الذكاء الاصطناعي في النفط العراقي يحوّل التحديات إلى فرص عبر الصيانة التنبؤية وتحسين الإنتاج وبناء الثقة الاستثمارية. ابدأ بخارطة 90 يومًا.

الذكاء الاصطناعي والنفط العراقي: حلول عملية للتحديات
مع نهاية 2025، صار واضحًا أن تحديات قطاع النفط في العراق ليست “تفاصيل تشغيلية” يمكن تجاوزها بالترقيع. هي تحديات بنيوية تمسّ السياسة النفطية، والحوكمة، وتدفق الاستثمار، وكفاءة التشغيل، وحتى قدرة العراق على بناء شراكات دولية مستقرة. وفي ندوة ناقشت هذه القضايا بتاريخ 19/12/2025 (عبر منصة “المشترك”) قُدِّمت قراءة مركّزة لأهم العوائق وأثرها على التطوير خلال مرحلة الحكومة الحالية.
الجزء الذي يهمّني هنا ليس فقط تشخيص المشكلات. التشخيص معروف منذ سنوات. السؤال العملي: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي في قطاع النفط والغاز في العراق أن يتحول من “كلام مؤتمرات” إلى أدوات تشغيل وقرار تقلّل الهدر، ترفع الإنتاجية، وتحسّن الثقة مع الشركاء؟ الواقع؟ هناك حلول أقرب مما نظن، لكنها تحتاج انضباطًا في البيانات وحوكمة واضحة.
فهم التحديات: لماذا تتكرر المشكلة نفسها؟
الإجابة المباشرة: لأن التحديات ليست من نوع واحد، بل ثلاث طبقات تتغذى على بعضها: ضغوط خارجية، قيود توافقية، وممارسات داخلية نابعة من السياسات المحلية. هذا التقسيم مهم لأنه يمنعنا من علاج خطأ واحد وترك مصدر النزيف الحقيقي.
في النقاشات المتخصصة حول القطاع (ومنها ما طُرح في ندوة 19/12/2025)، غالبًا ما يتم تجميع المشكلات تحت عنوان عام مثل “ضعف البنى التحتية” أو “تعقيدات التعاقدات”. لكن عندما نُفصّلها تظهر ثلاث نتائج:
- القرارات تُتخذ أحيانًا بدون صورة بيانات موحّدة؛ كل جهة ترى جزءًا من المشهد.
- القيود الخارجية والتوافقات الداخلية تؤثر على توقيت المشاريع وحجمها، ما يخلق توقفات مكلفة.
- العوائق الداخلية (إجراءات، رقابة جودة، متابعة عقود، صيانة) تتراكم حتى يصبح “الطبيعي” هو انخفاض الكفاءة.
وهنا بالضبط يدخل الذكاء الاصطناعي—ليس كبديل عن القرار السيادي أو السياسة النفطية—بل كـ طبقة تشغيل وقرار تقلّل الفوضى وتزيد القدرة على تنفيذ السياسة.
الذكاء الاصطناعي كأداة سياسة نفطية: من الكلام إلى نظام عمل
الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي يساعد الدولة والشركات على تحويل “السياسة النفطية” إلى مؤشرات قابلة للقياس والتنفيذ اليومي. بدل أن تبقى السياسة شعارات، تصبح لوحة قيادة.
عندما نتحدث عن “إطار السياسة النفطية” وأعمدته، فالمشكلة المعتادة في العراق (وفي دول نفطية كثيرة) هي الفجوة بين:
- ما يُكتب في الاستراتيجيات والخطط
- وما يحدث فعلًا في الحقول، وخطوط الأنابيب، ومرافق المعالجة، وسلاسل الإمداد
ما الذي يغيره الذكاء الاصطناعي هنا؟
- توحيد الرؤية عبر البيانات: منصة بيانات وطنية (أو قطاعية) تجمع بيانات الإنتاج، الصيانة، الانقطاعات، السلامة، واستهلاك الطاقة، بحيث يرى صانع القرار “الصورة الواحدة”.
- تحويل الأهداف إلى مؤشرات تشغيلية: مثال عملي: إذا كان الهدف خفض الحرق (الفلير) أو تقليل توقفات الإنتاج، يمكن تحويله إلى
KPIsيومية/أسبوعية، مع إنذارات مبكرة عند الانحراف. - الشفافية الداخلية: ليس المقصود نشر بيانات حساسة، بل بناء “شفافية تنفيذية” داخل المؤسسات: من المسؤول؟ ما الزمن؟ ما التكلفة؟ ما المخاطر؟
جملة قابلة للاقتباس: السياسة النفطية من دون بيانات موثوقة تشبه إدارة حقل نفطي بعين واحدة.
