تحويل العراق نحو تكرير النفط ممكن إذا صار مشروع تشغيل رقمي. تعرّف كيف يرفع الذكاء الاصطناعي كفاءة المصافي ويقلل التوقفات ويزيد الربحية.

الذكاء الاصطناعي وتكرير النفط في العراق: حلم قابل للتنفيذ
في 21/12/2025، عاد سؤال قديم ليأخذ مساحة أكبر في نقاشات الطاقة: هل تحويل العراق من مُصدِّر للخام إلى منتِج قوي للمنتجات المكررة مجرد «حلم أنابيب»؟ بصراحة، كثيرون يتعاملون مع مشروع التوسع في التكرير كأنه قرار سياسي أكثر منه مشروع تشغيل صناعي معقّد. وهذه هي المشكلة: التكرير لا ينجح بالنوايا ولا بالميزانيات وحدها، بل بالانضباط التشغيلي، وجودة البيانات، وقدرة المصافي على العمل بكفاءة عالية رغم التقلبات.
هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي. ضمن سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق»، أرى أن السؤال الحقيقي ليس: هل نستطيع بناء مصافٍ أكثر؟ بل: هل نستطيع تشغيلها كمنظومات ذكية تُقلّل الهدر، وتستقر على جودة ثابتة، وتزيد العائد لكل برميل؟ إذا كان الجواب نعم، فالموضوع يتغير من طموح إلى خطة قابلة للقياس.
لماذا يتجه العراق للتكرير… ولماذا يتعثر التنفيذ؟
الجواب المباشر: لأن الاعتماد على تصدير النفط الخام يجعل الاقتصاد العراقي حساسًا للصدمات الجيوسياسية وتقلبات الأسعار وسلاسل الإمداد. التكرير محليًا يخلق قيمة مضافة، يقلّل الاستيراد، ويُحسّن أمن الطاقة خصوصًا في مواسم الذروة (شتاءً للتدفئة، وصيفًا للكهرباء والنقل).
لكن التعثر عادةً لا يكون في «الفكرة»، بل في التفاصيل التشغيلية التي تبتلع الأرباح:
- تذبذب جودة الخام المُغذّي للمصافي وتغير خصائصه يرفع صعوبة ضبط الوحدات.
- قدَم بعض الأصول (معدات القياس والتحكم، المضخات، المبادلات) يجعل الصيانة استجابة للأعطال بدل أن تكون استباقية.
- فاقد الطاقة داخل المصفاة (بخار، وقود أفران، حرق غازات) يرفع الكلفة لكل طن منتج.
- انقطاعات الكهرباء واللوجستيات تؤثر على استمرارية التشغيل.
- الفجوة بين التخطيط والإنتاج الفعلي بسبب نقص الرؤية الفورية للبيانات.
النتيجة؟ يمكن أن تمتلك طاقة تكريرية اسمية جيدة، لكن المردود الاقتصادي يبقى دون المتوقع.
«المصفاة مشروع تشغيل بيانات قبل أن تكون خرسانة وحديد»
هذه العبارة تلخّص جوهر التحول. التكرير الحديث يعتمد على عشرات آلاف الإشارات من الحساسات وبيانات المختبر وجودة المنتج، ثم تحويلها إلى قرارات دقيقة: مزج، حرارة، ضغط، محفزات، مسارات تدفق… إذا ظلت هذه البيانات متفرقة وغير موثوقة، ستبقى القرارات ردّ فعل.
أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ ثلاث طبقات تغيّر النتيجة
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي لا يبني المصفاة بدلًا عنك، لكنه يرفع كفاءتها ويقلّل أخطاء التشغيل ويزيد الإنتاج القابل للبيع. أفضل تطبيقاته في التكرير بالعراق تتوزع على ثلاث طبقات واضحة.
1) تحسين العمليات داخل المصفاة (Process Optimization)
الهدف هنا بسيط: زيادة العائد من المنتجات عالية القيمة وتقليل الفاقد واستهلاك الطاقة.
