ارتفاع إنتاج النفط في العراق فرصة، لكن الاستدامة تحتاج عمليات أذكى. تعرّف كيف يدعم الذكاء الاصطناعي الصيانة والإنتاج والسلامة لتحقيق نمو ثابت.

صعود إنتاج النفط في العراق: كيف يدعمه الذكاء الاصطناعي
تزايد إنتاج النفط في العراق خلال الأشهر الماضية لم يأتِ من فراغ. عندما تُخفَّف قيود الحصص داخل تحالف أوبك+، تبدأ الأرقام بالتحرّك صعوداً، لكن الزيادة المستمرة من أيار/مايو حتى تشرين الأول/أكتوبر تحمل رسالة أكبر: المساحة المتاحة للنمو موجودة، لكن القدرة على الحفاظ على هذا النمو هي التحدّي الحقيقي.
في نهاية 2025، ومع ضغط مزدوج من الأسواق (تذبذب الأسعار) ومن الداخل (كلفة التشغيل، الأمن الصناعي، الانقطاعات، ونقص المهارات الرقمية)، يصبح السؤال العملي أمام الشركات والجهات المشغّلة في العراق: كيف نحافظ على وتيرة الإنتاج المتصاعدة من دون أن ترتفع معها الحوادث، والتوقفات غير المخطط لها، والهدر في الطاقة؟
رأيي واضح: الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية في قطاع النفط والغاز العراقي. هو أداة تشغيلية تُترجم إلى ساعات تشغيل إضافية، براميل أكثر، وحرق غاز أقل. هذه الحلقة من سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق” تربط خبر ارتفاع الإنتاج بفكرة واحدة: الزيادة أسهل من الاستدامة… والاستدامة تحتاج عمليات أذكى.
لماذا ارتفاع الإنتاج وحده لا يكفي؟
الجواب المباشر: لأن رفع الإنتاج من دون تحديث العمليات يرفع “الاحتكاك” التشغيلي—أي الأعطال، التوقفات، وتكاليف الصيانة والسلامة.
ارتفاع الإنتاج عادة يعني:
- تشغيل معدات لفترات أطول وبأحمال أعلى.
- زيادة عدد المناورات التشغيلية (فتح/غلق، تحويل مسارات، تشغيل مضخات احتياط).
- ضغط أكبر على سلسلة الإمداد وفرق الصيانة.
- مخاطر أعلى للتسربات والانبعاثات—خصوصاً مع بنى تحتية متفاوتة العمر.
وهنا تظهر المفارقة: قد نربح براميل إضافية على المدى القصير، لكن نخسرها لاحقاً بتوقفات مفاجئة أو تدهور في موثوقية المنشآت.
ما الذي تغيّر منذ أيار/مايو؟
الخبر الذي نتعامل معه يشير إلى سياق واضح: الارتفاع جاء بالتوازي مع تخفيف الحصص من أوبك+. أي أن جزءاً من الزيادة مرتبط بقرار سوقي/تنظيمي.
لكن ما لا تعالجه قرارات الحصص هو سؤال التشغيل اليومي: كيف نزيد الإنتاج مع تقليل الأعطال؟ كيف نعرف مسبقاً أين ستقع المشكلة؟ وكيف نمنعها قبل أن تتحول إلى توقف؟ هذا بالضبط ملعب الذكاء الاصطناعي.
أين يضيف الذكاء الاصطناعي قيمة سريعة في النفط والغاز العراقي؟
الجواب المباشر: في كل ما يعتمد على البيانات المتدفقة وقرارات متكررة، خصوصاً الصيانة، تحسين الإنتاج، والسلامة.
بدلاً من اعتبار الذكاء الاصطناعي مشروعاً ضخماً وطويلاً، أنجح ما رأيته في الشركات (وأقترحه كنهج) هو البدء بـ 3 مسارات “سريعة الأثر”:
1) الصيانة التنبؤية: إيقاف التوقفات قبل أن تحدث
الصيانة التقليدية في كثير من المواقع تعتمد على: “ننتظر العطل” أو “نبدّل وفق جدول ثابت”. كلاهما مكلف.
