الذكاء الاصطناعي في التحلية: دروس للكويت من صفقة 400 مليون

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويتBy 3L3C

صفقة تحلية بـ400 مليون دولار تكشف كيف يرفع الذكاء الاصطناعي كفاءة المياه والطاقة. دروس عملية للكويت لتطبيق AI في التحلية والنفط والغاز.

تحلية المياهالذكاء الاصطناعيقطاع الطاقة في الكويتالصيانة التنبؤيةPPPالمرافق والبنية التحتية
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي في التحلية: دروس للكويت من صفقة 400 مليون

الذكاء الاصطناعي في التحلية: دروس للكويت من صفقة 400 مليون

في 29/12/2025، أُعلن عن عقد بقيمة 400 مليون دولار لتطوير أول محطة تحلية كبيرة بتقنية التناضح العكسي لمياه البحر (SWRO) على بحر قزوين في أذربيجان، بقيادة شركة خليجية هي أكوا باور عبر نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) لمدة 27.5 سنة. الخبر يبدو “مشروع مياه” للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة رسالة واضحة لمنطقتنا: مشاريع البنية التحتية الثقيلة صارت تُدار بمنطق البيانات، لا بمنطق الجداول الورقية.

وهنا تأتي الكويت في قلب الموضوع. لأن الماء والطاقة وجهان لعملة واحدة: التحلية تستهلك كهرباء، والكهرباء في منطقتنا مرتبطة بمنظومة الوقود والغاز والتشغيل والصيانة. وفي سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت”، أرى أن أفضل مدخل عملي للذكاء الاصطناعي ليس عبر شعارات كبيرة، بل عبر حالات استخدام محددة داخل مشاريع مثل التحلية ومحطات الكهرباء والشبكات—حيث يمكن قياس العائد بسرعة.

ماذا تقول صفقة أكوا باور فعلياً؟ ولماذا تهم الكويت؟

الجواب المباشر: الصفقة تُظهر أن مشاريع التحلية الحديثة لم تعد مجرد إنشاء وتشغيل، بل تصميم + تمويل + امتلاك + تشغيل وصيانة بعقود طويلة تُكافئ الاستقرار والكفاءة.

تفاصيل الخبر الأساسية تعطي ثلاث إشارات قابلة للاستثمار كويتياً:

  1. PPP طويل الأجل (27.5 سنة): هذا النوع من العقود يرفع قيمة أي تحسينات تشغيلية مستمرة. الذكاء الاصطناعي هنا ليس رفاهية؛ أي خفض في استهلاك الطاقة أو الأعطال يتراكم لسنوات ويصير “مضاعف أرباح”.
  2. SWRO كمحور تقني: محطات التناضح العكسي تعتمد على مضخات عالية الضغط وأغشية حساسة. أي قرار خاطئ في التشغيل ينعكس فوراً على التكلفة والعمر الافتراضي.
  3. شركة خليجية توسّع عالمياً: انتقال الخبرات من الخليج إلى أسواق جديدة يعني أن “أفضل الممارسات” تتحول إلى معيار. والكويت—بحكم احتياجاتها المائية والطاقة—تستفيد إذا تبنّت نفس عقلية التشغيل الذكي مبكراً.

أين يدخل الذكاء الاصطناعي في التحلية؟ (ليس في مكان واحد)

الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يُحدث فرقاً عندما يتحكم في الطاقة، والأغشية، والمواد الكيميائية، والأعطال، وجودة المياه عبر نماذج تنبؤية وتحسينات لحظية.

1) خفض استهلاك الطاقة عبر “التحكم التنبؤي”

أكبر بند تشغيلي في التحلية عادة هو الطاقة. ما يفعله الذكاء الاصطناعي عملياً:

  • يتنبأ بتغيرات الملوحة ودرجة الحرارة وجودة مياه السحب.
  • يضبط ضغط المضخات ومعدلات التدفق ونِسَب الاسترجاع بشكل لحظي.
  • يوازن بين تكلفة الكهرباء وجودة المنتج وحدود الأمان للأغشية.

