بدء تركيب العدادات الذكية بالعراق يفتح الباب لإدارة أحمال أدق وتقليل الفاقد. تعرّف كيف يمهّد ذلك لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطاقة.

العدادات الذكية في العراق: خطوة AI لتقليل الهدر وتحسين الشبكة
في 15/12/2025 أعلنت وزارة الكهرباء بدء المرحلة الأولى من تركيب العدادات الذكية في محافظات مختارة وأجزاء من بغداد، مع تفعيل آليات الدفع الإلكتروني. هذا الخبر يبدو “خدميّاً” للوهلة الأولى… لكنّي أراه نقطة مفصلية في قصة أكبر: كيف يبني العراق طبقة بيانات حقيقية تمهّد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، وما الذي يعنيه ذلك عملياً لقطاع النفط والغاز أيضاً.
المشكلة التي يعرفها الجميع: الشبكة تتعرض لأحمال مفرطة، وفاقد فني وتجاري، وبنى تحتية متقادمة، وأحياء تتوسع بسرعة وبشكل غير منظم. في هذا السياق، العداد الذكي ليس جهاز قياس فقط؛ هو حساس (Sensor) يرسل بيانات في الوقت الحقيقي إلى مركز مراقبة، ويحوّل “التخمين” إلى “قياس”، و”رد الفعل” إلى “تنبؤ”.
ما الذي ستكسبه الشركات، والمؤسسات الحكومية، وحتى المستخدم النهائي؟ وكيف تتحول هذه البيانات إلى قرارات تشغيلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تقلل الهدر وتزيد الاعتمادية؟ هذا ما سنفككه بهدوء وبشكل عملي.
ما الذي تغيّره العدادات الذكية فعلاً في شبكة الكهرباء العراقية؟
الجواب المباشر: العدادات الذكية تغيّر جودة البيانات وسرعة وصولها، وهذا وحده كافٍ لتغيير طريقة إدارة الأحمال والفواتير والخسائر.
وزارة الكهرباء أوضحت أن العدادات مرتبطة بنظام مراقبة إلكتروني مركزي متصل بـالمركز الوطني للسيطرة، ما يعني انتقال القراءة من “قراءة ورقية متأخرة” إلى نقل تلقائي للبيانات. النتيجة ليست رفاهية رقمية؛ بل تحوّل تشغيلي.
1) تقليل أخطاء التقدير وخلق ثقة في الفاتورة
عندما تُحتسب الاستهلاكات بالتقدير أو بقراءات غير منتظمة، تتكوّن فجوة ثقة بين المواطن والجهة المجهزة. العداد الذكي يقلل هذه الفجوة لأنه يقدم:
- قراءة دقيقة ومؤرشفة زمنياً
- إمكانية متابعة الاستهلاك اليومي (وهذا ذُكر صراحة في إعلان الوزارة)
- مرونة أكبر في آليات الدفع الإلكتروني
وهنا موقف واضح: بدون فواتير مبنية على بيانات دقيقة، لا يمكن إصلاح نموذج الجباية ولا تقليل الفاقد التجاري.
2) إدارة الأحمال المفرطة بدل مطاردة الانقطاعات
الوزارة قالت إن المشروع يهدف إلى إدارة الأحمال المفرطة وتحسين كفاءة الشبكة. عملياً، هذا يعني أن بيانات العدادات يمكن أن تُستخدم لتحديد:
- أين ترتفع الأحمال، ومتى؟
- ما الفرق بين الاستهلاك المتوقع والفِعلي؟
- ما الدوائر التي “تختنق” في ساعات الذروة؟
هذا ليس تنظيراً. إذا صار لديك منحنى حمل يومي لكل حي/مغذي، يصبح قرار مثل “تبديل محولة”، أو “إعادة توازن الأحمال”، أو “جدولة الصيانة” قراراً مبنياً على رقم وليس على شكاوى فقط.
3) إدخال المناطق غير المنظمة في شبكة “منضبطة”
من أهم ما ورد: دعم تطوير شبكات كهرباء منظمة حتى في المناطق غير الرسمية أو سريعة التوسع. هنا قيمة العدادات الذكية مضاعفة: فهي تضع “حدوداً قياسية” للاستهلاك وربطاً واضحاً بين المشترك والشبكة، وتفتح الباب لتخطيط توسعة واقعي.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ العدّاد الذكي هو بداية سلسلة وليس نهايتها
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي لا يعمل بلا بيانات عالية التردد. العدادات الذكية هي التي توفر هذه البيانات وتحوّل الشبكة إلى نظام قابل للتعلّم والتحسين.
ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق”، أحب أن أضع قاعدة بسيطة:
لا يوجد “ذكاء” في شبكة بلا قياس. القياس أولاً، ثم التحسين.
1) التنبؤ بالطلب (Load Forecasting) بدلاً من قرارات الحدس
عندما تتوفر بيانات استهلاك يومية/ساعية، يمكن بناء نماذج تتنبأ بالطلب على مستوى:
- المغذيات
- الأحياء
- المؤسسات الحكومية
التنبؤ هنا يساعد على:
- تخطيط التشغيل اليومي للوحدات
- تقليل تشغيل وحدات احتياطية بشكل مبالغ فيه
- إدارة الذروة عبر سياسات تسعير/تحفيز مستقبلية (عندما تنضج البيئة التنظيمية)
2) اكتشاف الفاقد والعبث بشكل أكثر دقة
الوزارة تحدثت عن معالجة الخسائر. بالبيانات، يصبح من الممكن استخدام التحليلات والذكاء الاصطناعي لاكتشاف أنماط غير طبيعية مثل:
- قفزات استهلاك غير منطقية
- استهلاك منخفض بشكل دائم مقارنة بالجوار
- اختلاف كبير بين الطاقة الداخلة لمغذي ومجموع استهلاكات المشتركين
المهم هنا هو المنهج: بدل إرسال فرق ميدانية عشوائياً، يتم توجيه التفتيش إلى النقاط الأكثر احتمالاً للهدر أو التجاوز.
3) صيانة تنبؤية للشبكة وليس “تصليح بعد العطل”
العداد الذكي لا يقيس الجهد والتيار بالتفصيل مثل معدات متقدمة، لكنه يلتقط إشارات مهمة: انقطاعات متكررة، تذبذب في جودة الخدمة، أنماط استهلاك قد تدل على مشكلة في مغذي أو محولة.
مع دمج هذه البيانات مع معلومات الشبكة (SCADA/OMS إن توفرت)، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم:
- توقع الأعطال قبل وقوعها
- ترتيب أولويات الصيانة
- تقليل مدة الانقطاع وتحسين مؤشر الاعتمادية
لماذا يهم هذا لقطاع النفط والغاز في العراق؟
الجواب المباشر: استقرار الكهرباء وجودة إدارتها يرفع موثوقية التشغيل الصناعي، ويقلل تكاليف الطاقة الذاتية، ويعزز رقمنة العمليات في منشآت النفط والغاز.
قد يقول أحدهم: “العدادات تخص المنازل”. هذا تبسيط. إعلان الوزارة ذكر شمول المؤسسات الحكومية، ومع توسع المشروع ستستفيد منه شرائح أوسع من المشتركين، بما في ذلك مواقع خدمية وصناعية.
1) تقليل التذبذب ينعكس على التشغيل الصناعي
أي تذبذب كبير يعني:
- توقفات
- تلف معدات
- اعتماد أكبر على المولدات
- استهلاك وقود أكثر
عندما تتحسن إدارة الأحمال وتقل الخسائر، تتحسن جودة التغذية تدريجياً. هذا يخلق بيئة أفضل لتشغيل الضواغط، المضخات، وحدات المعالجة، والورش الصناعية المرتبطة بسلاسل الإمداد النفطية.
2) البيانات الموحدة تساعد التخطيط للطاقة داخل المنشآت
كثير من المنشآت تعتمد على خليط من مصادر: شبكة، مولدات، وربما طاقة شمسية. وجود قياس دقيق (ومستقبلاً واجهات بيانات) يسمح بـ:
- ضبط استهلاك الذروة
- تحسين جدولة التشغيل
- بناء حالات استخدام للذكاء الاصطناعي مثل تحسين الطاقة (Energy Optimization)
3) العدادات والدفع الإلكتروني يقللان الاحتكاك الإداري
قد تبدو نقطة “إدارية”، لكنها مؤثرة. عندما تصبح الفوترة والدفع إلكترونيين، تنخفض الأخطاء، ويتحسن التحصيل، وتصبح العلاقة أكثر وضوحاً بين الخدمة والكلفة. وهذا يفتح باباً لاستثمارات أفضل في الشبكة.
كيف تنجح مبادرة العدادات الذكية؟ 5 شروط عملية من الواقع
الجواب المباشر: نجاح المشروع لا يتوقف على تركيب الأجهزة فقط؛ بل على الحوكمة، جودة الاتصالات، والأمن السيبراني، واستخدام البيانات في قرارات فعلية.