نماذج تنبؤية لضبط الجودة في الزمن الحقيقي
بدل انتظار نتائج المختبر كل فترة، يمكن استخدام نماذج تعلّم آلي تربط قراءات الحساسات بجودة المنتج النهائي (مثل رقم الأوكتان، الكبريت، نقطة الوميض). هذا يسمح بتعديلات لحظية تقلّل:
- إنتاج دفعات خارج المواصفة (Off-spec)
- إعادة المعالجة
- خسائر المبيعات والسمعة
تحسين استهلاك الطاقة داخل وحدات التكرير
أكبر بند تشغيلي بعد الخام هو الطاقة. عبر خوارزميات تحسين متعددة المتغيرات يمكن تقليل استهلاك الوقود في الأفران وتحسين شبكات المبادلات الحرارية. كثير من المصافي عالميًا تستهدف خفض 3%–7% من استهلاك الطاقة عبر تحسين التشغيل دون تغييرات رأسمالية ضخمة—وهي نسبة «تبدو صغيرة» لكنها ضخمة ماليًا على مدار العام.
إدارة المزج (Blending) كمسألة ربحية لا تخمين
المزج قرار مالي بقدر ما هو قرار فني. الذكاء الاصطناعي يساعد على اختيار أفضل وصفة مزج تحقق المواصفات بأقل تكلفة، مع مراعاة توفر المخزون والتوريد—وهذا مهم في بيئة قد تتغير فيها الإمدادات.
جملة قابلة للاقتباس: كل 1% تحسن في كفاءة الطاقة بالمصفاة هو هامش ربح إضافي يتكرر يوميًا، وليس مشروعًا يُنفّذ مرة واحدة.
2) الصيانة التنبؤية وتقليل التوقفات (Predictive Maintenance)
الجواب المباشر: التوقف غير المخطط هو أكبر مُخرّب لأحلام التكرير. الذكاء الاصطناعي يقلل ذلك عبر توقع الأعطال قبل حدوثها.
ماذا نراقب تحديدًا؟
أكثر المعدات تأثيرًا على استمرارية المصفاة:
- المضخات والضواغط (اهتزاز/حرارة/ضغط)
- المبادلات الحرارية (تراكم/انسداد)
- الأفران (كفاءة احتراق/ترسب)
- الصمامات الحرجة وأجهزة القياس
كيف يعمل النموذج؟
- يجمع بيانات تاريخية من أنظمة التحكم DCS/SCADA
- يحدد «أنماط السلوك الطبيعي»
- يرصد الانحرافات الصغيرة قبل أن تتحول لخراب كبير
- يوصي بإجراء صيانة في نافذة مناسبة بدل توقف مفاجئ
النتيجة العملية ليست فقط تقليل الأعطال، بل رفع التوفر التشغيلي وخلق ثقافة صيانة قائمة على الأدلة.
3) التخطيط والإمداد والبيع: الذكاء الاصطناعي خارج بوابة المصفاة
الجواب المباشر: حتى لو كانت المصفاة تعمل بكفاءة، ستخسر إن كان التخطيط والإمداد ضعيفًا.
تخطيط الإنتاج وفق الطلب الحقيقي
في العراق، الطلب على البنزين والغاز السائل وزيت الوقود يتأثر بمواسم السفر، وذروة الكهرباء، والقيود اللوجستية. نماذج التنبؤ بالطلب تساعد على:
- تحديد سلة المنتجات المثلى لكل شهر
- تقليل اختناقات الخزن
- تخفيف الاستيراد الطارئ (الأغلى عادة)
تحسين سلسلة الإمداد والنقل
عند ربط بيانات المخزون مع النقل والتوزيع، يمكن لخوارزميات التحسين أن تقلل زمن الدوران وتحسن توزيع المنتجات بين المحافظات، خصوصًا في حالات الضغط (ازدحام منافذ، صيانة خطوط، أو اختناقات شحن).
هل «التحول للتكرير» حلم؟ يعتمد على سؤال واحد
الجواب المباشر: هو حلم إذا بقي مشروعًا إنشائيًا فقط. وهو قابل للتنفيذ إذا عومل كمشروع تشغيل رقمي.
