الذكاء الاصطناعي ومشروع غاز الناصرية والغراف: جاهزية 2027

كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراقBy 3L3C

مشروع غاز الناصرية والغراف يبدأ في الربع الأول 2027 بطاقة 200 مليون قدم مكعب/يوم. إليك كيف يدعم الذكاء الاصطناعي السلامة والكفاءة والالتزام بالجدول.

الناصريةالغرافالغاز الطبيعيالذكاء الاصطناعيالصيانة التنبؤيةأتمتةالسلامة الصناعية
Share:

الذكاء الاصطناعي ومشروع غاز الناصرية والغراف: جاهزية 2027

في 24/12/2025 عند 03:54 م، أكّدت وزارة النفط أن مشروع حقلي غاز الناصرية والغراف سيلتزم بالجدول الزمني لبدء التشغيل في الربع الأول من 2027، بطاقة تقديرية تصل إلى 200 مليون قدم مكعب قياسي يومياً. هذا الرقم ليس تفصيلاً هندسياً فقط؛ هو إشارة مباشرة إلى حجم التعقيد التشغيلي الذي يحتاج أدوات إدارة أدق من الجداول الورقية والتقارير المتأخرة.

هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي في قطاع النفط والغاز في العراق. ليس كشعار تسويقي، بل كطبقة تشغيلية تساعد على مراقبة المعدات لحظة بلحظة، وتوقّع الأعطال قبل وقوعها، وتقليل الهدر في الطاقة والوقت، ورفع مستوى السلامة. ومع وجود شركاء دوليين مثل Baker Hughes ومشاركة كبيرة من CPECC، تصبح إدارة البيانات والتكامل بين الفرق والأنظمة “قضية يومية” لا تحتمل الارتجال.

هذه المقالة جزء من سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق»، ونستخدم خبر مشروع الناصرية والغراف كنقطة انطلاق لفهم: كيف تُدار المشاريع الكبرى عملياً عندما يصبح الهدف هو تشغيل مستقر في موعد محدد وبكفاءة عالية.

ماذا يعني تشغيل 2027 فعلياً لمستقبل الغاز في العراق؟

تشغيل المشروع في الربع الأول من 2027 يعني أن العراق يضيف قدرة جديدة لمعالجة/استثمار الغاز ضمن مسار تقليل الاختناقات وتحسين توازن الوقود لمحطات الكهرباء والصناعة. 200 مليون قدم مكعب قياسي يومياً تعني تدفقات ضخمة يجب قياسها وتحكمها وموازنتها باستمرار، وأي انحراف صغير في الضغط أو الحرارة أو جودة الغاز قد يتحول إلى توقف أو خسارة أو حادث.

الأثر الحقيقي لا يأتي من “القدرة الاسمية” وحدها، بل من القدرة الفعلية المستمرة (Uptime) وجودة التشغيل. وهذا هو المكان الذي يثبت فيه الذكاء الاصطناعي قيمته: تحويل التشغيل من ردّ فعل بعد العطل إلى منع العطل قبل حدوثه.

لماذا مشاريع الغاز أكثر حساسية للبيانات من غيرها؟

لأن سلسلة القيمة في الغاز تتطلب اتزاناً دقيقاً بين:

  • جمع الغاز من الآبار وتغيّر خصائصه مع الزمن.
  • المعالجة (فصل سوائل/شوائب/ضغط) ضمن شروط سلامة صارمة.
  • النقل عبر شبكات وأنابيب تحتاج مراقبة تسرب/تآكل.
  • التسليم لجهات الاستهلاك بمعايير محددة.

كل مرحلة تولّد بيانات ضخمة (ضغط، حرارة، اهتزاز، تدفق، تركيب)، والذكاء الاصطناعي هو الأداة التي تحول هذا “الضجيج” إلى قرارات.

أين يدخل الذكاء الاصطناعي في مشروع مثل الناصرية والغراف؟

الجواب المباشر: يدخل في المراقبة، والتنبؤ، والتحسين، والسلامة. إذا أردت نتائج ملموسة في مشروع غاز كبير، فأنت تحتاج الذكاء الاصطناعي في أربع طبقات تشغيلية.

1) الصيانة التنبؤية للمعدات الثقيلة (Predictive Maintenance)

تركيب “معدات متخصصة” كما ورد في الخبر هو بداية ممتازة لتطبيق الصيانة التنبؤية. الفكرة بسيطة: بدل انتظار تعطل الضاغط أو المضخة، نقيس إشارات مبكرة مثل الاهتزاز ودرجة حرارة المحامل وتذبذب التيار.

كيف تعمل عملياً؟

  • تجمع حساسات IIoT بيانات الاهتزاز/الحرارة/الضغط.
  • تُدرَّب نماذج تعلم آلي على أنماط التشغيل الطبيعية.
  • عندما يظهر نمط “شاذ” يقترب من نمط الأعطال السابقة، يصدر النظام تنبيهاً مع احتمال فشل وتوصية.

