأ من لوحة بيانات جميلة. الأفضل البدء من قرار تشغيلي واحد تُريد تحسينه، ثم تبني التقنية حوله.
أسئلة شائعة يتكرر طرحها في الكويت
هل الذكاء الاصطناعي يقلل الانبعاثات فعلاً أم هو “تحسين إداري”؟
يقللها فعلاً عندما يرتبط بقرارات تشغيل: جدولة أحمال، صيانة تنبؤية، تحسين احتراق/تشغيل، وتقليل الهدر.
هل نحتاج تغيير البنية التحتية بالكامل؟
لا. أغلب المكاسب الأولية تأتي من استغلال بيانات موجودة أصلاً وتنظيمها، ثم إضافة حساسات فقط حيث توجد فجوات حرجة.
ما علاقة الطاقة النووية بهذا الحديث؟
العلاقة ليست أن الكويت يجب أن تتجه للنووي غداً، بل أن نموذج الإمارات يثبت نقطة: الكهرباء النظيفة على نطاق صناعي تحتاج تتبعاً وتحققاً—وهذا بالضبط ما يجعل الذكاء الاصطناعي قابلاً للتطبيق بثقة.
ما الذي ينبغي أن نأخذه من تجربة الإمارات؟
الخلاصة العملية: نجاح خفض الانبعاثات في القطاعات الصعبة يأتي من ثلاثية واضحة:
- طاقة منخفضة الكربون على نطاق كبير،
- بيانات قابلة للتحقق،
- تشغيل ذكي يقوده الذكاء الاصطناعي.
بالنسبة للكويت، هذا ينسجم مباشرة مع هدف السلسلة التي نكتب ضمنها: تحويل الذكاء الاصطناعي من “تقنية” إلى محرّك كفاءة واستدامة في النفط والغاز والطاقة. إذا أردت نتائج في 2026، لا تجعل المشروع يبدأ من شعارات الاستدامة. اجعله يبدأ من سؤال واحد: أي قرار تشغيلي يومي لو تحسّن 5% سيعطي أكبر أثر على الكلفة والانبعاثات؟
سؤال أخير يفتح الباب للنقاش داخل مؤسستك: هل نمتلك في الكويت بيانات طاقة وانبعاثات بنفس قابلية التحقق التي أصبح السوق العالمي يتوقعها؟ وإذا لا، ما أول خطوة لتصحيح ذلك؟