الذكاء الاصطناعي في نفط العراق: لماذا الشفافية شرط للنجاح

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراقBy 3L3C

الذكاء الاصطناعي في نفط العراق يحتاج شفافية وحوكمة مستقرة. تعرّف على حالات استخدام عملية وخطة 90 يوماً لتطبيق AI بأمان ونتائج قابلة للقياس.

الذكاء الاصطناعيالنفط والغازحوكمة البياناتالشفافيةالعراقالسلامة الصناعية
Share:

Featured image for الذكاء الاصطناعي في نفط العراق: لماذا الشفافية شرط للنجاح

الذكاء الاصطناعي في نفط العراق: لماذا الشفافية شرط للنجاح

في 20/12/2025 ظهرت في العراق قصة “مذكرة” قضائية أثارت جدلاً واسعاً حول حدود التعبير ودور المؤسسات في ضبط المجال العام. التفاصيل السياسية قد تختلف عليها الآراء، لكن أثرها الاقتصادي واضح: بيئة التنظيم والإعلام التي تميل إلى التضييق تُنتج ضبابية، والضبابية هي العدو الأول للاستثمار طويل الأجل—خصوصاً عندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة والنفط والغاز.

أنا أميل لرأي مباشر: الذكاء الاصطناعي لا ينجح في بيئة تخاف من الأسئلة. لأن الذكاء الاصطناعي يحتاج بيانات، ومراجعة، ونقاشاً، ومسارات اعتراض، وحوكمة واضحة. وعندما يصبح النقاش العام “ملغّماً” أو غير متوقع، تتراجع ثقة الشركاء، وتتأخر مشاريع التحول الرقمي، وتزداد كلفة الامتثال.

هذه التدوينة جزء من سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق”، وتستخدم هذه الحادثة كمرآة: ليس لتسييس الطاقة، بل لتوضيح نقطة عملية جداً—الشفافية والاستقرار التنظيمي هما الوقود الحقيقي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ما علاقة جدل المذكرة القضائية بمشاريع الذكاء الاصطناعي في الطاقة؟

الجواب المباشر: لأن أي إشارة لتوسع الرقابة أو تضارب الصلاحيات تُترجم فوراً إلى “مخاطر حوكمة” في ملفات الاستثمار والبيانات.

في قطاع النفط والغاز، تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تُشترى كبرنامج وتُركّب وخلاص. هي منظومة تغيّر طريقة اتخاذ القرار. وهذا يعني أنها تحتاج:

  • تبادل بيانات بين الشركات المشغّلة والجهات الحكومية والمقاولين.
  • تقارير أداء يمكن تدقيقها ومراجعتها داخلياً وخارجياً.
  • ثقافة إبلاغ عن الأخطاء والحوادث (سلامة، تسربات، أعطال) دون خوف من “عقاب” غير مهني.

عندما يصبح المجال العام حساساً تجاه التعبير، غالباً ما ينتقل هذا الحس إلى المؤسسات: الناس تقلل الكلام، تقلل التوثيق، وتؤجل مشاركة البيانات. والنتيجة؟ نماذج ذكاء اصطناعي ضعيفة، وقرارات تشغيلية أقل دقة، وفرص أقل لخفض الهدر.

مثال واقعي قريب من طبيعة القطاع

في عمليات الإنتاج، أي نظام تنبؤ بالأعطال (Predictive Maintenance) يحتاج سجلات دقيقة للأعطال السابقة، وأسبابها، وتوقيتات الإصلاح، وقطع الغيار، وأحياناً حتى “أخطاء بشرية”. إذا كانت فرق التشغيل تتردد في توثيق الأخطاء خوفاً من تفسيرها إدارياً أو قانونياً، فالنظام سيتعلم من بيانات ناقصة. والبيانات الناقصة تعني إنذارات كاذبة أكثر أو أعطال مفاجئة أكثر.

لماذا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى “حوكمة منفتحة” وليس مجرد أجهزة وخوادم؟

الجواب المباشر: لأن حوكمة الذكاء الاصطناعي تُبنى على المساءلة والقدرة على التفسير—وهذا لا يتعايش مع الغموض.

