كيف تدعم شراكات الطاقة منخفضة الكربون إزالة الكربون؟ وما دور الذكاء الاصطناعي في تشغيل أكثر كفاءة داخل النفط والغاز بالكويت؟

الذكاء الاصطناعي وإزالة الكربون بالكويت: شراكات تُنجز
في الأخبار الصناعية بالخليج، تتكرر رسالة واحدة: إزالة الكربون لم تعد «مبادرة علاقات عامة»، بل شرط تشغيلي للوصول إلى أسواق التمويل والتوريد، وللحفاظ على القدرة التنافسية في صناعات كثيفة الانبعاثات مثل الصلب والطاقة. التعاون الذي ظهر في خبر EMSTEEL مع شركة الإمارات للطاقة النووية (ENEC) — رغم تعذر الوصول للتفاصيل بسبب حجب المصدر — يعكس توجهاً واضحاً: شراكات بين الصناعة ومورّدي الطاقة منخفضة الكربون لتقليل البصمة الكربونية بسرعة وبطريقة قابلة للقياس.
وهنا تأتي الكويت إلى الصورة، خصوصاً ضمن سلسلة موضوعنا «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت». لأن الخطوة التالية بعد أي شراكة طاقة نظيفة هي السؤال العملي: كيف نثبت التخفيض؟ كيف نحسّن التشغيل؟ وكيف نوزّع الطاقة بأقل هدر وأعلى موثوقية؟ الإجابة غالباً ليست في مزيد من الاجتماعات… بل في البيانات + الذكاء الاصطناعي.
لماذا تتجه الصناعات لشراكات طاقة منخفضة الكربون؟
الجواب المباشر: لأن الانبعاثات أصبحت تكلفة— تنظيمياً وتمويلياً وتجاريّاً.
الصناعات الثقيلة تعتمد على طاقة كثيفة (كهرباء وحرارة وبخار) وتواجه ضغوطاً من ثلاثة اتجاهات:
- سلاسل الإمداد العالمية: كثير من المشترين يطلبون اليوم بيانات انبعاثات على مستوى المنتج (Product Carbon Footprint) ويميزون الموردين.
- التمويل: شروط القروض والاستثمارات باتت تربط التسعير بمؤشرات الاستدامة.
- المخاطر التشغيلية: تقلبات أسعار الطاقة والأحمال القصوى تجعل إدارة الطاقة أولوية تشغيلية لا بيئية فقط.
الشراكة بين مصنع صلب ومزوّد طاقة نووية في الإمارات تُقرأ بهذا المنطق: تأمين كهرباء منخفضة الكربون على المدى الطويل، ثم بناء منظومة قياس وإبلاغ تجعل التخفيض “قابلاً للتدقيق”.
بالنسبة للكويت، الفكرة لا تتعلق بتقليد نموذج بعينه، بل باستيعاب الدرس: الشراكة وحدها لا تكفي إن لم تُدار رقمياً.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ من «طاقة أنظف» إلى «تشغيل أذكى»
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي هو ما يحوّل الطاقة النظيفة من بند في العقد إلى نتائج تشغيلية تُرى في الاستهلاك والانبعاثات والتكلفة.
الكثير من الشركات توقّع اتفاقيات طاقة نظيفة، ثم تكتشف لاحقاً أن مكاسبها الفعلية أقل من المتوقع بسبب:
- أحمال غير مستقرة ترفع الاستهلاك في ساعات الذروة
- عدم تطابق بين الإنتاج والطلب الداخلي على الكهرباء/البخار
- معدات تعمل خارج كفاءتها بسبب صيانة تفاعلية لا تنبؤية
- بيانات مبعثرة لا تصلح للتدقيق أو للتقارير
الذكاء الاصطناعي يحل ذلك عبر ثلاث طبقات:
1) التنبؤ بالأحمال والطلب على الطاقة
نماذج التنبؤ (Forecasting) تربط بيانات التشغيل (الإنتاج، درجات الحرارة، معدلات التشغيل، أوامر العمل) باستهلاك الطاقة لتنتج توقعاً يومياً/أسبوعياً. النتيجة:
- تقليل أحمال الذروة عبر جدولة تشغيل المعدات الثقيلة
- تحسين التعاقدات الكهربائية وتقليل غرامات الذروة
- رفع الاستفادة من مصادر الطاقة منخفضة الكربون عندما تكون متاحة
2) التحسين الآلي (Optimization) لاستهلاك الطاقة
بدلاً من “تشغيل آمن فقط”، تنتقل المنشأة إلى “تشغيل آمن + أقل طاقة”. أمثلة تطبيقية مناسبة لقطاع النفط والغاز في الكويت:
- تحسين تشغيل الضواغط والمضخات عبر ضبط نقاط التشغيل
- تحسين كفاءة أنظمة التبريد والتسخين في المنشآت
- تقليل الفواقد في الشبكات الداخلية (بخار/هواء مضغوط/كهرباء)
3) القياس والإبلاغ (MRV) بشكل يمكن تدقيقه
الـ MRV (Measurement, Reporting, Verification) هو اللغة المشتركة بين التشغيل والاستدامة والتمويل.