العراق لا يحتاج فقط إلى وحدات تقطير ووحدات تكسير وتحسين. يحتاج إلى:
- بيانات موحدة وموثوقة
- معايير تشغيل واضحة
- فرق قادرة على اتخاذ قرار سريع بناءً على إشارات مبكرة
والذكاء الاصطناعي هنا ليس رفاهية. هو طريقة عملية لتقليل الهدر الذي يبتلع ميزانيات التشغيل.
خارطة طريق واقعية لتطبيق الذكاء الاصطناعي في المصافي العراقية خلال 6–12 شهرًا
الجواب المباشر: ابدأ بمشاريع صغيرة قابلة للقياس داخل موقع واحد، ثم وسّع تدريجيًا.
1) تجهيز البيانات (أسبوعان–8 أسابيع)
- جرد مصادر البيانات: DCS/SCADA، LIMS (المختبر)، CMMS (الصيانة)
- توحيد التسميات (Tag Naming)
- تنظيف البيانات وتحديد الثغرات
2) اختيار حالتي استخدام ذات عائد سريع (8–12 أسبوعًا)
أنصح عادةً بواحد من التالي:
- نموذج تنبؤ جودة منتج حساس (مثل مواصفة البنزين)
- صيانة تنبؤية لمضخة/ضاغط حرج
- تحسين استهلاك وقود الأفران
3) دمج النتائج في قرار التشغيل (4–8 أسابيع)
المهم هنا ألا يبقى النموذج «لوحة جميلة».
- إنذار مبكر واضح
- إجراء تشغيلي موحد عند الإنذار
- متابعة أثر التوصية على الإنتاج والطاقة
4) قياس العائد وإعادة الاستثمار
مؤشرات قياس سهلة ومقنعة للإدارة:
- نسبة التوقفات غير المخططة
- استهلاك الطاقة لكل برميل
- معدل المنتج خارج المواصفة
- معدل الاستفادة من الطاقة التكريرية الفعلية (Utilization)
جملة قابلة للاقتباس: إذا لم تُترجم نماذج الذكاء الاصطناعي إلى «إجراء تشغيل» في غرفة التحكم، فهي مجرد تقرير إضافي.
أسئلة شائعة من فرق النفط والغاز في العراق
هل نحتاج إلى استبدال أنظمة التحكم الحالية؟
لا. غالبًا يمكن البدء بربط البيانات من الأنظمة الموجودة، ثم إضافة طبقة تحليل (Analytics) ونماذج تعلم آلي فوقها.
هل الذكاء الاصطناعي مناسب في بيئة بنية تحتية متذبذبة؟
نعم بشرط تصميم الحل على أساس واقعي: تخزين محلي، تزامن عند توفر الاتصال، وخطط استمرارية تشغيل بدون اعتماد كامل على السحابة.
من يقود المشروع: IT أم التشغيل؟
التشغيل يجب أن يقود، وIT يمكّن. أفضل النتائج تظهر عندما يكون مهندس العمليات وموثوقية المعدات جزءًا من الفريق منذ اليوم الأول.
ما الذي يعنيه هذا لقرار العراق في 2026؟
مع دخولنا نهاية 2025 وبداية 2026، التكرير ليس مجرد ملف اقتصادي؛ هو ملف أمن طاقة واستقلالية قرار وتقليل تعرض للصدمات. لكنني أميل لموقف واضح: أي توسع في الطاقة التكريرية من دون برنامج ذكاء اصطناعي وتشغيل رقمي سيكرر مشاكل قديمة بحجم أكبر.
الخطوة التالية المنطقية لأي جهة تشغيل أو مستثمر أو شريك تقني هي بدء مشروع تجريبي في موقع واحد، بمؤشرات قياس صريحة، ثم توسيعه تدريجيًا. هذا هو الطريق الذي يحوّل «التحول للمنتجات المكررة» من سؤال صحفي إلى نتائج على الأرض.
إذا كانت طموحات العراق في التكرير كبيرة، فالسؤال الذي يستحق المتابعة الآن: هل سنبني مصافي تعمل بالحدس، أم مصافي تعمل بالبيانات؟