معالجة فجوات البنية التحتية والكفاءة: أين ينجح الذكاء الاصطناعي بسرعة؟
الإجابة المباشرة: أسرع مكاسب الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز بالعراق تأتي من ثلاثة ملفات: الصيانة التنبؤية، تحسين الإنتاج، وإدارة الطاقة داخل المرافق.
1) الصيانة التنبؤية وتقليل التوقفات غير المخططة
التوقفات غير المخططة لا تُكلّف ساعات فقط؛ تُكلّف عقودًا وسمعة وتعويضات. الذكاء الاصطناعي هنا يعمل كالتالي:
- جمع قراءات الاهتزاز والحرارة والضغط لمضخات وضواغط ومولدات
- تدريب نموذج يتنبأ باحتمال العطل خلال فترة قريبة
- جدولة صيانة “قبل الانهيار” بدل صيانة “بعد الكارثة”
تطبيق عملي في العراق: مواقع الإنتاج والمرافق التي تعاني من تقلبات في الكهرباء أو ظروف تشغيل قاسية تستفيد كثيرًا من نماذج التنبؤ بالأعطال، لأن الأعطال فيها متكررة ويمكن نمذجتها.
2) تحسين الإنتاج (Production Optimization)
الذكاء الاصطناعي لا يزيد الإنتاج بالسحر. لكنه يقلّل خسائر الإنتاج اليومية الناتجة عن:
- اختناقات المعالجة
- ضعف ضبط الحقن أو الرفع الاصطناعي
- قرارات تشغيلية مبنية على خبرة فردية لا على بيانات تراكمية
أدوات مثل نماذج التنبؤ بالإنتاج، وdigital twin (التوأم الرقمي) للمنشأة، تساعد على اختبار سيناريوهات قبل تنفيذها على الأرض.
3) إدارة الطاقة داخل المنشآت
كلفة الطاقة الداخلية في مرافق النفط والغاز عالية، خصوصًا مع قدم بعض المعدات. الذكاء الاصطناعي يمكنه:
- تحسين تشغيل الضواغط والمضخات لتقليل استهلاك الكهرباء
- تقليل “التحميل الزائد” الذي يسبب أعطالًا متكررة
- تحديد معدات منخفضة الكفاءة تحتاج تحديثًا وفق عائد واضح
التعاون الدولي والاستثمار: الذكاء الاصطناعي يختصر فجوة الثقة
الإجابة المباشرة: الاستثمار يتأخر عندما تكون البيانات غير قابلة للتحقق بسرعة، وعندما تكون المخاطر غير مُقاسة. الذكاء الاصطناعي لا يلغي المخاطر، لكنه يجعلها مقروءة.
من تحديات القطاع (كما نوقشت في الفعالية) وجود قيود خارجية وتوافقات داخلية تؤثر على مسار التطوير. في بيئة كهذه، المستثمر والشريك الدولي يسأل عن ثلاثة أشياء دائمًا:
- هل أستطيع تقييم أداء الأصل (الحقل/المرفق)؟
- هل يمكن تتبّع الالتزام بالعقد والجداول الزمنية؟
- هل توجد إدارة مخاطر وسلامة مبنية على بيانات؟
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في هذا الملف؟
- غرف بيانات رقمية (Virtual Data Rooms) منظمة مدعومة بتلخيصات ذكية للوثائق الفنية والمالية
- تحليلات مخاطر (Risk Analytics) تربط بين التأخيرات، الأعطال، وسلاسل الإمداد
- أنظمة متابعة أداء العقود عبر مؤشرات تلقائية وتقارير دورية واضحة
وهنا نقطة مهمة: الذكاء الاصطناعي قد يكون جسرًا دبلوماسيًا أيضًا. عندما تتحدث الأرقام بوضوح، تقل مساحة سوء الفهم، ويصير التفاوض على “الواقع” لا على الانطباعات.
السلامة والامتثال وتقليل الخسائر: مكسب لا يقبل التأجيل
الإجابة المباشرة: تحسين السلامة (HSE) بالذكاء الاصطناعي يقلّل الحوادث ويقلّل التوقفات ويزيد قدرة المؤسسة على الاستمرار.
أكثر ما يُهمل في بعض مشاريع التحول الرقمي هو ملف السلامة لأنه لا يعطي “رقم إنتاج” مباشر. لكن في النفط والغاز، حادث واحد قد يبتلع مكاسب سنة كاملة.
