158 ترخيصاً صناعياً في 11/2025 فرصة لرفع الكفاءة. تعرّف أين يحقق الذكاء الاصطناعي وفورات سريعة للمصانع ولقطاع النفط والغاز.

158 ترخيصاً صناعياً بالعراق: أين يربح الذكاء الاصطناعي؟
في 11/2025 منحت مديرية التنمية الصناعية في العراق 158 إجازة لمشاريع صناعية جديدة موزعة على قطاعات الغذاء والكيميائيات والمعادن والإنشاءات والنسيج والهندسة، مع 46 إجازة في بغداد تليها نينوى (17) والبصرة (15) والأنبار (10) وكربلاء (7). هذا الرقم ليس خبراً عابراً؛ هو مؤشر على أن السوق يتحرك فعلياً، وأن القطاع الخاص يتوسع، وأن سلاسل الإمداد والصيانة والعمالة والطاقة ستصبح أكثر ضغطاً خلال 2026.
وهنا يدخل سؤال عملي جداً ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق”: كيف نستفيد من موجة التراخيص الجديدة كي لا تتحول إلى مصانع تعمل بطاقة أقل من المتوقع، أو توقفات متكررة، أو حوادث سلامة، أو تعقيد في الامتثال؟ رأيي واضح: الذكاء الاصطناعي ليس ترفاً لهذه المشاريع—بل أداة تقليل هدر مباشرة، خصوصاً عندما ترتبط المصانع بسلاسل طاقة ووقود وخدمات لوجستية تتقاطع مع النفط والغاز.
لماذا رقم 158 ترخيصاً مهم للطاقة والنفط والغاز؟
الجواب المباشر: كل مشروع صناعي جديد يضيف طلباً على الكهرباء والوقود والبخار والمواد الكيميائية والنقل—وهذه كلها نقاط تماس يومية مع قطاع الطاقة والنفط والغاز.
عندما تزيد المنشآت الصناعية في بغداد والبصرة ونينوى، سترتفع الحاجة إلى:
- إدارة أحمال كهربائية أكثر تعقيداً (Load Management)
- وقود وتشغيل غلايات ومولدات ووقود ديزل في بعض المواقع
- لوجستيات شحن داخلي وخارجي (مواد أولية/منتجات نهائية)
- سلامة صناعية وبيئية وتشغيلية أكثر صرامة
النتيجة؟ أي خلل في الطاقة أو الوقود أو الصيانة سيظهر فوراً على الإنتاج. والذكاء الاصطناعي تحديداً جيد في بيئات “الضجيج العالي”: بيانات كثيرة، أجهزة كثيرة، بشر كثيرون، وحاجة لقرار سريع.
دلالة التوزيع الجغرافي للتراخيص
تصدّر بغداد بـ46 ترخيصاً يعني كثافة صناعية أعلى قرب بنى تحتية مزدحمة أصلاً. أما البصرة (15) فهي بوابة النفط والتصدير والخدمات، ما يجعل فرص التكامل مع شركات النفط والغاز أكبر: صيانة، تجهيزات، كيماويات، خدمات هندسية، وموردين محليين.
من الترخيص إلى التشغيل: أين يحدث الهدر عادة؟
الجواب المباشر: الهدر لا يبدأ داخل المصنع فقط—بل يبدأ قبل التشغيل، في التصميم والشراء وإدارة المقاولين.
مديرية التنمية الصناعية أشارت أيضاً إلى إصدار 25 شهادة إنجاز لمشاريع اكتملت وفق قانون الاستثمار الصناعي رقم 20 لسنة 1998، إضافة لخدمات مثل تخصيص الأراضي، تجديد الهويات، وتفتيش ميداني إلكتروني. هذا يعني أن الدولة تحاول “تسريع الدورة” من الورق إلى الواقع. لكن التسريع وحده لا يكفي إذا بقيت القرارات تُتخذ بالحدس أو بملفات إكسل متفرقة.
أكثر 5 نقاط يتكرر فيها النزف التشغيلي في مشاريعنا الصناعية:
- توقفات غير مخطط لها بسبب صيانة تفاعلية لا تنبؤية
- تقلب جودة المنتج بسبب ضعف مراقبة العمليات (Process Control)
- استهلاك طاقة زائد بسبب أحمال غير محسنة وأجهزة قديمة
- حوادث سلامة بسبب سوء رصد المخاطر أو ضعف تدريب موجه
- تعثر سلاسل الإمداد (تأخر مواد/قطع) مع غياب التنبؤ بالطلب
هذه النقاط بالضبط هي ملعب الذكاء الاصطناعي.
