الذكاء الاصطناعي يسرّع وظائف الطاقة النظيفة في الكويت

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويتBy 3L3C

الذكاء الاصطناعي لا يزيد وظائف الطاقة النظيفة تلقائياً، لكنه يرفع التوطين ويمنع فجوات المهارات. دروس عُمان تقدّم خارطة عملية للكويت.

الطاقة المتجددةالذكاء الاصطناعيالاقتصاد الأخضرسوق العملالتوطينالنفط والغاز
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي يسرّع وظائف الطاقة النظيفة في الكويت

الذكاء الاصطناعي يسرّع وظائف الطاقة النظيفة في الكويت

في 26/12/2025 نشرت دراسة عن «اقتصاد عُمان النظيف» خلاصة لا أحب أن نغفلها في الكويت: الطاقة النظيفة ليست مجرد مشروع بيئي—هي مشروع وظائف وصناعة، لكن بعدد وظائف أقل مما يتوقعه الناس إذا تُركت الأمور للصدفة. وهذا بالضبط المكان الذي يدخل منه الذكاء الاصطناعي بقوة: ليس كـ«زينة تقنية»، بل كأداة لتوجيه الاستثمارات، تقليل الهدر، ورفع نسبة التوطين عبر تدريب موجّه وشهادات سريعة بدل مسارات طويلة لا تخدم السوق.

في سلسلة مقالاتنا «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت»، هذه الحلقة تربط بين درس عُماني مهم وبين سؤال كويتي عملي: كيف نجعل التحول للطاقة النظيفة يخلق وظائف ذات قيمة، ويستفيد من خبرات النفط والغاز، بدل أن يتحول إلى إنفاق رأسمالي كبير بوظائف تشغيلية محدودة؟

الدرس القادم من عُمان: الوظائف موجودة… لكنها “موسمية” إن لم نخطط

الفكرة الأساسية في الدراسة العُمانية واضحة: قطاعات الاقتصاد النظيف (الهيدروجين الأخضر، الطاقة الشمسية والرياح، كفاءة المباني، الصناعات منخفضة الكربون، تصنيع الإلكترولايزر، وتصنيع مكونات الطاقة المتجددة) تحمل فرصة اقتصادية، لكن الوظائف تتركز غالباً في مرحلتي البناء والتركيب، بينما التشغيل طويل الأمد يحتاج عدداً أقل من الموظفين—وبمهارات أكثر تخصصاً.

هذا الواقع ينطبق على الخليج كله، والكويت ليست استثناءً. بل إن المخاطرة لدينا أكبر إذا تعاملنا مع مشاريع الطاقة المتجددة على أنها «مشاريع مقاولات» فقط: يتم إنجازها بسرعة، ثم ينخفض الطلب على العمالة فور دخولها التشغيل.

لماذا لا يكفي “إعلان المشاريع”؟

لأن المشكلة ليست في الفكرة ولا في التمويل، بل في تسلسل المشاريع وقابلية التنبؤ بها. عندما تكون المواعيد غير واضحة، لا يستطيع:

  • المستثمر بناء سلسلة توريد محلية.
  • جهات التدريب تصميم برامج قصيرة فعّالة.
  • الشركات التخطيط لتوظيف كويتيين وتدرّجهم وظيفياً.

النتيجة الطبيعية: فجوة مهارات، واعتماد أعلى على عمالة خارجية في التركيب، ثم وظائف تشغيل قليلة لا تستوعب الداخلين الجدد.

أين يغيّر الذكاء الاصطناعي المعادلة في الكويت؟

إذا أردت جملة واحدة قابلة للاقتباس: الذكاء الاصطناعي لا يزيد عدد الوظائف تلقائياً، لكنه يزيد “قابلية التوطين” ويمنع ضياع الوظائف الممكنة بسبب سوء التخطيط.

في الكويت، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل كـ«محرك تنسيق» بين ثلاث دوائر: المشاريع، التدريب، والتشغيل.

1) التنبؤ بالوظائف والمهارات قبل بدء المشاريع (Workforce Forecasting)

أفضل استخدام عملي للذكاء الاصطناعي هنا هو بناء نموذج يتوقع: كم نحتاج فنّي صيانة ألواح شمسية؟ كم مهندس تحكم؟ كم مختص سلامة؟ ومتى بالضبط؟

الفكرة ليست نظرية. نموذج جيد يعتمد على:

  • جداول المشاريع (تصميم/توريد/إنشاء/تشغيل).
  • نوع التقنية (PV، تخزين بطاريات، هيدروجين، كفاءة مبانٍ).
  • إنتاجية فرق العمل المعتادة في كل مرحلة.

