كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحوّل تعاون العراق والصين في الطاقة إلى مكاسب تشغيلية؟ أفكار عملية للصيانة التنبؤية والحوكمة وسلاسل الإمداد.

الذكاء الاصطناعي يعزّز شراكة العراق والصين بالطاقة
رقم واحد يلخّص حجم الفرصة: التبادل التجاري بين العراق والصين يقترب من 54 مليار دولار، والصين تُعد أكبر سوق للنفط العراقي. هذه ليست مجرد أرقام دبلوماسية؛ إنها إشارة واضحة إلى أن أي تحديث حقيقي لقطاع الطاقة العراقي—خصوصاً النفط والغاز—سيكون أكثر تأثيراً عندما يُصمَّم ليعمل مع شراكات دولية كبيرة، وعلى رأسها الصين.
اللقاءات الرسمية التي جرت في بغداد بتاريخ 16/12/2025 بين نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية فؤاد حسين ومسؤولين صينيين حول “الشراكة الاستراتيجية” وملف “الحزام والطريق” تعني شيئاً عملياً لقطاع الطاقة: المشاريع تتوسع، وسلاسل الإمداد تتعقد، وحجم البيانات يتضاعف. هنا يدخل الذكاء الاصطناعي كأداة حوكمة وتشغيل، وليس كتقنية “ترف”.
ضمن سلسلة “كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق”، هذا المقال يربط السياسة بالواقع التشغيلي: ما الذي يمكن للعراق أن يربحه فعلاً إذا جعل الذكاء الاصطناعي جزءاً أصيلاً من تعاون الطاقة مع الصين؟ وما الخطوات التي تقلّل المخاطر وتزيد العائد؟
لماذا الشراكات الاستراتيجية تحتاج ذكاءً اصطناعياً (وليس لجاناً فقط)
الإجابة المباشرة: لأن الشراكات الضخمة تنتج احتكاكاً تشغيلياً يومياً، والذكاء الاصطناعي يقلّل هذا الاحتكاك عبر توحيد البيانات ورفع كفاءة القرار. عندما تتعاون جهات عراقية وصينية في مشاريع نفط وغاز وبنى تحتية، ستصطدم بسرعة بحقائق مثل اختلاف أنظمة التقارير، وتباين جودة القياس، وتعدد المقاولين، وتعارض جداول الشحن والصيانة. اللجان تحل جزءاً صغيراً من المشكلة، لكنها بطيئة.
ما يقدّمه الذكاء الاصطناعي هنا ليس “أتمتة عامة”، بل ثلاث وظائف عملية:
- لغة بيانات مشتركة: نماذج تعلم آلي تنقّي البيانات وتوحّد تعريفات المؤشرات (الإنتاج، التوقفات، التسربات، استهلاك الطاقة، جودة الخام…).
- قرار أسرع في الميدان: أنظمة تنبؤ بالأعطال ومخاطر السلامة تساعد فرق التشغيل على التصرف قبل التوقف أو الحادث.
- حوكمة قابلة للتدقيق: تتبع تغيّر البيانات ومن الذي عدّل ماذا ومتى، وهو أمر أساسي في مشاريع متعددة الأطراف.
جملة تصلح كقاعدة عمل: كلما كبر حجم الشراكة، صار توحيد البيانات أهم من توحيد الخطابات.
ومع توجه العراق لأدوار دولية (مثل رئاسة مجموعة 77 والصين، والقمم العربية ومنظمة التعاون الإسلامي) تصبح “الحوكمة الرقمية” جزءاً من صورة الدولة الاقتصادية. الذكاء الاصطناعي هنا يخدم السياسة الخارجية أيضاً، لأنه يجعل التعاون أكثر قابلية للقياس والتنفيذ.
أين يربح قطاع النفط والغاز العراقي من الذكاء الاصطناعي فوراً؟
الإجابة المباشرة: أكبر مكاسب سريعة تأتي من رفع الاعتمادية التشغيلية، تقليل التوقفات غير المخطط لها، وتحسين السلامة في الحقول والمصافي وخطوط الأنابيب.
1) صيانة تنبؤية للمضخات والضواغط والتوربينات
أكثر ما “يستنزف” الإنتاج ليس ضعف القدرة الاسمية، بل الأعطال الصغيرة المتكررة. الذكاء الاصطناعي يتغذى على بيانات الاهتزاز والحرارة والضغط والتيار الكهربائي ليكتشف نمطاً يقول: “هذا الضاغط سيتعطل خلال أسبوعين إذا استمر بهذه الوتيرة”.
