ارتفاع الإجازات الصناعية إلى 158 مشروعاً يفرض إدارة أذكى. تعرّف كيف يدعم الذكاء الاصطناعي تنفيذ المشاريع والطاقة والنفط والغاز في العراق.

158 مشروعاً صناعياً جديداً: أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟
في تشرين الثاني وحده، مُنحت 158 إجازة لمشاريع صناعية جديدة في العراق عبر قطاعات الغذاء والكيماويات والمعادن والإنشاءات والنسيج والهندسة. بغداد حصلت على 46 إجازة، تلتها نينوى (17) والبصرة (15) والأنبار (10) وكربلاء (7)، مع توزيعٍ لباقي الإجازات على محافظات أخرى. هذا الرقم ليس “خبر قطاعي” فحسب؛ هو إشارة عملية إلى أن العراق يدخل مرحلة توسّع صناعي تتطلب أدوات إدارة وتنفيذ أسرع وأكثر دقة.
وهنا يظهر السؤال الذي يهمّ كل مدير مشروع، وكل مستثمر، وكل جهة حكومية تشرف على الإجازات: كيف نضمن أن تتحول الإجازة إلى مصنع يعمل، والتزام سلامة، وإنتاج مستقر، دون أن تبتلعنا الفوضى الورقية والتأخيرات؟ برأيي، الإجابة الأقصر هي: الذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي—ليس كشعار، بل كنظام تشغيل يومي للمشاريع.
هذه المقالة جزء من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق». وسنستخدم خبر الإجازات الصناعية كعدسة لفهم شيء أكبر: إذا كانت الدولة والقطاع الخاص يدفعان باتجاه توسّع صناعي، فقطاع الطاقة والنفط والغاز—بوصفه محرّك الاقتصاد ومزوّد الوقود والكهرباء واللقيم—لا يستطيع أن يدير هذا التوسع بأدوات الأمس.
لماذا تعني 158 إجازة “ضغطاً تنفيذياً” وليس فقط نمواً؟
الجواب المباشر: لأن عدد الإجازات الكبير يرفع احتمالات التأخير والتضارب وارتفاع الكلف إذا لم تُدار المشاريع بمنهجية رقمية.
إصدار الإجازة هو بداية الطريق فقط. ما يأتي بعدها هو الجزء الأصعب: تخصيص الأراضي، المخططات، سلسلة التجهيز، العقود، السلامة، التفتيش الموقعي، الامتثال البيئي، ربط الكهرباء/الغاز/الماء، والتشغيل التجريبي. بحسب الخبر، أصدرت مديرية التنمية الصناعية أيضاً 25 شهادة إنجاز لمشاريع مكتملة وفق قانون الاستثمار الصناعي رقم 20 لسنة 1998، وقدّمت خدمات مثل كتب تخصيص الأراضي، تفعيل الإجازات، تجديد الهويات، والتفتيشات الحقلية الإلكترونية على مستوى العراق.
هنا ملاحظة مهمة: وجود تفتيش إلكتروني يعني أن الأرضية بدأت تُجهّز لتوسيع الحلول الرقمية. لكن التفتيش الإلكتروني وحده لا يكفي إذا بقيت بقية الدورة (الوثائق، الجداول، المخاطر، المشتريات، السلامة) موزعة بين ملفات منفصلة ورسائل متفرقة.
الرابط مع الطاقة والنفط والغاز
العديد من هذه المصانع—خصوصاً في الكيماويات، المعادن، مواد البناء، والهندسة—تعتمد بشكل مباشر على:
- الغاز الطبيعي كوقود أو لقيم صناعي
- الكهرباء بشكل كثيف (أفران، مضخات، خطوط إنتاج)
- الوقود السائل للآليات والنقل
- سلاسل توريد تتقاطع مع موانئ وطرق ومخازن تخدم أيضاً شركات النفط
إذا توسّع التصنيع أسرع من توسّع كفاءة إدارة الطاقة، فستظهر اختناقات: انقطاعات، ارتفاع كلف، توقفات، وحوادث سلامة.
من الإجازة إلى التنفيذ: أين يخدم الذكاء الاصطناعي تحديداً؟
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يحوّل إدارة المشاريع من “متابعة ردّ فعل” إلى “توقع مبكر وإجراء استباقي”.
ما رأيته في مشاريع كبيرة (حتى خارج العراق) هو أن أسباب التعثر تتكرر: تغيّر نطاق العمل، تأخر المواد، ضعف التنسيق بين المقاول والاستشاري والجهة المالكة، وحلقات موافقات طويلة. الذكاء الاصطناعي لا يلغي هذه المشكلات، لكنه يجعلها مرئية وقابلة للقياس، ويقترح إجراءات قبل أن تتفاقم.