الصيانة التنبؤية تستخدم نماذج تتعلم من بيانات الاهتزاز، الحرارة، الضغط، واستهلاك الطاقة لتقدير احتمال فشل المعدات.
تطبيق عملي في العراق:
- مضخات الرفع الاصطناعي، الضواغط، المولدات، ومضخات الحقن.
- التنبؤ بتدهور المحامل (Bearings) أو اختلال المحاذاة (Misalignment) مبكراً.
جملة قابلة للاقتباس: “في النفط، ساعة توقف غير مخطط لها غالباً أغلى من شهر كامل من التحليل الذكي.”
ما الذي تكسبه؟
- تقليل التوقفات غير المخطط لها.
- تخطيط قطع الغيار والفرق بشكل أدق.
- رفع التوافر التشغيلي (Availability) دون إضافة معدات جديدة.
2) تحسين الإنتاج: من زيادة الضخ إلى “زيادة ذكية”
رفع الإنتاج ليس زرّاً واحداً. هو مجموعة قرارات صغيرة: ضغط، خنق، حقن ماء/غاز، وتوازن شبكات التجميع.
الذكاء الاصطناعي يساعد عبر:
- نماذج تتنبأ بسلوك البئر عند تغيير الخنق أو الضغط.
- تحسين إعدادات الرفع الاصطناعي لتقليل استهلاك الطاقة لكل برميل.
- اكتشاف الانحرافات (Anomalies) في بيانات الآبار قبل أن تُترجم إلى تراجع في الإنتاج.
الهدف ليس “أقصى إنتاج اليوم”، بل أقصى إنتاج مع أقل ضرر للخزان والمعدات خلال الأشهر القادمة.
3) السلامة وإدارة المخاطر: تقليل الحوادث والانبعاثات
مع تشغيل أعلى، ترتفع احتمالات الأخطاء البشرية والانحرافات.
حلول الذكاء الاصطناعي الشائعة:
- رؤية حاسوبية لكشف الالتزام بمعدات السلامة (خوذة، نظارات، مناطق محظورة) في المواقع.
- تحليل إشارات أجهزة الكشف عن الغاز لاكتشاف تسربات مبكرة.
- نماذج تربط بين ظروف التشغيل ومؤشرات مخاطر السلامة (مثل زيادة الاهتزاز مع ارتفاع الحرارة).
في شتاء العراق (ديسمبر/كانون الأول)، تزداد تحديات الصيانة الخارجية والعمليات الليلية. هنا تحديداً تصبح أدوات المراقبة الذكية مفيدة لأنها تعمل 24/7 بدون إرهاق.
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي العراق على الاستفادة من مرونة أوبك+؟
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يحوّل “هامش الحصة” إلى إنتاج مستقر، لا إنتاج متذبذب.
عندما تُخفَّف الحصص، تصبح القدرة على الاستجابة السريعة ميزة تنافسية: تشغيل إضافي اليوم، وتخفيف غداً، من دون فوضى تشغيلية.
التشغيل المرن يحتاج “عصباً رقمياً”
التشغيل المرن يعني أن لديك:
- بيانات موحّدة من الحقل إلى المركز.
- لوحات مراقبة فورية لمؤشرات الأداء.
- تنبيهات ذكية تُقلّل الضجيج وتُظهر المهم.
الذكاء الاصطناعي هنا لا يستبدل المهندس؛ بل يقدّم له “إنذاراً مبكراً” و”اقتراح إعدادات” مبنية على التاريخ والأنماط.
مثال واقعي (سيناريو عملي)
تخيل محطة عزل ومعالجة تعمل على حمل أعلى من المعتاد. تظهر ارتفاعات متقطعة في الاهتزاز في مضخة حرجة. النظام الذكي:
- يكتشف الشذوذ خلال دقائق.
- يقارنه بأنماط سابقة ويقدّر احتمال فشل خلال 10–14 يوماً.
- يقترح خفض حمل المضخة 5% وتبديل فلتر/محمل في نافذة توقف مخطط.
النتيجة: لا توقف مفاجئ، ولا خسارة إنتاج، ولا استعجال قطع غيار.