5 تطبيقات ذكاء اصطناعي تعطي نتائج سريعة للمشاريع الجديدة
الجواب المباشر: ابدأ بتطبيقات تقلل التوقفات والطاقة والحوادث قبل أن تفكر في مشاريع “استعراضية”.
1) الصيانة التنبؤية للمضخات والضواغط والمولدات
في الصناعات الهندسية والكيميائية والإنشائية وحتى الغذائية، هناك معدات دوارة (Rotating Equipment) هي قلب المصنع. الذكاء الاصطناعي يستطيع قراءة إشارات الاهتزاز والحرارة والتيار الكهربائي للتنبؤ بالعطل قبل وقوعه.
أين يفيد قطاع النفط والغاز؟ لأن نفس الفلسفة تُستخدم في حقول النفط ومحطات العزل والضغط وخطوط الضخ. عندما يمتلك المورد الصناعي المحلي هذه القدرة، يصبح شريكاً أكثر موثوقية لشركات الطاقة.
ما أنصح به عملياً للمصانع الجديدة:
- ابدأ بـ 10–20 أصل حرج (Critical Assets)
- اربطها بحساسات قياس أساسية (اهتزاز/حرارة/تيار)
- ابنِ نموذجاً بسيطاً للتنبؤ بالانحرافات قبل الأعطال
2) تحسين استهلاك الطاقة عبر “ذكاء الأحمال”
المصنع الذي يستهلك طاقة أكثر مما ينبغي سيدفع الثمن مرتين: كلفة تشغيل أعلى، ومخاطر توقف عند ضعف التجهيز أو ذروة الأحمال. الذكاء الاصطناعي ينسق تشغيل الأحمال (ضواغط، أفران، تبريد، ضخ) حسب:
- الطلب الفعلي على الإنتاج
- ساعات الذروة
- كفاءة المعدات الفعلية وليس كفاءة الكتالوج
جملة قابلة للاقتباس: “خفض الطاقة لا يحتاج دائماً معدات جديدة؛ يحتاج قرار تشغيل أدق كل ساعة.”
3) مراقبة الجودة بالـ Computer Vision
في المعادن والإنشاءات والنسيج، كاميرا واحدة مع نموذج رؤية حاسوبية قد تلتقط عيوباً لا يراها العامل إلا بعد أن تتراكم. الفكرة ليست استبدال البشر؛ بل منحهم إنذاراً مبكراً.
أمثلة مباشرة:
- تشققات أو عيوب سطحية في صفائح/قطع معدنية
- عيوب خياطة أو اختلاف لون في النسيج
- تجانس تعبئة وتغليف في الغذاء
4) السلامة الصناعية: رصد المخاطر لحظياً
السلامة في مواقع العمل تتدهور غالباً بسبب “الاعتياد”: الناس تتجاوز إجراءات بسيطة لأن “ما صار شي قبل”. الذكاء الاصطناعي مع كاميرات الموقع يمكنه رصد:
- عدم ارتداء معدات الوقاية
- دخول مناطق محظورة
- اقتراب خطير من معدات دوارة/رافعات
وهنا نقطة حساسة: نجاح هذا النوع يعتمد على سياسة خصوصية واضحة وتدريب العاملين وأن يكون الهدف حماية الناس لا معاقبتهم.
5) ذكاء سلاسل الإمداد للمشاريع التي تبدأ من الصفر
المشاريع الصناعية الجديدة غالباً تُفاجأ بأن أكبر تأخير ليس داخل المصنع بل في قطع الغيار والمواد. الذكاء الاصطناعي يساعد في:
- التنبؤ بالطلب على المواد حسب خطة الإنتاج
- تحديد الحد الأدنى للمخزون دون تجميد رأس المال
- اكتشاف الموردين الذين يسببون تأخيراً متكرراً
وهذا يعزز قدرة المصنع على خدمة عقود أكبر، بما فيها عقود مرتبطة بالنفط والغاز.
كيف تُحوّل التراخيص الجديدة إلى فرص “شراكة” مع النفط والغاز؟
الجواب المباشر: المشاريع الصناعية الأقرب للفوز هي التي تثبت أنها قابلة للقياس والامتثال—وهذا ما يتيحه الذكاء الاصطناعي.