ثم يخرج بخريطة زمنية: وظائف “تُخلق” في السنة الأولى والثانية (تركيب وبناء)، ثم تتحول إلى وظائف تشغيلية أقل لكن أعلى مهارة.

رأيي: هذا النوع من النمذجة يجب أن يكون جزءاً من كل مشروع طاقة في الكويت منذ مرحلة المناقصة، لا بعد التشغيل.

2) شهادات مهنية قصيرة بدل “درجات” جديدة لا تنتهي

الدراسة العُمانية كانت صريحة: الحل ليس فتح تخصص جامعي جديد لكل تقنية، بل شهادات مستهدفة.

الذكاء الاصطناعي يساعد هنا عبر:

  • تحليل وظائف السوق وتحويلها إلى “كفاءات” قابلة للتدريب خلال 6–12 أسبوعاً.
  • بناء مسارات تعلم شخصية لموظفين قادمين من النفط والغاز.
  • تقييم عملي سريع (Simulations/Assessments) يثبت الجاهزية.

أمثلة شهادات منطقية في سياق الكويت:

  • فنّي O&M للطاقة الشمسية (تشغيل وصيانة).
  • محلل بيانات طاقة (Energy Data Analyst) لمراقبة الأداء.
  • مختص أنظمة SCADA وIoT لمحطات الطاقة.
  • فني سلامة وتشغيل للهيدروجين (عند توسع المشاريع).

3) رفع كفاءة الأصول—وهذا يخلق وظائف “أذكى”

في النفط والغاز، الذكاء الاصطناعي أثبت نفسه في الصيانة التنبؤية ومراقبة المعدات. نفس المنهج ينطبق على الطاقة المتجددة:

  • كشف أعطال الألواح عبر رؤية حاسوبية وبيانات حرارية.
  • تحسين زاوية التشغيل وإدارة الأحمال.
  • توقع تدهور البطاريات وتحسين دورة حياتها.

هذا لا يخلق آلاف الوظائف التشغيلية، لكنه يخلق وظائف ذات قيمة:

  • مهندس موثوقية (Reliability Engineer).
  • مختص جودة بيانات.
  • فني صيانة مدعوم بتطبيقات ذكية.

والأهم: هذه الوظائف أقرب للتوطين لأنها تعتمد على مهارة ومعرفة بالموقع وتكرار يومي.

كيف نترجم “الاقتصاد النظيف” إلى فرص عمل كويتية فعلية؟

الواقع؟ هناك ثلاثة قرارات تصنع الفرق، وكلها يمكن دعمها بالذكاء الاصطناعي.

أولاً: اعتراف واضح بأن الطاقة النظيفة كثيفة رأس المال

الخطأ الشائع هو بيع مشاريع الطاقة المتجددة على أنها «حل بطالة». لا. هي حل تنويع واقتصاد ومهارات—أما الوظائف فعددها معقول لكنه ليس ضخماً.

إدارة التوقعات مهمة حتى لا نخسر ثقة الناس. الهدف الصحيح:

  • وظائف أقل عدداً، أعلى جودة.
  • فرص أكبر لسلاسل توريد محلية.
  • نقل مهارات من النفط والغاز إلى الطاقة الجديدة.

ثانياً: تصميم “خارطة وظائف” مرتبطة بتسلسل المشاريع

إذا كانت لدينا مشاريع طاقة شمسية وتخزين وربما هيدروجين خلال 2026–2030، نحتاج خارطة تنفّذ بهذه الصيغة:

  1. ما المشاريع القادمة؟
  2. متى يبدأ التوريد؟ متى يبدأ التركيب؟ متى التشغيل؟
  3. ما الوظائف في كل مرحلة؟
  4. ما نسبة التوطين المستهدفة لكل وظيفة؟
  5. ما التدريب المطلوب؟ ومن ينفذه؟

الذكاء الاصطناعي يختصر وقت بناء هذه الخارطة، ويُحدّثها كلما تغيرت الخطط.

ثالثاً: ربط المناقصات بمؤشرات مهارات وتوطين قابلة للقياس

في المشاريع الكبرى، العبارة العامة «نسبة توطين» لا تكفي. الأفضل وضع مؤشرات قابلة للتدقيق، مثل:

  • عدد المتدربين الكويتيين الذين أتموا شهادات محددة قبل التشغيل.
  • عدد الوظائف التشغيلية المسندة لكويتيين بعد 12 شهراً من التشغيل.
  • نقل معرفة موثق: كتيبات تشغيل، منصات تعلم، قواعد بيانات أعطال.

وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي دعم المتابعة عبر لوحات تحكم (Dashboards) تقرأ بيانات الموارد البشرية والتدريب والتشغيل في وقت واحد.

أين يدخل النفط والغاز في القصة؟ هنا ميزة الكويت

التحول للطاقة النظيفة لا يعني “القطيعة” مع النفط والغاز. في الكويت، أفضل استراتيجية هي تحويل خبرات النفط والغاز إلى رافعة للاقتصاد الأخضر.

مهارات جاهزة للنقل (Transferable Skills)

الكثير من المهارات الموجودة في شركات الطاقة التقليدية تُنقل مباشرة:

  • السلامة الصناعية وإدارة المخاطر.
  • هندسة الصيانة والموثوقية.
  • التحكم والأتمتة وSCADA.
  • إدارة المشاريع والعقود.
  • تحليل البيانات التشغيلية.

الذكاء الاصطناعي يسرّع النقل لأنه يجعل التدريب أكثر تخصيصاً: لا يحتاج الموظف أن يبدأ من الصفر؛ يتعلم “الفرق” بين محطة تقليدية ومحطة شمسية أو منظومة تخزين.

أسئلة تتكرر من أصحاب القرار (وإجابات مباشرة)

هل سيقلل الذكاء الاصطناعي الوظائف في الطاقة النظيفة؟

سيقلل الوظائف الروتينية ويزيد الطلب على وظائف الإشراف والتحليل والصيانة المتقدمة. المحصلة الأفضل للكويت هي وظائف أقل عدداً لكن أعلى إنتاجية وأقرب للتوطين.

ما أسرع مسار لتحقيق أثر خلال 6 أشهر؟

ابدأ ببرنامجين متوازيين:

  • منصة تحليل مهارات تتنبأ بالوظائف حسب جدول المشاريع.
  • حزمة شهادات قصيرة لفنيي التشغيل والصيانة وتحليل بيانات الطاقة.

ما أكبر مخاطرة إذا تأخرنا؟

الاعتماد على عمالة خارجية في مرحلة التركيب سيستمر تلقائياً، ثم سنصل للتشغيل بدون كوادر محلية جاهزة. عندها يصبح التوطين شعاراً لا خطة.

خطوات عملية للشركات والجهات في الكويت (قائمة قابلة للتنفيذ)

إذا كنت في شركة طاقة أو جهة تنظيمية أو تعليمية، هذه خطوات تعمل فعلياً:

  1. ابدأ بـ“مصفوفة وظائف”: 20–30 وظيفة مرتبطة بالطاقة الشمسية/التخزين/كفاءة المباني، وحدد مهاراتها.
  2. ابنِ نموذج طلب مهارات يعتمد على خطط المشاريع للـ 24 شهراً القادمة.
  3. اعتمد شهادات قصيرة بالشراكة مع المشغلين، وقيّمها بمشاريع تطبيقية.
  4. طبّق الصيانة التنبؤية على أصول الطاقة (حتى لو مشروع تجريبي صغير) لتكوين وظائف موثوقية وتحليلات.
  5. ضع لوحة متابعة تربط التدريب بالتوظيف الفعلي بعد التشغيل، لا بالاكتفاء بعدد الدورات.

جملة أخيرة أحب تكرارها: الاقتصاد الأخضر لا يكافئ من “يعلن”، بل من “ينسّق” بين الاستثمار والمهارة والتشغيل.

ماذا يعني ذلك لمسار الكويت في 2026؟

نحن في نهاية 2025، وبداية 2026 عادةً فترة إعادة ترتيب ميزانيات وخطط. هذه لحظة مناسبة لتبنّي منهج واضح:

  • مشاريع طاقة نظيفة بتسلسل يمكن التنبؤ به.
  • تدريب مهني قصير ومحدّد.
  • ذكاء اصطناعي يربط كل ذلك ويكشف فجوات التوطين قبل وقوعها.

إذا أردت أن تكون هذه المقالة حلقة مفيدة في سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في الكويت»، فالفكرة العملية هي: ابدأ بخارطة وظائف مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ثم ابنِ شهادات قصيرة تُنتج توظيفاً حقيقياً خلال سنة، لا وعوداً عامة.

هل نريد من التحول للطاقة النظيفة أن يكون بنداً في تقرير الاستدامة، أم محرك مهارات وفرص عمل كويتية قابلة للقياس؟ القرار يُتخذ الآن، قبل أن تبدأ موجة المشاريع التالية.