أرى خمسة شروط إذا تحققت، سيظهر الأثر خلال 6–18 شهراً بشكل ملموس في مناطق التطبيق:
- جودة الاتصال ونقل البيانات: لا قيمة لعداد ذكي لا يرسل قراءاته بشكل منتظم. يجب ضمان تغطية اتصالات مناسبة وخطط بديلة.
- حوكمة البيانات: من يملك البيانات؟ من يصل إليها؟ كيف تُحفظ؟ وكيف تُستخدم في قرارات التشغيل؟
- تكامل الأنظمة: العداد وحده لا يكفي؛ لابد من ربطه بنظام فوترة، ونظام شكاوى، ومع الوقت نظم إدارة الأعطال.
- الأمن السيبراني: كل عداد هو نقطة على الشبكة. تأمين الهوية، التشفير، ومراقبة الاختراقات ليست كماليات.
- تواصل واضح مع الجمهور: الوزارة أكدت أن المشروع ليس خصخصة ولا يتضمن رفع التعرفة. تثبيت هذه الرسالة مهم لتقليل المقاومة وبناء تقبّل.
جملة عملية أحب تكرارها: المواطن يتقبل التقنية عندما يرى أثرها في ثلاث نقاط: فاتورة مفهومة، خدمة أهدأ، وشكوى تُغلق بسرعة.
أسئلة شائعة يطرحها الناس والشركات حول العدادات الذكية
هل العداد الذكي يعني زيادة الأسعار؟
الوزارة أعلنت بوضوح أن المشروع لا يتضمن زيادة التعرفة. العداد الذكي يغيّر طريقة القياس والتحصيل، لا السعر بحد ذاته.
هل يمكن للمستهلك متابعة استهلاكه فعلاً؟
نعم، هذا من الأهداف المباشرة: مراقبة الاستهلاك اليومي. هذه الميزة وحدها تساعد العائلة أو المؤسسة على تقليل الهدر عبر سلوكيات بسيطة (توقيت تشغيل الأجهزة الثقيلة، ضبط المكيفات، معالجة التسربات الكهربائية).
متى يظهر أثر الذكاء الاصطناعي؟
الأثر يبدأ فوراً بتحسن دقة القراءة وتقليل الأخطاء. أما “الذكاء الاصطناعي” بمعناه التحليلي المتقدم (تنبؤ، اكتشاف فاقد، صيانة تنبؤية) فيحتاج عادةً إلى:
- عدة أشهر من البيانات المتراكمة
- نموذج تشغيلي واضح لاستخدام النتائج
- فرق قادرة على تحويل التحليلات إلى إجراءات
ما الخطوة التالية لمن يريد الاستفادة تجارياً؟ (لأهداف LEADS)
الجواب المباشر: الشركات التي تتحرك الآن ستفوز بعقود “طبقة البيانات” وليس فقط توريد الأجهزة.
إذا كنت تعمل في الطاقة، أو النفط والغاز، أو حلول الاتصالات، أو البرمجيات، فهذه المجالات هي الأكثر طلباً مع توسع العدادات الذكية:
- منصات تحليل استهلاك الكهرباء ولوحات مؤشرات تشغيلية
- حلول كشف الفاقد والتجاوز بالتحليلات والذكاء الاصطناعي
- تكامل الأنظمة بين العدادات والفوترة والدفع الإلكتروني
- أمن سيبراني خاص ببنية العدادات والبنية التحتية الحرجة
- نماذج تنبؤ بالأحمال على مستوى المناطق/المغذيات
أنا منحاز لفكرة واحدة هنا: العراق لا يحتاج “تقنية على الرف”، بل حلولاً تُقاس بنتائج تشغيلية خلال دورة زمنية قصيرة.
العدادات الذكية التي بدأت الوزارة بنشرها في بغداد وأجزاء من ديالى وكركوك والأنبار وواسط ليست “مشروع عدادات” فقط. هي بداية بناء شبكة تقرأ نفسها بنفسها، وتتعلم تدريجياً كيف توازن الأحمال وتقلل الهدر. وهذا هو الطريق العملي لذكاء اصطناعي يخدم قطاع الطاقة والنفط والغاز، لا مجرد عناوين كبيرة.
إذا أردت أن تجعل بيانات العدادات الذكية تعمل لصالحك—في خفض الفاقد، تحسين الاعتمادية، أو بناء لوحة تحكم تشغيلية—ما الحالة التشغيلية التي تريد حلّها أولاً: التنبؤ بالذروة، أم كشف الهدر، أم تسريع الاستجابة للأعطال؟