مشروع الفرات يضيف 625 ميغاواط ويزيد الكفاءة 50%. تعرّف كيف يضاعف الذكاء الاصطناعي أثره عبر الصيانة التنبؤية والتوأم الرقمي.

الذكاء الاصطناعي ومحطات الفرات: كهرباء أكثر ووقود أقل
في 24/12/2025 الساعة 03:54 م، بدأ تنفيذ مشروع توسعة «الفرات» للدورة المركّبة بالتعاون مع شركة شنغهاي إلكتريك—والرقم وحده يستحق التوقف عنده: إضافة 625 ميغاواط للشبكة الوطنية، ورفع كفاءة المحطات بنحو 50% مع إنتاج إضافي يقارب 5 مليارات كيلوواط/ساعة سنوياً من دون زيادة استهلاك الوقود. هذه ليست مجرد «مقاولة جديدة»، بل نموذج عملي لما يمكن أن يحدث عندما تُدار البنية التحتية بعقلية تحسين الكفاءة لا بعقلية زيادة الوقود.
أرى أن العراق لا يحتاج فقط إلى مزيد من محطات التوليد، بل يحتاج بالقدر نفسه إلى تشغيل أذكى للموجود—وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق كحلّ مباشر لمشكلة يومية يعرفها الجميع: انقطاعات الكهرباء، ضياع الطاقة، وتكاليف تشغيل أعلى مما ينبغي.
المثير في مشروع الفرات أنه يفتح الباب لمرحلة ثانية أكثر قيمة: بعد تحويل الوحدات من الدورة البسيطة إلى الدورة المركبة، يصبح لدى فرق التشغيل بيانات أكثر وتعقيد أعلى—وهذا بالضبط المكان الذي يضيف فيه الذكاء الاصطناعي فرقاً كبيراً في رفع الاعتمادية، تقليل الأعطال، وضبط استهلاك الغاز.
مشروع الفرات للدورة المركبة: لماذا هو خطوة ذكية الآن؟
الجواب المباشر: لأن تحويل الوحدات إلى دورة مركبة يحقق «زيادة إنتاج» من نفس الوقود، وهذا أسرع طريق عملي لتقليل فجوة الكهرباء قبل حلول صيف 2026.
المشروع يستهدف أربع محافظات: النجف، كربلاء، بابل، والديوانية (القادسية). اختيار هذه الجغرافيا ليس تفصيلاً؛ فهي مناطق ذات نمو سكاني وخدمي، وأي تحسن في استقرار الكهرباء ينعكس فوراً على:
- تشغيل المستشفيات والمدارس والخدمات البلدية
- تقليل الاعتماد على المولدات الأهلية وما يصاحبها من كلفة وتلوث
- تحسين بيئة الأعمال للمصانع الصغيرة والمتوسطة
ما الذي يعنيه «تحويل دورة بسيطة إلى دورة مركبة» عملياً؟
الجواب المباشر: استغلال حرارة عادم توربينات الغاز لتوليد بخار يشغّل توربيناً بخارياً إضافياً، فينتج كهرباء أكثر دون حرق وقود إضافي.
هذا النوع من المشاريع ينجح عندما تُدار التفاصيل بدقة: حرارة العادم، ضغط البخار، نظافة المبادلات، جودة المياه، وجدولة الصيانة. أي خلل صغير قد يحوّل مكاسب الكفاءة على الورق إلى مكاسب متواضعة على الأرض.
جملة مفيدة لمديري التشغيل: “الدورة المركبة تمنحك كفاءة أعلى… لكنها أيضاً ترفع ثمن الأخطاء التشغيلية إذا لم تُدار بالبيانات.”
أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟ من «بناء محطة» إلى «تشغيل محطة لا تُفاجئك»
الجواب المباشر: الذكاء الاصطناعي يجعل محطة الدورة المركبة تعمل قرب أفضل نقطة تشغيل ممكنة معظم الوقت، ويتنبأ بالأعطال قبل أن تتحول إلى توقفات مفاجئة.
في سلسلة مقالات «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق»، غالباً ما نركز على الحقول والمنشآت النفطية. لكن الكهرباء هي الحلقة التي تربط كل شيء: الغاز المغذي للمحطات، شبكات النقل، المصافي، وحتى مراكز التحكم.