الذكاء الاصطناعي لا “يخترع أرقاماً”، بل:
- يكتشف القيم الشاذة من الحساسات
- يملأ الفجوات المنطقية في البيانات (Data Imputation) ضمن سياسات صارمة
- يربط الاستهلاك بالإنتاج لتقديم مؤشرات عادلة مثل: الانبعاثات لكل برميل مكافئ أو لكل طن
جملة تصلح كقاعدة عمل: من دون MRV قوي، إزالة الكربون تصبح قصة تُروى لا نتيجة تُقاس.
ما الذي يمكن للكويت أن تتعلمه من نموذج «الصلب + طاقة نووية»؟
الجواب المباشر: الدرس ليس نوع الطاقة فقط، بل هندسة الشراكة حول البيانات والموثوقية.
في الكويت، إزالة الكربون في النفط والغاز تتقاطع مع واقع خاص: منشآت كبيرة، أصول قديمة وجديدة معاً، متطلبات سلامة صارمة، وموسمية تشغيل مرتبطة بالطلب المحلي والصادرات.
ثلاثة دروس عملية قابلة للنقل:
1) الشراكات تنجح عندما تُبنى على مؤشرات أداء مشتركة
بدلاً من “توريد كهرباء نظيفة” فقط، تُعرَّف مؤشرات مشتركة مثل:
- خفض كثافة الانبعاثات (tCO₂e/وحدة إنتاج)
- استقرار الإمداد (SAIDI/SAIFI داخلياً للمرافق الصناعية)
- نسبة الطاقة منخفضة الكربون ضمن المزيج
وهنا الذكاء الاصطناعي يوفر لوحة قيادة واحدة تُظهر الأثر الفعلي، لا الأثر “المفترض”.
2) الرقمنة شرط للانتقال الطاقي داخل المصانع
قد تشتري المنشأة طاقة أنظف، لكنها تخسر المكاسب بسبب هدر داخلي.
الأولوية في منشآت النفط والغاز بالكويت غالباً:
- توحيد بيانات الطاقة من الـ SCADA وDCS وعدادات المرافق
- بناء “خط أساس” لاستهلاك الطاقة والانبعاثات
- إطلاق حالات استخدام محددة تُنتج وفراً خلال 90–120 يوماً
3) إدارة المخاطر التشغيلية بنفس أدوات الاستدامة
الواقع أن أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة لتقليل الانبعاثات هي نفسها التي تقلل الأعطال:
- صيانة تنبؤية للمعدات الدوّارة
- كشف التسربات (Gas Leak Detection) عبر حساسات/رؤية حاسوبية حيث يسمح الموقع
- إنذار مبكر لانحرافات الأداء قبل أن تتحول لإيقاف أو حادث
النتيجة: تقليل الانبعاثات + رفع الاعتمادية، وهذا ما يجعل المشروع مقنعاً مالياً.
خريطة طريق واقعية لتطبيق الذكاء الاصطناعي لإزالة الكربون في الكويت
الجواب المباشر: ابدأ بحالات استخدام مربحة وسهلة القياس، ثم وسّع نطاقها تدريجياً.
