مشاريع الألياف الضوئية والمدن الذكية في العراق تُمهّد لذكاء اصطناعي فعّال في النفط والغاز. تعرّف على التطبيقات والخطوات العملية لشركتك.

التحول الرقمي في العراق: بوابة الذكاء الاصطناعي للطاقة
في 15/12/2025، ناقشت الهيئة الوطنية للاستثمار في العراق مع وفد من شركات تكنولوجيا كندية وأمريكية وإسبانية ومحلية توسيع مشاريع التحول الرقمي—من الألياف الضوئية إلى المدن الذكية وتقنيات بيانات البيئة. هذا الخبر يبدو للوهلة الأولى “تقنياً” أو بعيداً عن النفط والغاز. لكن الواقع؟ أي مشروع ذكاء اصطناعي جاد في قطاع الطاقة يبدأ من هنا: الشبكات، البيانات، والمعايير.
أنا أميل إلى رأي واضح: أكبر عائق أمام الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز بالعراق ليس الخوارزميات… بل الجاهزية الرقمية. لا يمكن بناء نماذج تنبؤية للصيانة أو أنظمة كشف تسربات لحظية من دون اتصال موثوق، وتغذية بيانات مستمرة، وحوكمة بيانات تُعامل كأصل اقتصادي.
هذه المقالة ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق”، وتركّز على سؤال عملي: كيف تمهّد مشاريع التحول الرقمي الوطنية الطريق لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحقول والمنشآت، وما الذي يجب أن تفعله شركات الطاقة الآن كي تسبق السوق؟
لماذا التحول الرقمي هو شرط الذكاء الاصطناعي في الطاقة؟
الذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ؛ يعمل فوق بنية تحتية رقمية قوية. عندما نتحدث عن ألياف ضوئية وطنية ومدن ذكية ومعايير تقنية، فنحن نتحدث عن ثلاث ركائز تمكّن شركات النفط والغاز من الانتقال من “التشغيل بالخبرة” إلى “التشغيل بالبيانات”.
الفرق بين مشروع رقمي “جميل على الورق” ومشروع يغيّر التشغيل فعلاً هو وجود سلسلة متكاملة:
- التقاط البيانات: حساسات، عدّادات، أنظمة SCADA، طائرات مسيّرة، كاميرات حرارية.
- نقل البيانات: شبكات ألياف ضوئية/ميكروويف/4G-5G في المواقع.
- تخزين ومعالجة: مراكز بيانات، سحابة هجينة، بحيرات بيانات.
- حوكمة وأمن: صلاحيات، تشفير، سجلات تدقيق، تصنيف بيانات.
- تطبيقات الذكاء الاصطناعي: تنبؤ، كشف شذوذ، تحسين، أتمتة قرارات.
إذا تعطّل عنصر واحد (غالباً النقل أو الحوكمة)، ينتهي بك الأمر بلوحات متابعة جميلة بلا أثر تشغيلي.
“من المدن الذكية إلى الحقول الذكية” ليست عبارة تسويقية
عندما تعمل الحكومة على معايير المدن الذكية وتفتح باب الشراكات مع القطاع الخاص، فهي عملياً توسّع السوق لحلول إنترنت الأشياء والتحليلات المتقدمة. كثير من التقنيات نفسها تُستخدم في قطاع الطاقة:
- إدارة الطاقة والأحمال في المدن تشبه تحسين استهلاك الطاقة في محطات المعالجة.
- مراقبة المرور والبيئة تشبه مراقبة خطوط الأنابيب والانبعاثات.
- منصات البيانات الحضرية تشبه منصات بيانات الحقول (Smart Field Platforms).
هذا “التقارب التقني” يقلل كلفة التبنّي، ويرفع عدد الموردين المحليين، ويخلق خبرات عراقية قابلة للانتقال بين القطاعات.
مشروع الألياف الضوئية: العمود الفقري لذكاء اصطناعي يعمل 24/7
الألياف الضوئية ليست مجرد إنترنت أسرع؛ هي أساس التشغيل اللحظي. في النفط والغاز، فرق كبير بين “رفع البيانات مرة يومياً” و“تدفق لحظي”:
- التدفق اللحظي يمكّن كشف الأعطال قبل حدوثها عبر نماذج تعلم آلي.
- يسهّل التوأم الرقمي (Digital Twin) للمضخات والضواغط ومحطات المعالجة.
- يرفع جودة المراقبة عن بعد ويقلل الزيارات الميدانية غير الضرورية.