النتيجة العملية:
- صيانة مخططة بدل توقف مفاجئ.
- تقليل قطع الغيار الطارئة.
- تحسين التزام التصدير والجداول مع المشترين.
2) تحسين الإنتاج بالتحكم الذكي (Smart Optimization)
في كثير من الحقول، توجد قرارات يومية حول الخنق (choke)، حقن الماء/الغاز، وضبط الفصل. الذكاء الاصطناعي يمكنه اقتراح إعدادات تقلّل الماء المصاحب أو تقلل الطاقة المستهلكة للوحدة المنتجة.
ما أحبّه في هذا الاستخدام أنه لا يحتاج انتظار “مشروع تحول رقمي لثلاث سنوات”. يمكنك البدء بحقل واحد، وخط إنتاج واحد، ثم التوسع.
3) ذكاء اصطناعي للسلامة ومنع الحوادث
السلامة ليست شعارات على الجدران. كاميرات مواقع العمل مع نماذج رؤية حاسوبية تستطيع رصد:
- عدم ارتداء معدات الوقاية.
- دخول مناطق خطرة دون تصريح.
- اقتراب معدات ثقيلة من مسارات بشر.
هذا النوع من الأنظمة يهم الشراكات الدولية لأنه يخلق معياراً موحداً للسلوك والسلامة بين فرق متعددة.
الذكاء الاصطناعي كجسر عملي مع الصين ضمن الحزام والطريق
الإجابة المباشرة: الذكاء الاصطناعي يجعل مشاريع “الحزام والطريق” في الطاقة قابلة للإدارة عبر منصة بيانات مشتركة، وتخطيط أفضل للإنشاءات، ومراقبة أداء الأصول بعد التسليم.
في مشاريع البنى التحتية المرتبطة بالطاقة—مثل خطوط أنابيب، محطات معالجة، توسعة مصافٍ، شبكات كهرباء مساندة—تظهر ثلاثة تحديات متكررة: التأخير، تضخم الكلفة، وضعف التشغيل بعد التسليم. هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يشتغل كطبقة “رقابة ذكية”:
1) تخطيط مشاريع مدفوع بالبيانات (Project Analytics)
نماذج تتعلم من مشاريع سابقة لتقدير احتمالات التأخير حسب المقاول، نوع المعدة، الموسم، ومسارات التوريد. في ديسمبر تحديداً (نهاية السنة المالية لكثير من الجهات)، ضغط التسليم يزيد، وأي تنبؤ مبكر يفيد في إعادة الجدولة قبل أن تتراكم المشاكل.
2) توأم رقمي للأصول (Digital Twin)
التوأم الرقمي ليس رسماً ثلاثي الأبعاد للعرض. عندما يرتبط بحساسات حقيقية، يصبح مرآة تشغيلية للمعدة أو المحطة. ويمكن للطرفين—العراقي والصيني—الاطلاع على نفس “الحقيقة التشغيلية” بدل اختلاف التقارير.
3) إدارة سلسلة الإمداد في النفط والغاز
الشحنات، قطع الغيار، معدات الحفر، والمواد الكيميائية… كلها نقاط اختناق. أنظمة تنبؤ الطلب وتقليل المخزون الراكد ترفع الكفاءة وتقلل فواتير التخزين.
ما الذي يحتاجه العراق أولاً؟ حوكمة البيانات قبل النماذج
الإجابة المباشرة: إذا كانت البيانات غير موثوقة أو غير موحدة، فالذكاء الاصطناعي سيكرر الأخطاء بسرعة أكبر. لذلك البداية الصحيحة ليست شراء منصة “لامعة”، بل تأسيس حوكمة بيانات واضحة.
هذه قائمة عملية (ومباشرة) لما أنصح به في مؤسسات الطاقة العراقية التي تريد نتائج خلال 6–12 شهراً:
- تحديد “مصادر الحقيقة” لكل مؤشر: ما هو النظام المرجعي للإنتاج؟ للسلامة؟ للصيانة؟
- معايير جودة البيانات: حدود القيم الشاذة، نسبة القيم المفقودة المقبولة، وتواتر التحديث.
- قاموس بيانات موحّد بين الشركاء: تعريفات متفق عليها للمصطلحات التشغيلية.
- سياسات وصول وصلاحيات: من يقرأ؟ من يكتب؟ من يوافق على التغيير؟
- سجل تدقيق (Audit Trail): ضروري في الشراكات متعددة الأطراف وفي العقود.