الفكرة ليست أن النظام “يشغّل لوحده”، بل أن فريق التشغيل يحصل على توصيات دقيقة أو تشغيل شبه آلي ضمن حدود محددة. هذا النوع من التحسين قد يبدو بسيطاً، لكنه في محطات كبيرة يصبح فارقاً ملموساً في الفاتورة.

2) إطالة عمر الأغشية عبر التنبؤ بالـ Fouling قبل حدوثه

الأغشية هي قلب SWRO. المشكلة الشائعة هي تراكم الملوثات (fouling) وانخفاض الأداء.

الذكاء الاصطناعي هنا يقرأ إشارات مبكرة مثل:

  • فرق الضغط عبر مراحل الأغشية
  • التغير في التدفق
  • مؤشرات العكارة وSDI

ثم يقترح:

  • توقيت التنظيف الكيميائي قبل أن يصبح إجبارياً
  • تعديل جرعات المعالجة المسبقة
  • تغيير استراتيجيات التشغيل لتقليل الإجهاد على الأغشية

النتيجة المتوقعة: أعطال أقل واستبدال أغشية أقل ووقت توقف أقل. وهذه ثلاث نقاط تحبها أي جهة تمويل في PPP.

3) صيانة تنبؤية للمضخات والمحركات والـ VFD

أكثر ما يرهق فرق التشغيل هو الأعطال المفاجئة.

الصيانة التنبؤية تعتمد على بيانات مثل الاهتزازات ودرجات الحرارة والتيار الكهربائي وسلوك المحرك. نموذج تعلم آلي يلتقط “النمط غير الطبيعي” قبل أن يتحول إلى توقف.

عملياً، هذا يعني:

  • تقليل أعمال الصيانة الطارئة
  • تحسين مخزون قطع الغيار
  • تخطيط الإيقاف السنوي بذكاء

وهنا ارتباطنا بسلسلة الكويت واضح: نفس المنطق يُطبّق في منشآت النفط والغاز—الضواغط، التوربينات، المضخات، أنظمة الحرق—مع اختلاف الحساسات والبيئة.

من أذربيجان إلى الكويت: ما الذي يمكن نسخه فوراً؟

الجواب المباشر: الكويت لا تحتاج “مشروع ذكاء اصطناعي ضخم” كي تبدأ؛ تحتاج خارطة حالات استخدام وربط بيانات وتشغيل تجريبي سريع.

1) بناء “طبقة بيانات تشغيلية” قبل بناء نماذج ذكاء اصطناعي

معظم الشركات تقفز للنماذج قبل ترتيب البيانات.

الترتيب الصحيح غالباً:

  1. توحيد مصادر SCADA وDCS وCMMS وLIMS (المختبر)
  2. تنظيف البيانات وتوحيد التعاريف (ما هو “توقف”؟ ما هو “إنذار مهم”؟)
  3. إنشاء لوحات مؤشرات تشغيلية متفق عليها
  4. بعدها تُبنى نماذج التنبؤ والتحسين

2) البدء بثلاث حالات استخدام “سريعة العائد”

إذا كنتُ أنصح فريقاً في الكويت اليوم، سأبدأ بهذه الثلاثة لأنها واضحة القياس:

  1. الصيانة التنبؤية لمعدات مختارة (مضخات سحب، مضخات ضغط عالي، محركات رئيسية)
  2. تحسين استهلاك الطاقة عبر توصيات تشغيلية (خفض الضغط الزائد، تحسين الاسترجاع)
  3. تحسين الجرعات الكيميائية بالاعتماد على جودة مياه التغذية بدل الجداول الثابتة

كل حالة لها مؤشرات نجاح بسيطة:

  • انخفاض الأعطال غير المخطط لها
  • انخفاض kWh/m³
  • انخفاض استهلاك المواد الكيميائية أو استقرار جودة المنتج

3) ربط التحلية بمنظومة الطاقة والغاز (المنفعة هنا مضاعفة)

التحلية لا تعمل في فراغ. عندما ترتبط أنظمة التحلية مع التنبؤ بالأحمال الكهربائية وتوفر الغاز وجدولة محطات التوليد، يصبح لدينا “تحسين منظومة” لا “تحسين محطة”.

وهذا جوهر السلسلة الخاصة بالكويت: الذكاء الاصطناعي يربط سلسلة القيمة بين النفط والغاز والكهرباء والمياه—ويقلل الهدر عبر قرارات مبنية على البيانات.