1) الصيانة التنبؤية: تقليل التوقفات القسرية (Forced Outages)
الجواب المباشر: نماذج تعلم الآلة تلتقط إشارات مبكرة من الاهتزازات والحرارة والضغط قبل فشل المعدة.
في محطات الدورة المركبة، أكثر ما يرهق التشغيل هو التوقف المفاجئ—لأنه يخلق سلسلة مشاكل: هبوط تردد، أحمال تنتقل لمحطات أخرى، ثم ضغط أكبر على الشبكة. الذكاء الاصطناعي يمكنه مراقبة:
- اهتزازات التوربينات والمحامل
- تدهور كفاءة الضواغط ومعدلات تدفق الهواء
- سلوك الغلايات واستقرار اللهب ومؤشرات الاحتراق
- مؤشرات تلوث المبادلات الحرارية وارتفاع فرق الضغط
المكسب المتوقع عملياً: تقليل الصيانة الطارئة، وزيادة الصيانة المخططة، وهذا غالباً أرخص وأسرع.
2) تحسين الاحتراق وتقليل الاستهلاك: «نفس الوقود، طاقة أكثر»
الجواب المباشر: التحكم المتقدم بالذكاء الاصطناعي يوازن الوقود/الهواء ويُحسن نقطة التشغيل وفق الحمل والظروف الجوية.
العراق يعرف تقلبات كبيرة في درجات الحرارة بين الشتاء والصيف. في الصيف، الهواء الساخن يقلل أداء التوربينات الغازية. الذكاء الاصطناعي—عندما يُدمج مع أنظمة التحكم—يساعد على:
- اختيار إعدادات تشغيل تحقق أفضل كفاءة حرارية حسب حرارة الجو
- تقليل خسائر التشغيل عند الأحمال الجزئية (Part-load)
- اكتشاف الانحراف التدريجي في الحساسات قبل أن يضلل غرفة السيطرة
وهذا مهم خصوصاً عندما يقول المشروع إنه سيولد 5 مليارات كيلوواط/ساعة إضافية سنوياً من دون زيادة الوقود. الحفاظ على هذا الوعد يحتاج تشغيل منضبط، لا مجرد معدات جديدة.
3) التوأم الرقمي (Digital Twin): تدريب وتخطيط بلا مخاطرة
الجواب المباشر: التوأم الرقمي يحاكي المحطة ليتيح اختبار السيناريوهات قبل تطبيقها في الواقع.
أنا أميل لاعتبار التوأم الرقمي شرطاً شبه أساسي لمحطات الدورة المركبة الحديثة، خاصة في بيئة تشغيل تعاني من تغيرات حمل سريعة. باستخدام نموذج محاكاة مرتبط ببيانات فعلية، يمكن للفرق أن:
- تتدرب على سيناريوهات انقطاع غاز مفاجئ أو تغير حمل حاد
- تختبر أثر تغيير إعدادات التشغيل على الانبعاثات والكفاءة
- تُخطط لصيانة توقفية (Turnaround) بأقل فقد إنتاج ممكن
4) ذكاء الشبكة: لأن 625 ميغاواط لا تُدار بالمحطة فقط
الجواب المباشر: قيمة الإضافة لا تكتمل إلا إذا كانت الشبكة قادرة على نقلها وتوزيعها بكفاءة.
زيادة القدرة في أربع محافظات تعني أيضاً تحديات تشغيل شبكي: ازدحام خطوط، اختناقات محولات، وتوازن تردد. تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مراكز السيطرة يمكن أن تدعم:
- التنبؤ بالطلب حسب الساعة/اليوم/الموسم (خصوصاً في أشهر الحر)
- كشف الفواقد غير الفنية والتجاوزات على الشبكة
- تحسين جدولة الأحمال بين المحطات لتقليل الكلفة واستهلاك الوقود
الشراكات الدولية: لماذا يهم العراق أن يربط الهندسة بالبيانات؟
الجواب المباشر: الشراكات التي تركز على نقل المعرفة والبيانات تبني قدرة محلية؛ أما الشراكات التي تركز على «توريد وتسليم» فقط فتترك الفجوة كما هي.