تطبيقات مباشرة في الحقول العراقية (أمثلة تشغيلية)
الإجابة المختصرة: الألياف الضوئية تُحوّل الذكاء الاصطناعي من تجربة إلى نظام تشغيل. أمثلة عملية يمكن تنفيذها تدريجياً:
- الصيانة التنبؤية للضواغط والمضخات: تحليل اهتزاز/حرارة/تيار كهربائي للتنبؤ بالفشل قبل توقف الإنتاج.
- كشف الشذوذ في خطوط الأنابيب: دمج الضغط/التدفق مع نماذج كشف التسربات (Anomaly Detection).
- تحسين حقن الماء/الغاز: نماذج تحسين (Optimization) لرفع الاسترداد وتقليل الهدر.
وأقولها بصراحة: من دون شبكة موثوقة، ستُجبر الفرق على تقليل معدل جمع البيانات أو تبسيط النماذج… فتخسر القيمة الأساسية.
“المعايير التقنية” ليست تفصيلاً إدارياً
ذكر الخبر أن الهيئة الوطنية للاستثمار عملت على معايير تقنية بالتعاون مع الوزارات. هذا مهم جداً لقطاع الطاقة لأن الذكاء الاصطناعي يتأثر بسرعة بتشتت الأنظمة.
ما الذي يجب أن تتضمنه المعايير (من منظور شركات النفط والغاز)؟
- تنسيقات بيانات موحدة لأجهزة القياس (Tags/Time Series)
- سياسات جودة بيانات (Data Quality) وحدود القيم الشاذة
- متطلبات أمن سيبراني للأنظمة الصناعية (OT Security)
- فصل واضح بين شبكات التشغيل OT وشبكات الأعمال IT مع بوابات آمنة
المعيار الجيد يقلل “تكلفة الدمج” عند إضافة مورد جديد أو حقل جديد، وهو المكان الذي تتآكل فيه ميزانيات التحول الرقمي عادة.
المدن الذكية… وما علاقتها بالطاقة والغاز تحديداً؟
المدن الذكية توسّع شهية الدولة للاستثمار في البيانات، وهذا ينعكس على الطاقة بشكل مباشر. ليس لأن الحقول داخل المدن، بل لأن سلسلة الإمداد والموارد البشرية والخدمات اللوجستية كلها مرتبطة بالمدن.
ثلاثة مسارات تأثير سريعة على شركات الطاقة
- المواهب والمهارات: عندما تتوسع مشاريع المدن الذكية، يزداد الطلب على محللي بيانات ومهندسي شبكات وأمن سيبراني—وهؤلاء أنفسهم تحتاجهم شركات النفط.
- الموردون المحليون: الشركات المحلية التي تعمل في إنترنت الأشياء والتحليلات للمدن يمكنها لاحقاً تقديم خدمات للحقول، ما يقلل الاعتماد على عقود خارجية مكلفة.
- التكامل مع الكهرباء والمياه: مدن ذكية تعني شبكات كهرباء أكثر قياساً (Smart Metering) وإدارة أحمال أفضل. هذا ينعكس على موثوقية الطاقة للمنشآت، خصوصاً في المواقع القريبة من التجمعات.
جملة تصلح كاقتباس: لا يمكن تشغيل “حقل ذكي” داخل اقتصاد غير جاهز رقمياً.
تقنيات بيانات البيئة: لماذا ستصبح أولوية نفطية في 2026؟
الخبر أشار إلى توظيف تقنيات متقدمة لبيانات البيئة لمواجهة تحديات المناخ، بالتعاون مع وزارة البيئة وشركات متخصصة. هذه النقطة ليست “عمل علاقات عامة”. هي ملف تشغيلي ومالي في آنٍ واحد.
الذكاء الاصطناعي في بيانات البيئة يقدّم فائدة مزدوجة لقطاع النفط والغاز:
- تقليل المخاطر: اكتشاف مبكر للتسربات، التلوث، ارتفاعات غير طبيعية في الانبعاثات.
- تحسين الامتثال والكلف: تقارير أدق، تقليل الغرامات، ورفع موثوقية البيانات أمام الشركاء.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي عملياً؟
- الرصد بالصور والأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة: نماذج رؤية حاسوبية لرصد البقع النفطية أو تغيّر الغطاء الأرضي.
- نمذجة الانبعاثات: تقدير انبعاثات الميثان عبر دمج بيانات التشغيل مع قياسات ميدانية.
- إنذار مبكر للغبار والعواصف: مهم لسلامة المواقع، وتخطيط الصيانة، وحماية المعدات.