النتيجة المتوقعة ليست “تقليل الأعطال” فقط، بل:

  • تقليل صيانة الطوارئ المكلفة.
  • زيادة التوافر التشغيلي.
  • تقليل مخاطر السلامة الناتجة عن أعطال مفاجئة.

2) مراقبة التنفيذ والجدول الزمني بالتحليلات التنبؤية

الالتزام بموعد 2027 لا يعتمد على قوة المقاول فقط، بل على القدرة على اكتشاف الانحرافات مبكراً: تأخر توريد، تعارض أعمال، أخطاء تركيب، أو إعادة عمل (Rework).

الذكاء الاصطناعي هنا يخدم الإدارة الهندسية عبر:

  • تحليل تقدم الأعمال مقارنة بخطة الأساس.
  • التنبؤ بنقاط التأخير قبل أن تظهر على المخطط.
  • ربط التقدم الفعلي بمخاطر السلامة والجودة.

موقفي واضح: معظم المشاريع تتأخر لأن الإنذار يأتي متأخراً. نظام تنبؤ مبكر مبني على بيانات حقيقية (مواقع، مخازن، أعمال تركيب) يقلل عنصر المفاجأة.

3) تحسين الطاقة والكفاءة التشغيلية (Process Optimization)

في منشآت الغاز، تشغيل الضواغط ووحدات المعالجة ضمن نقطة تشغيل مثلى يمكن أن يخفض استهلاك الطاقة بشكل كبير. الذكاء الاصطناعي يستخدم:

  • نماذج تحسين متعددة المتغيرات (ضغط/تدفق/حرارة).
  • تحكم تنبؤي (Model Predictive Control) مدعّم بتعلم آلي.

حتى لو لم نضع نسباً ثابتة، هناك حقيقة تشغيلية: الفاقد الصغير في الكفاءة يتحول إلى تكلفة كبيرة عند تدفقات 200 مليون قدم مكعب قياسي يومياً.

4) السلامة الذكية: من كاميرات المراقبة إلى منع الحوادث

السلامة ليست “لوحات إرشادية” فقط. في مواقع الغاز تحديداً، المخاطر تشمل تسربات، مناطق خطرة، أعمال ساخنة، وأخطاء بشرية.

تطبيقات عملية للذكاء الاصطناعي في السلامة:

  • رؤية حاسوبية للتأكد من الالتزام بمعدات الوقاية الشخصية.
  • كشف التواجد في مناطق محظورة.
  • تحليل أنماط البلاغات شبه-الحوادث (Near Miss) لاكتشاف الأسباب الجذرية.

جملة تصلح كقاعدة: إذا لم تقِس السلوكيات الخطرة يومياً، ستتعامل مع نتائجها شهرياً.

الشراكات الدولية… وكيف يجعلها الذكاء الاصطناعي أسهل لا أعقد

الخبر يذكر تعاوناً مع Baker Hughes ومشاركة واسعة من CPECC. هذا النوع من المشاريع عادةً يعني:

  • فرق متعددة الجنسيات.
  • معايير هندسية مختلفة.
  • أنظمة بيانات غير متجانسة.
  • قرارات تحتاج موافقات متسلسلة.

الذكاء الاصطناعي لا “يحل السياسة”، لكنه يحل ما يسبقها: توحيد الحقيقة التشغيلية.

توحيد البيانات: “نسخة واحدة من الواقع”

أكبر سبب للخلافات التقنية في المشاريع هو وجود أكثر من نسخة للأرقام: تقرير يقول تدفقاً، وSCADA يقول شيئاً آخر، وفريق الجودة يملك قياسات مختلفة.

ما نحتاجه في مشاريع الغاز في العراق هو:

  • طبقة تكامل بيانات (Data Integration) تربط SCADA/DCS وCMMS وأنظمة المشروع.
  • قواعد حوكمة بيانات واضحة: من يملك البيانات؟ من يعتمدها؟ متى تُحدّث؟
  • لوحات متابعة موحدة (Dashboards) تُظهر مؤشرات الأداء نفسها للجميع.

الترجمة التشغيلية للخبرة العالمية

وجود شركات عالمية يعني وجود خبرات تراكمية في الأعطال وأنماطها. الذكاء الاصطناعي يسمح بتحويل الخبرة إلى “نظام” عبر:

  • مكتبة أعطال ومعالجات موحّدة.
  • نماذج تعلم آلي تتعلم من بيانات تاريخية (محلياً وعالمياً).
  • توصيات صيانة قائمة على الأدلة بدل الاجتهاد.

خطة عملية: كيف تبدأ شركة عراقية أو جهة تشغيلية بالذكاء الاصطناعي خلال 90 يوماً؟

الجواب المباشر: لا تبدأ بمشروع ضخم اسمه “تحول رقمي”. ابدأ بثلاث حالات استخدام لها عائد واضح ويمكن قياسه.