خارطة طريق واقعية: من بيانات مبعثرة إلى نتائج خلال 90 يوماً
الجواب المباشر: ابدأ بمشروع صغير قابل للقياس، ثم وسّع تدريجياً.
أغلب المشاريع تتعثر لسببين: جمع البيانات بلا هدف، أو اختيار مشروع ضخم قبل بناء الأساس. الأفضل هو نهج مرحلي.
المرحلة 1 (0–30 يوماً): تجهيز البيانات والحوكمة
- تحديد أصلين/معدتين عاليتي الأهمية (Critical Assets).
- توحيد مصادر البيانات (SCADA، سجلات الصيانة، قراءات الحساسات).
- وضع قواعد جودة البيانات: القيم المفقودة، التوقيت، معايرة الحساسات.
المرحلة 2 (31–60 يوماً): نموذج تجريبي قابل للتشغيل
- بناء نموذج
Anomaly Detectionأو نموذج فشل (Failure Prediction). - اختبار النموذج على بيانات تاريخية ثم تشغيله على بيانات حية.
- تعريف مؤشرات نجاح واضحة: عدد الإنذارات الصحيحة، تقليل توقفات، وقت الاستجابة.
المرحلة 3 (61–90 يوماً): دمج القرار التشغيلي
- تحويل الإنذار إلى “أمر عمل” في نظام الصيانة.
- تدريب الفريق: كيف يفسر النتائج وكيف يتصرف.
- وضع سياسة إنذارات: ما الذي يذهب للمناوبة، وما الذي يذهب للمهندس المسؤول.
مبدأ حاسم: “إذا لم يدخل الذكاء الاصطناعي في دورة العمل اليومية، سيبقى عرضاً تقديمياً.”
أسئلة شائعة من فرق النفط والغاز في العراق (وإجابات مباشرة)
هل نحتاج بنية تحتية رقمية كاملة قبل البدء؟
لا. يمكن البدء على نطاق ضيق بأصول محددة، بشرط توفر بيانات أساسية قابلة للثقة، ثم بناء التوسع تدريجياً.
هل سيقلّل الذكاء الاصطناعي الوظائف؟
في التشغيل، ما يحدث غالباً هو إعادة توزيع العمل: وقت أقل في قراءة جداول يدويّة، ووقت أكثر في قرارات هندسية أفضل. الفرق التي تتبنى الأدوات بسرعة تصبح أقوى.
ما أكبر مخاطرة؟
مخاطرة “البيانات غير الموثوقة” و”الإنذارات الكثيرة”. العلاج: حوكمة بيانات واضحة، وعتبات إنذار مدروسة، وإشراك فريق التشغيل منذ البداية.
ما الذي يجب فعله الآن إذا كنت مسؤولاً عن إنتاج أعلى في 2026؟
الجواب المباشر: اربط زيادة الإنتاج بثلاثة أهداف تشغيلية: الموثوقية، السلامة، وتقليل الهدر.
ارتفاع إنتاج النفط في العراق خلال تشرين الأول/أكتوبر يعكس فرصة حقيقية، لكن الفرصة تتحول إلى مكاسب مستدامة فقط عندما تصبح العمليات أذكى من “تشغيل أكثر”. الذكاء الاصطناعي—خصوصاً في الصيانة التنبؤية، تحسين الإنتاج، والسلامة—هو الطريق العملي للوصول إلى ذلك.
إذا كنت تعمل في شركة تشغيل، أو مزود خدمات، أو جهة تنظيمية، فابدأ بخطوة بسيطة: اختر أصلين حرجين، اجمع بياناتهما بشكل صحيح، واطلب نموذجاً يجيب عن سؤال واحد واضح: ما الذي سيتعطل، ومتى، وما الإجراء الأقل كلفة؟
والسؤال الذي يحدد اتجاه 2026: عندما يرتفع الإنتاج مرة أخرى، هل سترتفع معه الأعطال… أم ستكون لديك منظومة تتوقعها وتمنعها قبل أن تُكلفك براميل وأموالاً وسمعة؟