الذكاء الاصطناعي في الطاقة العراقية واعد جداً، لكن نجاحه يعتمد على ثلاث طبقات حوكمة:

  1. حوكمة البيانات: من يملك البيانات؟ من يشاركها؟ ما هو معيار جودتها؟
  2. حوكمة النماذج: كيف تم تدريب النموذج؟ ما نسبة الخطأ؟ ما حدود استخدامه؟
  3. حوكمة القرار: هل القرار النهائي آلي أم بشري؟ من يوقع عليه؟ ومن يُسأل عند الخطأ؟

هنا تصبح الشفافية ليست شعاراً، بل إجراء تشغيلي. مثلاً، عندما تتبنى شركة نفط نظاماً لتحسين معدلات الرفع الاصطناعي أو حقن الماء، يجب أن يكون واضحاً:

  • متى يُسمح للنظام بتعديل الإعدادات؟
  • ما الحد الأعلى للتغير في اليوم الواحد؟
  • ما إشارات “الإيقاف الآمن” عند وجود شذوذ؟

هذه قواعد لا تُكتب في فراغ. تُكتب عبر نقاشات، ومراجعات، واعتراضات، وتدقيق. وكلما كان المناخ العام أكثر انفتاحاً ومؤسسياً، كانت هذه القواعد أسرع وأوضح.

أين يربح العراق سريعاً من الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز؟

الجواب المباشر: في السلامة وتقليل التوقفات وتحسين كفاءة الطاقة—وهي مكاسب يمكن قياسها خلال 6–18 شهراً إذا كانت البيانات جاهزة.

بدلاً من وعود عامة، هذه أهم 4 حالات استخدام “قابلة للتنفيذ” في السياق العراقي، وتناسب كثيراً شركات التشغيل والحقول الكبيرة والمصافي:

1) التنبؤ بالأعطال في المضخات والضواغط والتوربينات

  • المدخلات: اهتزاز، حرارة، ضغط، ساعات تشغيل، سجلات صيانة.
  • المخرج: إنذار مبكر قبل الفشل.
  • الفائدة: تقليل توقفات غير مخططة، وتحسين تخطيط قطع الغيار.

ما الذي يقتل هذا المشروع؟ ليس التقنية. بل ضعف توحيد البيانات بين الورقي والرقمي، وخوف الفرق من توثيق “سبب العطل” بصراحة.

2) تحسين استهلاك الطاقة في المصافي ومحطات المعالجة

  • المدخلات: استهلاك وقود الأفران، معدلات التقطير، جودة الخام، ظروف التشغيل.
  • المخرج: توصيات تشغيل تقلل الوقود وتثبت الجودة.
  • الفائدة: خفض كلفة التشغيل، وتقليل الانبعاثات.

وهنا يبرز عامل الحوكمة: توصيات الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون قابلة للتفسير، وإلا سترفضها فرق التشغيل بحكم الخبرة أو الخوف من المسؤولية.

3) كشف التسربات والشذوذ في خطوط الأنابيب

  • المدخلات: ضغط/تدفق، بيانات SCADA، صور أقمار صناعية/درون عند توفرها.
  • المخرج: تحديد مقاطع مشتبه بها بسرعة.
  • الفائدة: تقليل خسائر، وحماية بيئية، واستجابة أسرع.

أي تشدد في بيئة الإبلاغ والإعلام يضر هنا تحديداً، لأن التسربات تحتاج “بلاغات” وتعاوناً وتوثيقاً.

4) إدارة المخاطر والأمن الصناعي بالتحليلات

  • المدخلات: سجلات حوادث، ملاحظات السلامة، نتائج تفتيش.
  • المخرج: خرائط مخاطر، أولويات تفتيش.
  • الفائدة: تقليل حوادث، وخفض كلفة التأمين والالتزامات.

هذه الحالة لا تعمل بدون ثقافة مؤسسية تقول للموظف: “الإبلاغ يحميك ويحمي الموقع”.

معادلة “اللوائح مقابل التقدم”: كيف نوازن دون فوضى؟

الجواب المباشر: القواعد الجيدة لا تقمع النقاش؛ القواعد الجيدة تنظمه وتجعله قابلاً للتدقيق.

أي دولة تحتاج لوائح. وقطاع الطاقة بالذات حساس أمنياً واقتصادياً. لكن الفرق كبير بين:

  • تنظيم يحدد ما هو “مسموح وممنوع” بنصوص واضحة قابلة للطعن والمراجعة.
  • وبين تنظيم يخلق خوفاً عاماً من الكلام، فيتحول إلى رقابة ذاتية داخل الشركات والمؤسسات.

إذا كان الهدف جذب استثمارات تقنية وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز بالعراق، فأنا أرى أن الأولويات التنظيمية يجب أن تكون عملية ومحددة، مثل:

  1. سياسة وطنية لمشاركة بيانات الطاقة (Data Sharing) بين الجهات، بمستويات سرية واضحة.
  2. معيار موحد لجودة البيانات الصناعية (تسمية الحساسات، الوحدات، تزامن الوقت).
  3. إطار حوكمة للذكاء الاصطناعي في السلامة والتشغيل: من يعتمد النماذج؟ وكيف تُختبر؟
  4. قناة إبلاغ محمية للحوادث والمخالفات التشغيلية، لضمان التعلم المؤسسي.