تطبيقات عملية قابلة للتنفيذ
- رؤية حاسوبية لمراقبة مناطق خطرة (معدات الوقاية، مناطق محظورة، اقتراب من معدات دوّارة)
- نماذج إنذار مبكر تربط بين مؤشرات صغيرة (ارتفاع حرارة، تسرب بسيط، ضغط غير طبيعي) وبين احتمال حادث أكبر
- تحليل نصوص تقارير الحوادث لاستخراج الأنماط المتكررة: أين يحدث الخطأ؟ أي وردية؟ أي نوع معدات؟
جملة قابلة للاقتباس: الذكاء الاصطناعي في السلامة لا يراقب الناس بقدر ما يراقب “اللحظة” قبل أن تتحول إلى حادث.
خارطة طريق من 90 يومًا: كيف تبدأ شركة نفطية عراقية بدون ضجيج؟
الإجابة المباشرة: ابدأ بمشروعين صغيرين عاليي الأثر، وركّز على البيانات والحوكمة قبل شراء أي منصة كبيرة.
هذا ما وجدته عمليًا ينجح في بيئات معقّدة: بدل مشروع رقمي ضخم لمدة سنتين، نفّذ 3 تجارب محكومة خلال 90 يومًا.
الأسبوع 1–2: تدقيق البيانات وتحديد هدف قابل للقياس
- حصر مصادر البيانات (SCADA، سجلات صيانة، تقارير تشغيل)
- اختيار هدف واحد: تقليل توقفات ضواغط، تقليل استهلاك طاقة، تحسين دقة توقع الإنتاج
الأسبوع 3–6: نموذج أولي (PoC) ببيانات حقيقية
- بناء نموذج تنبؤ أعطال لمعدة واحدة حرجة
- لوحة متابعة بسيطة للمشغلين والإدارة
الأسبوع 7–10: إدخال الحوكمة والتشغيل
- تعريف مسؤوليات واضحة: مالك البيانات، مسؤول الأمن السيبراني، مسؤول التشغيل
- تحديث إجراءات العمل: ماذا نفعل عندما يعطي النموذج إنذارًا؟
الأسبوع 11–13: قياس العائد والتوسع
- قياس مؤشرات قبل/بعد
- توثيق الدروس
- قرار توسعة على معدات/موقع إضافي
مؤشرات قياس واضحة يمكن اعتمادها:
- عدد التوقفات غير المخططة شهريًا
- ساعات التوقف (Downtime hours)
- تكلفة الصيانة الطارئة مقارنة بالمخططة
- استهلاك الطاقة لكل برميل مكافئ
أسئلة شائعة يطرحها مديرو النفط والغاز في العراق
هل الذكاء الاصطناعي يحتاج بيانات “مثالية”؟
لا. لكنه يحتاج بيانات مفيدة ومتسقة. بيانات ناقصة مع منهج تنظيف جيد أفضل من بيانات كثيرة فوضوية.
هل سيُقلّص الذكاء الاصطناعي الوظائف؟
الذي يحدث عادة هو إعادة توزيع العمل: يقل الروتين اليدوي، ويزيد الطلب على مشغلين ومهندسين يفهمون البيانات ويعرفون كيف يتصرفون وفق تنبؤات الأنظمة.
ما أكبر خطأ في مشاريع الذكاء الاصطناعي؟
شراء منصة كبيرة قبل تحديد مشكلة تشغيلية محددة وعائد واضح. المنصات ليست استراتيجية؛ الاستخدام هو الاستراتيجية.
الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية… بل شرط تنفيذ السياسة النفطية
الذكاء الاصطناعي في قطاع النفط والغاز في العراق ليس بديلًا عن القرارات السيادية أو الإصلاحات المؤسسية التي نوقشت ضمن تحديات القطاع. لكنه أقرب أداة عملية لتقليل الفجوة بين “ما نريد” و“ما نستطيع تنفيذه”. عندما تكون التحديات خارجية وداخلية في آن واحد، تصبح أفضل ميزة تنافسية هي: القدرة على رؤية الواقع بسرعة واتخاذ قرار أدق.
هذه التدوينة جزء من سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق”. إذا كنت تعمل في شركة تشغيل، أو مقاول خدمات، أو جهة حكومية، فابدأ بسؤال واحد: أي قرار نتخذه اليوم بالحدس… ويمكن أن نجعله قرارًا مبنيًا على بيانات خلال 90 يومًا؟