1) تخطيط ذكي للجدول والموارد (AI Scheduling)
بدلاً من جدول جامد، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحليل:
- تاريخ أداء المقاولين
- زمن توريد المعدات حسب البلد والمنفذ
- مواسم التأخير المعتادة (مطر، عطلات، ضغط الموانئ)
- توافر العمالة والآليات
ثم إنتاج سيناريوهات: “إذا تأخر توريد المحرك 3 أسابيع، ما أثر ذلك على تاريخ التشغيل؟ وما البدائل؟”. هذه ليست رفاهية؛ في المشاريع الصناعية والطاقة، أسبوع واحد قد يعني خسائر كبيرة.
2) رقابة الكلفة ومنع “تسرّب التغييرات”
أخطر ما في المشاريع هو أن التغييرات الصغيرة تتراكم دون أن يشعر بها أحد. أدوات AI في تحليل العقود وأوامر التغيير قادرة على:
- كشف البنود المتكررة التي ترفع الكلفة
- مقارنة أسعار المواد بين عروض متعددة
- توقع الانحراف المالي قبل ظهوره في التقارير الشهرية
جملة قابلة للاقتباس: المشروع لا يتعثر فجأة؛ يتعثر “بالقطعة” عندما لا تُقاس التفاصيل يومياً.
3) تفتيش وسلامة ميدانية مدعومة بالرؤية الحاسوبية
بما أن هناك إشارة إلى التفتيش الحقلـي الإلكتروني، فالخطوة التالية المنطقية هي الرؤية الحاسوبية (Computer Vision) عبر كاميرات الموقع أو هواتف المفتشين لتحليل:
- الالتزام بمعدات السلامة الشخصية (خوذة/سترة/حزام)
- مناطق الخطر والحواجز
- سلوكيات غير آمنة قرب الرافعات أو الأعمال الحارة
في النفط والغاز تحديداً، تقليل الحوادث ليس “بند امتثال” فقط؛ هو حماية للأرواح وتقليل توقفات الإنتاج ومطالبات التأمين.
4) إدارة الوثائق والمراسلات بسرعة (Document Intelligence)
كثير من التأخير في العراق والمنطقة عموماً يأتي من دورة المستندات: محاضر، مراسلات، مخططات، موافقات. الذكاء الاصطناعي يستطيع:
- تصنيف الوثائق تلقائياً
- استخراج بيانات أساسية (تواريخ، كميات، أرقام عقود)
- تتبع “من لديه المستند الآن؟ ولماذا تأخر؟”
والأهم: يبني سجل تدقيق واضحاً يقلل سوء الفهم بين الأطراف.
الطاقة والنفط والغاز: فرص AI التي تخدم موجة التصنيع الجديدة
الجواب المباشر: كل مصنع جديد يعني حملاً إضافياً على الطاقة—والذكاء الاصطناعي هو الأداة الأسرع لضبط الكفاءة والاعتمادية دون انتظار توسعة بنى تحتية لسنوات.
توسّع المشاريع الصناعية يضع ضغطاً على الشبكة الكهربائية وعلى إمدادات الوقود. لذلك، أي استراتيجية صناعية واقعية تحتاج مساراً موازياً في الطاقة.
1) التنبؤ بالطلب وإدارة الأحمال للمصانع
يمكن للذكاء الاصطناعي بناء نماذج طلب دقيقة اعتماداً على:
- نوع الصناعة وخطوط الإنتاج
- ساعات التشغيل (وردية/وردتين/ثلاث)
- الموسم (الغذاء والإنشاءات تتغير دوراتها)
ثم اقتراح برامج Demand Response: جدولة الأحمال الثقيلة خارج ساعات الذروة، أو تشغيل مولدات/بطاريات عند الحاجة. النتيجة: أقل انقطاعات، وأقل كلفة تشغيل.
2) الصيانة التنبؤية للمعدات الحرجة
في النفط والغاز—وكذلك في المصانع—الأعطال لا تأتي بإعلان مسبق. باستخدام حساسات الاهتزاز والحرارة والضغط، يمكن لـ AI توقع فشل:
- المضخات
- الضواغط
- المحركات الكبيرة
- الصمامات
الصيانة التنبؤية تقلل التوقفات المفاجئة وتمنع خسائر الإنتاج. عملياً، هذا أحد أسرع مجالات الذكاء الاصطناعي عائداً على الاستثمار في المنطقة.