شركات النفط والغاز (محلية ودولية) لا تبحث فقط عن السعر؛ تبحث عن موردين يثبتون:
- الالتزام بالسلامة
- جودة ثابتة
- قدرة على التسليم في وقت محدد
- توثيق عمليات وتشغيل قابل للتدقيق
الذكاء الاصطناعي هنا ليس “تقنية”، بل لغة مشتركة مع الشركاء: لوحات متابعة (Dashboards)، سجلات رقمية، تنبيهات، ومؤشرات أداء.
نموذج عملي: مصنع مواد إنشائية في البصرة
تخيل مصنعاً جديداً في البصرة ضمن تراخيص 11/2025. إذا أراد الدخول كمورد لمشاريع طاقة (محطات، قواعد، توسعات)، فغالباً سيحتاج:
- ضبط جودة بالتصوير للمنتجات
- تتبع دفعات الإنتاج رقمياً (Batch Traceability)
- صيانة تنبؤية للخطوط لتقليل التوقف
- إدارة طاقة ذكية لخفض الكلفة في أوقات الذروة
هذه مجموعة “مقنعة” لأي شريك لأنها تقلل المخاطر التشغيلية.
أسئلة شائعة يطرحها أصحاب المشاريع الجديدة (وإجابات مباشرة)
هل أحتاج فريق بيانات كبير كي أبدأ؟
لا. ابدأ بفريق صغير جداً: مهندس تشغيل + مسؤول صيانة + شخص IT، ومع مزود حلول يشتغل على نطاق محدود. الأهم هو اختيار مشكلة واضحة.
ما أول مشروع ذكاء اصطناعي يعطي عائد أسرع؟
عادةً: الصيانة التنبؤية أو تحسين الطاقة. لأن أثرهما يظهر على التوقفات وفاتورة التشغيل بسرعة.
كيف أتجنب أن يتحول المشروع إلى “عرض تقديمي” بلا نتائج؟
ضع 3 مؤشرات قبل البدء، مثل:
- تقليل ساعات التوقف غير المخطط بنسبة محددة
- خفض استهلاك الطاقة لكل طن/وحدة
- خفض الهدر/المرتجعات ثم راقبها أسبوعياً. إذا لم تتحسن خلال 8–12 أسبوعاً، غيّر النطاق أو البيانات.
خارطة طريق 90 يوماً للمصانع المرخصة حديثاً
الجواب المباشر: قسّم التحول إلى ثلاث دفعات صغيرة—بيانات، نموذج، تشغيل.
- الأيام 1–30: تجهيز البيانات
- جرد الأصول الحرجة
- تحديد نقاط القياس المتاحة
- توحيد تعريفات الأعطال ووقت التوقف
- الأيام 31–60: نموذج أولي محدود
- اختيار خط واحد أو أصلين حرجين
- إعداد تنبيهات مبكرة بدل “نموذج معقد”
- تدريب المشرفين على قراءة النتائج
- الأيام 61–90: تشغيل وتحسين
- ربط التنبيهات بإجراءات صيانة واضحة
- قياس أثر فعلي بالأرقام
- وضع خطة توسع على 6 أشهر
ملاحظة مهمة من خبرتي: المشروع الذي يبدأ بـ“لوحة مؤشرات جميلة” وينتهي بها فقط، يخسر ثقة الإدارة. اجعل كل لوحة مرتبطة بقرار تشغيلي.
خطوة تالية: لماذا الآن تحديداً في نهاية 2025؟
نهاية السنة عادة وقت مراجعة خطط 2026، وتحديد CAPEX/OPEX، وتثبيت عقود الموردين. ومع إعلان 158 ترخيصاً في 11/2025، فالتنافس سيزيد: من يثبت كفاءة تشغيل أعلى وسلامة أفضل وتسليم أدق سيأخذ الحصة.
ضمن سياق سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق”، هذه ليست قصة مصانع فقط. هي قصة منظومة اقتصادية تريد أن تتوسع، ولن تنجح بدون قرارات أسرع مبنية على بيانات. إذا كنت صاحب مشروع صناعي جديد، أو مديراً في شركة طاقة تبحث عن موردين محليين أقوى: ما المجالات الثلاثة التي ستقيسها بالأرقام خلال 90 يوماً القادمة—التوقفات، الطاقة، أم السلامة؟