إذا كنت تعمل في شركة طاقة أو نفط وغاز بالكويت وتبحث عن خطة لا تبدو نظرية، فهذه خطوات عملية أثبتت أنها تعمل في بيئات صناعية مشابهة:
1) أسبوعان: تحديد خط الأساس ومصادر البيانات
- قائمة العدادات والحساسات ومصادر بيانات التشغيل
- تعريف الحدود التنظيمية للانبعاثات (Scope 1/2 على الأقل)
- تحديد أكبر 5 مصادر استهلاك طاقة (Energy Hotspots)
2) 4–6 أسابيع: بناء نموذج تنبؤ بالأحمال
- توقع الاستهلاك الكهربائي/البخار حسب خطة الإنتاج
- تحديد ساعات الذروة والأسباب
- اقتراح جدولة تشغيل تخفف الذروة
مؤشر نجاح واضح: انخفاض الطلب الأقصى (Peak Demand) ورفع استقرار الاستهلاك.
3) 8–12 أسبوعاً: تحسين تشغيل معدات عالية الاستهلاك
اختر نظاماً واحداً فقط كبداية (مثلاً ضاغط رئيسي أو شبكة بخار) وطبق:
- مراقبة أداء لحظية
- كشف الانحرافات
- توصيات ضبط تشغيل (Setpoints)
مؤشر نجاح واضح: خفض kWh لكل وحدة إنتاج بنسبة قابلة للقياس.
4) 12–16 أسبوعاً: أتمتة تقارير MRV ولوحات الاستدامة
- لوحة KPI موحدة للطاقة والانبعاثات
- سير عمل (Workflow) للمراجعة والاعتماد الداخلي
- جاهزية للتدقيق الداخلي والخارجي
مؤشر نجاح واضح: تقليل وقت إعداد التقارير من أسابيع إلى أيام.
أسئلة شائعة يسمعها فريق الطاقة والاستدامة (وإجاباتها)
الجواب المباشر: الاعتراضات غالباً صحيحة… لكن يمكن حلها بتصميم صحيح للبيانات والحوكمة.
هل نحتاج بيانات “مثالية” قبل البدء؟
لا. تحتاج بيانات كافية ومستمرة. ابدأ بعدادات رئيسية ومصادر موثوقة، ثم حسّن الجودة تدريجياً. ما يقتل المشاريع هو انتظار الكمال.
هل الذكاء الاصطناعي يعني تغيير أنظمة التحكم الحالية؟
ليس بالضرورة. كثير من المشاريع تبدأ كطبقة تحليل فوق الأنظمة (DCS/SCADA) ثم تُدمج تدريجياً وفق سياسة سلامة صارمة.
أين العائد التجاري الحقيقي؟
في الكويت، العائد الأكثر شيوعاً يأتي من:
- خفض استهلاك الطاقة في المعدات الثقيلة
- تقليل التوقفات غير المخطط لها
- تحسين جدولة الأحمال وتجنب الذروة
- تسريع الإبلاغ والتدقيق وتقليل مخاطر الامتثال
ماذا يعني هذا لسلسلتنا عن الذكاء الاصطناعي في الطاقة بالكويت؟
الجواب المباشر: إزالة الكربون ليست مشروعاً جانبياً؛ إنها برنامج تشغيل، والذكاء الاصطناعي هو محركه اليومي.
خبر الشراكات الصناعية في الخليج يذكّرنا أن الانتقال الطاقي يحدث فعلاً—لكن الفرق بين “نية” و“نتيجة” هو التنفيذ: بيانات موحدة، مؤشرات واضحة، وحالات استخدام ذكاء اصطناعي تُخفض الطاقة والانبعاثات معاً.
إذا كنت تفكر في الخطوة التالية داخل مؤسستك، جرّب هذا التمرين البسيط: اختر أعلى معدّتين استهلاكاً للطاقة في موقعك، واسأل: هل نعرف كفاءتهما اليوم؟ وهل نستطيع التنبؤ بكفاءتهما غداً؟ إذا كانت الإجابة “لا”، فهذا هو المكان الصحيح للبدء.
السؤال الذي يستحق النقاش داخل كل شركة نفط وغاز بالكويت في 2026: هل نريد تقارير استدامة جميلة… أم تشغيلًا يقلل الانبعاثات فعلاً ساعة بساعة؟