مشروع الفرات مثال واضح على تعاون فرق صينية وعراقية. السؤال العملي الذي أنصح كل جهة مالكة للمشروع أن تضعه على الطاولة من البداية: هل سنكتفي بتشغيل تقليدي بعد التسليم، أم سنبني «منظومة تشغيل رقمية»؟
لتحويل التعاون إلى مكاسب طويلة الأمد، ركّزوا على ثلاث نقاط:
- حوكمة بيانات واضحة: من يملك بيانات التشغيل؟ أين تُخزن؟ وكيف تُستخدم؟
- تدريب عميق للكوادر: ليس تدريب تشغيل يومين، بل مسار مهارات في التحليلات والموثوقية.
- عقود أداء مرتبطة بالمؤشرات: مثل معدل التوقف القسري، الحرارة النوعية (Heat Rate)، وكفاءة الدورة المركبة.
خطة تطبيق عملية: كيف تبدأ محطة عراقية بالذكاء الاصطناعي خلال 90 يوماً؟
الجواب المباشر: ابدأ بمشروعين صغيرين عاليي العائد: جودة البيانات + صيانة تنبؤية لمعدة حرجة.
لا تحتاج أن «تُرقمن كل شيء» دفعة واحدة. ما رأيته يعمل غالباً هو نهج تدريجي واضح:
الأسبوع 1–3: ترتيب البيانات قبل النماذج
- جرد الحساسات الحرجة وتحديد الأعطال المتكررة
- توحيد تسميات الإشارات (Tag Naming) بين أنظمة التحكم والصيانة
- معالجة فقد البيانات والقراءات الشاذة
الأسبوع 4–8: نموذج صيانة تنبؤية لمكوّن واحد
اختيار مكوّن يؤلمكم فعلاً، مثل:
- مضخات مياه التغذية
- محامل التوربين البخاري
- مبردات/مكثفات تؤثر مباشرة على الكفاءة
ثم بناء نموذج إنذار مبكر يعتمد على تاريخ الأعطال وقراءات التشغيل.
الأسبوع 9–12: لوحة قيادة تشغيلية “Ops Dashboard”
- مؤشرات يومية للكفاءة، الأعطال، وجودة الوقود
- تنبيهات قابلة للتنفيذ، لا تنبيهات عامة
- مراجعة أسبوعية تربط التنبيه بقرار صيانة أو تغيير إعداد
قاعدة بسيطة: إذا لم يغيّر التنبيه قراراً، فالتنبيه ضجيج.
أسئلة شائعة يطرحها مديرو الطاقة في العراق (وإجابات مختصرة)
هل الذكاء الاصطناعي مفيد إذا كانت البيانات ضعيفة؟
نعم، لكن بشرط: أول مكسب ستحصل عليه هو تحسين البيانات نفسها عبر اكتشاف الحساسات المعطلة والانحرافات.
هل يتطلب الأمر استبدال أنظمة التحكم الحالية؟
غالباً لا. كثير من الحلول تبدأ كطبقة تحليل فوق أنظمة SCADA/DCS ثم تتوسع تدريجياً.
ما أكبر خطأ في مشاريع الذكاء الاصطناعي للمحطات؟
التركيز على نموذج «جميل» دون ربطه بعملية صيانة وتشغيل واضحة: من يستلم التنبيه؟ ما الإجراء؟ ما زمن الاستجابة؟
ماذا يعني مشروع الفرات لمستقبل الطاقة والنفط والغاز في العراق؟
مشروع الفرات لا يقدم 625 ميغاواط فقط؛ يقدم رسالة إدارة: الكفاءة يمكن شراؤها بالهندسة، لكن الحفاظ عليها يحتاج ذكاءً رقمياً. ومع دخولنا شتاء 2025 واستعدادات 2026، أي تحسن في الكهرباء ينعكس فوراً على سلاسل النفط والغاز أيضاً—من ضغط الغاز ومعالجته إلى تشغيل المصافي وخطوط الضخ.
إذا كنت تعمل في وزارة، شركة توليد، محطة، أو حتى شركة خدمات نفطية، فهذه فرصتك لتربط مشاريع التوسع الهندسي بمشاريع ذكاء اصطناعي عملية: صيانة تنبؤية، توأم رقمي، وتحسين تشغيل. هذا هو قلب سلسلة «كيف يُحوّل الذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة والنفط والغاز في العراق».
السؤال الذي أتركه لك: عندما تدخل القدرة الجديدة إلى الشبكة، هل ستكون محطاتنا جاهزة لتشغيلها بأعلى كفاءة ممكنة… أم سنعاملها كأي قدرة جديدة ونكرر نفس أخطاء التشغيل؟