عبارة تلخص المشهد: حوكمة البيانات هي عقد الشراكة غير المكتوب.
وعند التعاون مع الصين، هذا يترجم إلى تبادل بيانات آمن وقابل للتدقيق، ويخفف حساسيات “من يملك البيانات؟” عبر تصميم سياسات مشاركة واضحة.
أسئلة شائعة يطرحها التنفيذيون في النفط والغاز بالعراق
س: هل الذكاء الاصطناعي يعني الاستغناء عن الكوادر؟ الواقع أنه يعيد توزيع الجهد. ستقل أعمال التقارير اليدوية والتفتيش الروتيني، مقابل زيادة الحاجة لمشغّلين يفهمون الأنظمة ومهندسين يفسرون مخرجات النماذج. أفضل نتيجة رأيتها في مشاريع مشابهة هي: وقت أقل في جمع البيانات، ووقت أكثر في حل المشاكل.
س: ما أسرع “حالة استخدام” تعطي عائداً ملموساً؟ الصيانة التنبؤية عادةً الأسرع، لأنها تقيس نفسها بسهولة: عدد الأعطال، ساعات التوقف، وكلفة الصيانة الطارئة.
س: كيف نتجنب فشل مشروع ذكاء اصطناعي؟ ثلاث قواعد تمنع 70% من الفشل:
- ابدأ بحالة استخدام واحدة قابلة للقياس.
- لا تطلب بيانات مثالية؛ اطلب بيانات “صالحة”.
- عيّن مالكاً تشغيلياً (Operations Owner) للنموذج، وليس فقط فريق تقنية.
خارطة طريق مختصرة للتنفيذ مع شركاء دوليين
الإجابة المباشرة: ابدأ بمشروع تجريبي في أصلٍ مهم، ثم وسّع إلى منصة بيانات مشتركة، ثم اربط النتائج بعقود الأداء.
المرحلة 1 (0–3 أشهر): مشروع تجريبي واضح
- اختيار أصل حرج: ضاغط غاز، مضخة رئيسية، أو خط أنابيب حساس.
- تركيب/تفعيل الحساسات وجمع بيانات كافية.
- بناء نموذج إنذار مبكر وتحديد عتبات واضحة للتدخل.
المرحلة 2 (3–9 أشهر): منصة بيانات وتشغيل مشتركة
- توحيد التقارير بين الفرق.
- ربط الصيانة وإدارة الأصول.
- إدخال لوحات متابعة (Dashboards) للإدارة والعمليات.
المرحلة 3 (9–18 شهراً): ربط الأداء بالعقود والتحفيز
- اتفاقيات مستوى خدمة مبنية على مؤشرات: التوقفات، السلامة، كفاءة الطاقة.
- مكافآت/غرامات مرتبطة بالنتيجة، لا بالوعود.
هذه الخطة تناسب بيئة الشراكات الاستراتيجية لأنها تقلّل الجدل: الأرقام هي الحكم.
ماذا يعني هذا للقيادات العراقية الآن؟
الشراكة العراقية-الصينية، كما تظهر في محادثات بغداد، تُفتح على ملفات “الحوكمة والتنمية والأمن” إلى جانب الاقتصاد والطاقة. أنا أرى أن الذكاء الاصطناعي هو الخيط الذي يمكنه ربط هذه الملفات داخل قطاع النفط والغاز تحديداً: حوكمة بيانات أفضل، تشغيل أكثر استقراراً، وسلامة أعلى. وعندما تصبح الصين أكبر سوق للنفط العراقي، فإن تحسين الاعتمادية والجودة ليس خياراً جانبياً؛ إنه جزء من القدرة التنافسية.
إذا كنت مسؤولاً أو مديراً في شركة طاقة أو مقاولاً يعمل في مشاريع النفط والغاز بالعراق، فالخطوة التالية واضحة: اختر حالة استخدام واحدة، ضع لها مؤشراً رقمياً، وابدأ بتجميع البيانات بشكل منضبط. بعدها فقط يصبح الحديث عن “تحول رقمي” حديثاً له معنى.
يبقى سؤال واحد يستحق أن نتركه مفتوحاً: هل سيعامل العراق الذكاء الاصطناعي كأداة تشغيلية ترفع الإنتاج والسلامة، أم سيبقى عنواناً في عروض تقديمية لا تقترب من مواقع العمل؟