الخطوة 1: اختيار حالات استخدام مرتبطة بالألم الحقيقي

أقترح لمواقع الغاز في الجنوب ثلاث بدايات واقعية:

  1. الصيانة التنبؤية للضواغط (أعلى كلفة توقف عادة).
  2. كشف التسربات/الانبعاثات عبر حساسات + نماذج إنذار مبكر.
  3. تحسين استهلاك الطاقة في وحدات الضغط والمعالجة.

الخطوة 2: تجهيز الحد الأدنى من البيانات (Minimum Viable Data)

قبل أي نموذج، تأكد من وجود:

  • بيانات حساسات عالية التواتر للمعدات الحرجة.
  • سجل أعطال وصيانة منظم في CMMS.
  • تعريف موحّد للأصول (Asset IDs) حتى لا تضيع البيانات بين الأقسام.

الخطوة 3: بناء نموذج أولي خلال 6–8 أسابيع

نموذج أولي ناجح لا يعني كمالاً، يعني نتيجة قابلة للاختبار:

  • تنبيه “خطر فشل” لمعدة محددة.
  • مقارنة بين تنبيه النظام وقرار فريق الصيانة.
  • قياس: كم إنذار صحيح؟ كم إنذار كاذب؟ ما وقت الاستجابة؟

الخطوة 4: ربط النتائج بمؤشرات أداء واضحة

لا قيمة للذكاء الاصطناعي إن لم يرتبط بـ KPIs مثل:

  • ساعات التوقف غير المخطط.
  • تكلفة الصيانة الطارئة.
  • كفاءة الطاقة لكل وحدة معالجة.
  • مؤشرات السلامة (TRIR أو بدائل داخلية).

أسئلة شائعة يتوقعها أي مدير مشروع أو تشغيل

هل الذكاء الاصطناعي يعني استبدال العاملين؟

لا. في مواقع الطاقة، الذكاء الاصطناعي يعني رفع جودة القرار وتخفيف الأعمال المتكررة. العامل الميداني يبقى أساسياً، لكن قراراته تصبح أسرع وأكثر استناداً للبيانات.

ما أكبر عائق في العراق لتطبيق الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز؟

من خبرتي في مشاريع مشابهة: جودة البيانات وحوكمتها، ثم توفر الاتصال والبنية التحتية، ثم إدارة التغيير (اعتياد الفرق على القرار المبني على البيانات).

هل يمكن بدء تطبيقات الذكاء الاصطناعي قبل اكتمال المشروع؟

نعم، بل هذا هو الأفضل. مرحلة التركيب والاختبارات (Commissioning) هي الوقت المثالي لتجميع البيانات الصحيحة وبناء “خط أساس” للأداء.

ما الذي يجب أن نراقبه حتى الربع الأول من 2027؟

إذا أردنا قراءة تقدم المشروع بعيون تشغيلية (لا إعلامية)، فهناك أربع نقاط تستحق المتابعة:

  • اكتمال تركيب الحساسات وأنظمة القياس وربطها بـ SCADA/DCS.
  • جاهزية نظام إدارة الأصول والصيانة (CMMS) وتوحيد تعريف الأصول.
  • جاهزية مركز عمليات أو غرفة تحكم مع لوحات متابعة حية.
  • خطة تدريب للكوادر المحلية على التحليلات، لا على التشغيل فقط.

هذه ليست “كماليات”. هي الفرق بين منشأة تعمل على الورق ومنشأة تعمل بموثوقية.

الخطوة التالية: من خبر مشروع الناصرية والغراف إلى برنامج وطني للذكاء الاصطناعي

مشروع الناصرية والغراف، بموعده المحدد في 2027 وبطاقته المعلنة، يقدم فرصة واضحة: بناء نموذج تطبيقي يثبت أن الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة في العراق يمكن أن يكون جزءاً من التشغيل اليومي، لا مشروعاً جانبياً.

إذا كنت مسؤولاً في شركة تشغيل/مقاولة/جهة حكومية، أنصحك بأن تبدأ الآن بسؤال عملي واحد داخل فريقك: أي قرار يومي نأخذه بالتخمين، ويمكن تحويله إلى قرار مدعوم ببيانات خلال 3 أشهر؟ عندما تجد الإجابة، ستعرف من أين تبدأ.

والسؤال الأهم الذي سيحكم 2027 وما بعدها: هل سنكتفي بإضافة سعات جديدة… أم سنضيف معها طريقة تشغيل أذكى تجعل هذه السعات تعمل بثبات وتكلفة أقل؟

🇮🇶 الذكاء الاصطناعي ومشروع غاز الناصرية والغراف: جاهزية 2027 - Iraq | 3L3C