جملة تصلح كقاعدة عمل: إذا كانت المؤسسة لا تستطيع قول “أخطأنا هنا” بأمان، فلن تستطيع بناء نموذج يتعلم.

خطة عملية لشركات النفط والغاز في العراق: 90 يوماً لتأسيس AI قابل للنمو

الجواب المباشر: ابدأ ببياناتك وحوكمتك قبل أن تشتري حلولاً كبيرة.

إذا كنت مديراً أو مسؤولاً رقمياً في شركة تشغيل/خدمات نفطية، هذه خطوات عملية رأيت أنها تقلل المخاطر وتسرع النتائج:

الأسبوع 1–2: تحديد “حالة استخدام” واحدة قابلة للقياس

اختر مشروعاً له مؤشر واضح:

  • تقليل توقفات بمعدل X ساعة/شهر
  • خفض استهلاك الوقود بنسبة X%
  • تقليل زمن اكتشاف تسرب من X إلى Y

الأسبوع 3–6: جرد البيانات وتنظيفها

  • أين البيانات؟ SCADA؟ ملفات Excel؟ سجلات ورقية؟
  • من مالكها؟ ومن لديه صلاحية؟
  • ما نسبة النقص؟ وما أسبابها؟

الأسبوع 7–10: نموذج أولي + قواعد تشغيل

  • بناء نموذج تجريبي (Pilot) على نطاق محدود.
  • وضع “حدود أمان” واضحة لتوصيات النموذج.
  • توثيق قرار بشري نهائي في البداية (Human-in-the-loop).

الأسبوع 11–13: قياس العائد وتوسيع النطاق

  • هل قلّ التوقف فعلاً؟
  • هل زادت الإنذارات الكاذبة؟ لماذا؟
  • ما الدروس التي تحتاج تعديل في البيانات أو الحساسات أو التدريب؟

هذه الخطة لا تتطلب ميزانية خيالية. لكنها تتطلب شيئاً أصعب: وضوح مؤسسي وشفافية داخلية.

أسئلة شائعة يطرحها المدراء في العراق حول الذكاء الاصطناعي بالطاقة

هل الذكاء الاصطناعي يعني الاستغناء عن الكوادر؟

لا. في النفط والغاز غالباً يعني تحويل دور الخبير من “متابعة مستمرة لكل شيء” إلى “تدقيق قرارات وتحسين قواعد”. الكادر يصبح أكثر قيمة عندما يفهم النموذج ويعرف متى يرفض توصيته.

ما أكبر عائق: التقنية أم البيانات؟

في أغلب المشاريع التي رأيتها، العائق هو البيانات والحوكمة: التسمية غير موحدة، أوقات غير متزامنة، سجلات صيانة غير رقمية، وصلاحيات مشاركة غير واضحة.

هل نحتاج سحابة (Cloud)؟

ليس شرطاً. كثير من حالات الاستخدام تبدأ على بنية محلية. المهم هو الهندسة الصحيحة للبيانات وخطة أمن معلومات مناسبة.

أين يقف العراق الآن… وإلى أين يمكن أن يصل؟

الجواب المباشر: العراق يستطيع أن يحقق مكاسب سريعة من الذكاء الاصطناعي في الطاقة، لكن ذلك يتطلب بيئة تنظيمية مستقرة ومنفتحة على التدقيق.

قصة المذكرة التي أثارت جدلاً في الإعلام تذكير بأن الاقتصاد لا يعيش في غرفة معزولة عن السياسة والقانون. المستثمر وشركة الخدمات والمهندس داخل الحقل جميعهم يحتاجون قاعدة بسيطة: ما هو المسموح؟ ما هي المسؤوليات؟ وكيف نعترض إذا أخطأت جهة ما؟

إذا أردنا أن تتحول سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق” إلى واقع داخل الحقول والمصافي وليس مجرد حديث مؤتمرات، فالخطوة الأذكى هي بناء حوكمة شفافة: بيانات قابلة للتدقيق، قرارات قابلة للتفسير، ولوائح تُطمئن الجميع بدل أن تربكهم.

هل نحن مستعدون أن نجعل “البيانات” لغة مشتركة بين الحكومة والشركات والمجتمع—بدلاً من أن تصبح نقطة توتر جديدة؟