الشراكات بين القطاعين (PPP) والذكاء الاصطناعي: عقد طويل يحتاج قياساً دقيقاً

الجواب المباشر: في PPP، الذكاء الاصطناعي يصبح جزءاً من الحوكمة لأن الممول يريد إثبات أداء مستمر، لا وعود.

لكي ينجح إدخال الذكاء الاصطناعي في مشاريع بنية تحتية طويلة:

  • حوكمة بيانات واضحة: من يملك البيانات؟ من يشاركها؟ ما سياسات الخصوصية والأمن؟
  • مستويات خدمة (SLAs) قابلة للقياس: مثل التوفر، جودة المياه، استهلاك الطاقة لكل متر مكعب.
  • نموذج تشغيلي: من يوافق على توصيات النظام؟ متى يصبح التشغيل آلياً؟ وما حدود التدخل البشري؟

جملة تلخص الموضوع: في العقود الطويلة، لا يكفي أن تكون المحطة “تعمل”—يجب أن تكون مُحسّنة باستمرار.

أسئلة شائعة يسمعها مديرو التشغيل في الكويت (مع إجابات مباشرة)

هل الذكاء الاصطناعي يعني استبدال فريق التشغيل؟

لا. يعني تقليل القرارات الحدسية، وتوحيد أفضل الممارسات، وتحويل خبرة المشغلين إلى قواعد ونماذج قابلة للتوسع. الفريق يبقى أساسياً، لكن أدواته تصبح أقوى.

هل نحتاج أجهزة جديدة باهظة؟

أحياناً نعم، لكن كثيراً من المكاسب تأتي من استغلال بيانات موجودة أصلاً في SCADA/DCS وتحسين جودة القياس في نقاط محددة فقط.

ما أكبر مخاطرة؟

أن نركّب “نموذج جميل” دون صيانة للبيانات، أو دون إدخاله فعلياً في إجراءات التشغيل. الذكاء الاصطناعي الذي لا يُستخدم يومياً يتحول إلى تقرير شهري لا أكثر.

ماذا تفعل الكويت خلال 90 يوماً إذا أرادت بداية جادة؟

الجواب المباشر: اختَر نطاقاً صغيراً، اجمع بياناته جيداً، واطلق نموذجاً تجريبياً يقيس العائد.

خطة 90 يوماً قابلة للتنفيذ:

  1. أسبوع 1-2: اختيار محطة/وحدة ومعدة مستهدفة + تحديد 3 مؤشرات نجاح
  2. أسبوع 3-6: ربط البيانات (تشغيل + صيانة + جودة) وتنظيفها
  3. أسبوع 7-10: بناء نموذج تنبؤ بالأعطال أو تحسين الطاقة + لوحة متابعة
  4. أسبوع 11-13: اختبار ميداني مع المشغلين، وتعديل قواعد التنبيه
  5. أسبوع 14-13 (تصحيح): إعداد تقرير عائد واضح وخطة توسعة

نعم، الخطة مكثفة، لكنها واقعية إذا كان القرار واضحاً والفريق صغيراً ومخوّلاً.

الخيط الذي يربط التحلية بالنفط والغاز في الكويت

صفقة الـ 400 مليون دولار ليست عن المياه فقط؛ إنها عن إدارة أصول لعقود طويلة بأعلى كفاءة. وهذا نفس تحدي منشآت النفط والغاز: معدات كثيفة، طاقة عالية، مخاطر توقف مكلفة، واحتياج دائم للامتثال والسلامة.

إذا كانت الكويت تريد مكاسب ملموسة من الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة والنفط والغاز، فالتحلية والـ Utilities هي نقطة انطلاق ممتازة—لأنها تمنح نتائج قابلة للقياس بسرعة، وتخلق ثقافة تشغيل بالبيانات يمكن نقلها لاحقاً إلى المصافي والحقول ومحطات التوليد.

الخطوة التالية بسيطة: هل ستُعامل الكويت الذكاء الاصطناعي كـ “مشروع تقنية معلومات”، أم كجزء من طريقة تشغيل الدولة لبنيتها التحتية خلال العقد القادم؟