3) تقليل الحرق وتحسين إدارة الغاز المصاحب
ربط التصنيع بإدارة الغاز فرصة واضحة: بدلاً من هدر الغاز (أو الاعتماد على وقود أعلى كلفة)، يمكن توجيه الغاز المعالج إلى:
- مصانع بتروكيمياويات وأسمدة
- محطات كهرباء قريبة
- صناعات حرارية (أسمنت/طابوق)
الذكاء الاصطناعي يساعد هنا في تحسين التشغيل (Optimization): موازنة الضغط والتدفق والجودة لتحقيق أفضل مزيج بين الكهرباء والصناعة.
ما الذي يجب أن تفعله الجهات المنفذة خلال 90 يوماً؟ (خطة عملية)
الجواب المباشر: ابدأوا بحالات استخدام محددة تربط الإجازات بالتنفيذ، ثم ابنوا “نواة بيانات” مشتركة قبل أي توسع كبير.
إذا كنت جهة حكومية داعمة للقطاع الخاص أو شركة طاقة أو مقاولاً رئيسياً، فأقترح خطة 90 يوماً واقعية:
- توحيد البيانات الأساسية للمشاريع: رقم الإجازة، الموقع، القطاع، المالك، المقاول، تواريخ رئيسية. ملف واحد “مصدر الحقيقة”.
- لوحة متابعة تنفيذ (Dashboard) على مستوى المحافظات: بغداد (46) ليست مثل نينوى (17) أو البصرة (15). اختلاف السلاسل اللوجستية يتطلب قياساً منفصلاً.
- أتمتة التفتيش الميداني: نماذج موحدة + صور + تحديد موقع + تقارير فورية.
- تجربة واحدة للرؤية الحاسوبية في السلامة بموقع عالي المخاطر (أعمال حارة/رافعات).
- بدء برنامج صيانة تنبؤية لمعدتين أو ثلاث في منشأة نفط/غاز أو محطة كهرباء تغذي مناطق صناعية.
قاعدة عملية: لا تبدأوا من “ذكاء اصطناعي عام”. ابدأوا من قرار واحد متكرر ومكلف واجعلوه أسرع وأدق.
أسئلة شائعة يطرحها المستثمرون ومديرو المشاريع في العراق
هل الذكاء الاصطناعي يعني استبدال الكوادر؟
الجواب المباشر: لا. الذكاء الاصطناعي يقلل العمل الروتيني ويزيد الإنتاجية، لكن القرارات الحساسة تبقى بيد البشر.
في المشاريع الصناعية والطاقة، القيمة تأتي من تحويل المهندس والمفتش ومدير المشروع من “جامع بيانات” إلى “صاحب قرار”.
ما أكبر عائق أمام تطبيق AI في المشاريع؟
الجواب المباشر: تشتت البيانات وضعف الانضباط في إدخالها.
من دون سجلات منظمة (أصول، أعطال، تواريخ صيانة، أوامر تغيير، تقارير سلامة)، سيبقى الذكاء الاصطناعي “مبهراً على الورق” وضعيفاً في الواقع.
ما أسرع عائد يمكن تحقيقه؟
الجواب المباشر: غالباً من الصيانة التنبؤية، ومراقبة السلامة، وتحسين استهلاك الطاقة—لأنها تقلل خسائر مباشرة يمكن قياسها شهرياً.
خطوة أخيرة: لماذا هذا الموضوع مهم الآن تحديداً؟
تاريخ النشر الأصلي للخبر كان 15/12/2025، ومع نهاية عام 2025 تتسارع قرارات الاستثمار استعداداً لخطط 2026. توسّع الإجازات الصناعية يعني أن 2026 ستشهد مواقع أكثر، ومقاولين أكثر، وسلاسل توريد أكثر تعقيداً. إذا بقينا ندير ذلك بالطرق التقليدية، سنحصل على نمو “على الورق” وتعثر “على الأرض”.
ضمن سلسلة كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق، أرى أن الرسالة بسيطة: نجاح موجة التصنيع الجديدة يعتمد بقدر كبير على ذكاء إدارة الطاقة والمشاريع، لا على عدد الإجازات فقط.
إذا كنت تمثل شركة طاقة، أو مستثمراً صناعياً، أو جهة إشراف: اختر مشروعاً واحداً من الـ 158 وطبّق عليه ثلاث أدوات رقمية واضحة (لوحة متابعة + تفتيش إلكتروني + نموذج مخاطر/كلفة). بعد 60 يوماً ستعرف بالأرقام أين تكسب وأين تخسر.
والسؤال الذي يستحق التفكير مع بداية 2026: هل نريد مشاريع كثيرة… أم مشاريع تكتمل في وقتها وتعمل بأمان وبكلفة طاقة محسوبة؟