وجهة نظري: الشركة التي تبدأ الآن ببناء “خط إنتاج بيانات” للبيئة (Data Pipeline) ستتفوق خلال 12-18 شهراً، لأن المنافسين سيبدؤون من الصفر عند أول تدقيق جاد أو شرط تعاقدي جديد.
ماذا تعني شراكات القطاعين العام والخاص لشركات النفط والغاز؟
الشراكة العامة-الخاصة تعني شيئاً محدداً: الحكومة تريد حلولاً قابلة للتوسع، والقطاع الخاص يريد عائداً واضحاً. هذا يخلق فرصة ذهبية لشركات الطاقة كي لا تعمل بمعزل عن البرامج الوطنية.
نموذج عملي للتعاون (قابل للتنفيذ)
بدلاً من شراء نظام ضخم مرة واحدة، كثير من المؤسسات تنجح عبر نهج “منتج قابل للتوسع”:
- اختيار موقع/وحدة تشغيل واحدة كمشروع تجريبي (Pilot) لمدة 90 يوماً.
- تحديد 3 مؤشرات أداء واضحة (KPIs) مثل:
- تقليل توقفات غير مخططة بنسبة 10% خلال 6 أشهر
- تقليل استهلاك الطاقة في وحدة معينة بنسبة 5%
- خفض وقت الاستجابة للحوادث بنسبة 20%
- توسيع الحل تدريجياً إلى مواقع أخرى، مع توحيد البيانات والمعايير.
النتيجة: استثمار أقل مخاطرة، وقيمة أسرع، وقدرة أفضل على التفاوض مع الموردين.
أسئلة شائعة يسمعها مديرو الطاقة في العراق (وإجابات مباشرة)
هل نحتاج ذكاء اصطناعي إذا لم تكن بياناتنا “مثالية”؟
نعم، لكن بشرط. ابدأ بمشاريع كشف الشذوذ والصيانة التنبؤية لأنها تتحمل ضجيج البيانات أكثر من نماذج التنبؤ المعقدة، ثم حسّن جودة البيانات بالتدريج.
ما أول استثمار يسبق شراء أي منصة ذكاء اصطناعي؟
حوكمة البيانات والأمن السيبراني للأنظمة الصناعية. من دون ذلك ستتعطل المشاريع بسبب مخاوف الامتثال والمخاطر التشغيلية.
هل الأفضل بناء فريق داخلي أم الاعتماد على مزود خارجي؟
الأفضل نموذج هجين: مزود خارجي للتنفيذ السريع، وفريق داخلي صغير يحمي المعرفة. إذا خرج المزود وبقيت الأنظمة بلا فهم داخلي، ستعود لنقطة الصفر.
الخطوة التالية لشركات النفط والغاز: خطة 60 يوماً واقعية
إذا كنت في شركة طاقة بالعراق وتريد نتائج خلال الربع القادم، هذه خطة قصيرة ومباشرة:
- جرد بيانات التشغيل: ما الموجود؟ أين يُخزّن؟ من يملك الصلاحيات؟
- خريطة اتصال: ما المواقع التي تعاني من ضعف الربط؟ ما الحل الأسرع (ألياف/ميكروويف/خلوي)؟
- اختيار حالة استخدام واحدة ذات أثر مالي واضح (مثلاً: مضخات حقن أو ضواغط).
- تأسيس “لوحة جودة بيانات”: مؤشرات يومية للفجوات والانقطاعات.
- تحديد شريك تنفيذ بشروط نقل معرفة واضحة (Workshops + وثائق + تدريب).
هذه الخطوات قد تبدو بسيطة، لكنها تزيل 70% من أسباب فشل مشاريع الذكاء الاصطناعي في الصناعة.
أين يتجه العراق في 2026؟ ولماذا هذا مهم الآن؟
التوسع في مشاريع التحول الرقمي—الألياف الضوئية، المدن الذكية، وبيانات البيئة—يعطي إشارة واضحة: العراق يبني قاعدة رقمية وطنية. هذه القاعدة هي ما سيجعل الذكاء الاصطناعي في قطاع النفط والغاز أقل تكلفة، أسرع في التنفيذ، وأكثر قابلية للقياس.
إذا كانت هذه المقالة جزءاً من سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق”، فهذه الحلقة تحديداً تقول: ابدأ من الأساس. الذكاء الاصطناعي ليس تطبيقاً تُنزّله، بل منظومة تُبنى.
الآن السؤال الذي يستحق التفكير: عندما تكتمل هذه البنية الرقمية الوطنية، هل ستكون شركتك جاهزة لتشغيل “حقل ذكي” فعلياً… أم ستبدأ عندها فقط بشراء الأدوات؟